مخاوف من “انفلات أمني” في لبنان بعد “حرب شوارع” في طرابلس

أسرار شبارو – الحرة

عاد مشهد الاشتباكات النارية إلى الشوارع اللبنانية، هذه المرة من مدينة طرابلس شمال البلاد حيث شهدت معارك متنقلة من منطقة إلى أخرى خلال اليومين الماضيين، وسط مخاوف من انفلات أمني قد يضع الدولة في أزمة سياسية حقيقية.




بدأ الأمر باشتباك “عائلي” في منطقة باب التبانة لتنتقل “حرب الشوارع” في اليوم التالي إلى حارة البرانية (قيل أنه اشتباك عائلي كذلك) ثم ساحة النجمة إثر خلافات ثأرية وغيرها من المناطق، ما أدى إلى سقوط قتيلين وعدد من الجرحى.

اندلاع المواجهات الدموية في هذه الفترة الزمنية طرح علامات استفهام فيما إن كانت خلفيتها تمهيداً لتفجير الوضع الأمني في لبنان قبل موعد الاستحقاق الانتخابي الذي حدد في 15 مايو القادم.

مخاوف من استغلال أي انفلات أمني لتغيير النظام السياسي في لبنان
مخاوف من استغلال أي انفلات أمني لتغيير النظام السياسي في لبنان

وزير الداخلية والبلديات، بسام مولوي، أكد أن “الإشكال العائلي في التبانة محلّ متابعة حثيثة من قبل القوى الأمنية والجيش اللبناني موجود”، داعياً “اللبنانيين إلى الانتباه على أمنهم”.

وقال مولوي خلال مؤتمر صحفي عقب إقفال باب تسجيل اللوائح الانتخابية: “نؤكد جهوزية الوزارة التي تقوم بكلّ واجباتها رغم الظروف الصعبة وأجواء التشويش، ونصرّ على إنجاز الاستحقاق الانتخابي بسلاسة وأمان ونجاح”.

تعد الانتخابات النيابية المرتقبة الشهر القادم مفصلية، فهي الأولى بعد ثورة 17 تشرين (أكتوبر) وفي ظل أزمة صنفها البنك الدولي “من ضمن أسوأ ثلاث أزمات في العالم”، في وقت  ارتفعت التحذيرات خلال الفترة الماضية من أي مسعى لتأجيل الانتخابات أو حتى إلغائها.

التمديد للمجلس النيابي اللبناني لأسباب أمنية ليس غريباً عن الدولة، فقد حرم اللبنانيون من اختيار ممثليهم في البرلمان من عام 1972 حتى عام 1992 وذلك بسبب اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، ومدد برلمان 2009 لنفسه أكثر من مرة بحجج عدة أمنية ولوجستية وسياسية، لتحصل الانتخابات في عام 2018 وفق قانون انتخابي يقوم على النسبية بدلاً من نظام الأكثرية.

يمارس المجتمع الدولي ضغوطاً على السلطات اللبنانية لاجراء الانتخابات النيابية في موعدها، والشهر الماضي شدد مجلس الأمن الدولي في بيان على “أهمية إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة وشاملة في الموعد المحدد لها”.

كما قالت السفيرة الأميركية لدى بيروت، دوروثي شيا، في تصريح صحفي، إن “هناك إجماعاً في المجتمع الدولي على ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها”، مؤكدة على أنه “لا مجال للمناورة”.

الجيش اللبناني استبعد وقوع انفلات أمني معلنا استعداده لأي طارئ
الجيش اللبناني استبعد وقوع انفلات أمني معلنا استعداده لأي طارئ

خشية من انفلات أمني

في الوقت الذي تعتبر فيه قوى التغيير أن الاستحقاق الانتخابي محطة لتحويل المعادلة في البرلمان، تخشى المنظومة الحاكمة من احتمال خسارتها الأغلبية النيابية ما يدفع البعض إلى ابداء مخاوفه من إمكانية قيامها بكل ما في وسعها لتأجيل وحتى تطيير الانتخابات.

وبحسب رئيس “لقاء سيدة الجبل” النائب السابق، فارس سعيد، فإن هناك أمراً وحيداً يمكنه أن يؤدي إلى تأجيل الانتخابات ألا وهو عرقلة المفاوضات في فيينا بين الإدارة الأميركية الحالية والإيرانيين، إذ عندها قد تذهب إيران إلى خيارها المفضل بزعزعة الاستقرار في لبنان والمنطقة ظناً منها بأن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تحسين ظروفها في المفاوضات، وإذا حصل ذلك نكون مرة جديدة صندوق بريد وضحايا معاً.

وأضاف في حديث لموقع “الحرة” “يحاول البعض الاشارة إلى إمكانية تأجيل الانتخابات لأسباب لها علاقة بـ’اللوازم الانتخابية’ من حبر وورق وانقطاع كهرباء وارتفاع كلفة المولدات الخاصة وغيرها، إلا أن كل تلك الأسباب لا تستدعي التأجيل برأيي”.

واعتبر سعيد أن “الحرب على أوكرانيا عقدت الأمور أكثر، فالإدارة الأميركية، وإن كانت تريد التوصل إلى اتفاق مع إيران، لكن بعد الحرب الروسية لا تريد أن يصب ذلك في مصلحة روسيا في المنطقة”.

كما تطرق سعيد إلى قمة النقب والرفض العربي لأي اتفاق لا يمس بموضوع الصواريخ الباليستية وأذرع إيران في المنطقة، “لا سيما وأن إيران تتصرف في المنطقة وكأنها أنجزت الاتفاق مع الولايات المتحدة ورفعت العقوبات المالية عنها وحررت أموالها من الخزانة الأميركية، متسائلاً “هل ستخاض الانتخابات في ظل هذه النشوة الإيرانية أم هناك عرقلة لها وللانتخابات معها؟”

تبقى الخشية من انفلات الوضع الأمني قبل الانتخابات “حاضرة  في أي لحظة”، بحسب ما قاله العميد الركن المتقاعد، يعرب صخر.

وقال في حديث مع موقع “الحرة” إن “الأمر خاضع لاستباق حسابات الربح والخسارة، لاسيما وأن الأرضية مهيئة لذلك، فالنفوس مشحونة والضائقة المعيشية غير مسبوقة، إنما من بيده إفلات أو إمساك الوضع الأمني هم ‘الممانعون’ وقوى الأمر الواقع”.

وأضاف “هؤلاء بيدهم تكرار مشهدية الطيونة وسواها بأعذار جاهزة غب الطلب ساعة يشاؤون، إذا تبينت لهم عدم إمكانية حصد أكثر من نصف أعضاء المجلس النيابي، وهنا علينا أن نراجع ما قاله أهل الممانعة بلغة واحدة: الانتخابات قد لا تجري لسبب واحد وهو إذا استجد وضع أمني خطير”.

إذا شعر “الممانعون” كما قال صخر “أنهم لا يستطيعون تأمين الأكثرية النيابية قد يلجؤون لتفجير الوضع الأمني لكي يحافظوا على مكتساباتهم، فخلاف ذلك قد يفقدهم أوراقاً رابحة كثيرة، خاصة أن وضع حليفهم، التيار الوطني الحر، مهزوز ومنكمش وهو الذي أمّن لهم الغطاء المسيحي وزاوجوا معه ما بين الفساد والسلاح أو المافيا”.

"حرب شوارع" في لبنان تنذر بـ "مخططات" خفية لـ "المستفيد الأول"
“حرب شوارع” في لبنان تنذر بـ “مخططات” خفية لـ “المستفيد الأول”

وتابع “إذا نظرنا إلى الانشغال الدولي والإقليمي اللاهي عن لبنان، نجد أن هذه فرصة الممانعين الذهبية التي سيستغلونها لتأمين أقصى قدر من المكتسبات، وفي سبيل ذلك يحللون لأنفسهم كل المحرمات ولا يعدمون السبل وأولها التهديد بانفلات الوضع الأمني”.

خشية صخر كما قال “نابعة من نظرتي أنهم يخططون لنيل أكثر من الأكثرية تمهيداً لفرض مؤتمرهم التأسيسي أو تغيير النظام السياسي اللبناني بما يتماشى مع عقائدهم وأهدافهم مستغلين إلى أقصى حد عدم توحد قوى الثورة والتغيير وتشتت تيار المستقبل وانشغال المجتمع الدولي عن لبنان بأحداث اوكرانيا وهموم الطاقة ومصادرها وامداداتها”.

الشهر الماضي، دعت مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان بعد اجتماع لها في بيروت لمراجعة الاستعدادات للانتخابات، إلى “إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة وشاملة في موعدها المحدد” لافتة الانتباه إلى التزام المجتمع الدولي الراسخ بدعم العملية الانتخابية في لبنان وتقديمه دعماً مالياً ومادياً وتقنياً وسياسياً كبيراً لهذه العملية” مؤكدة أن “الانتخابات هي أولاً وقبل كل شيء حق للشعب اللبناني وجزء من تطلعاته، كما أنها مسؤولية سيادية يجب على السلطات اللبنانية الوفاء بها”.

وحثت “على الإسراع بالأعمال التحضيرية احتراماً للإطار القانوني النافذ والمهل الدستورية ذات الصلة”، داعية كافة الأطراف السياسية إلى “الانخراط بشكل مسؤول وبنّاء في العملية الانتخابية والحفاظ على الهدوء والالتزام بإجراء انتخابات سلمية لصالح البلد وجميع اللبنانيين”.

وأكدت المجموعة التي تضم كلاً من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الروسي والمملكة المتحدة وحكومات الصين وجامعة الدول العربية، على استمرارها بالوقوف إلى جانب لبنان وشعبه.

المستفيد الأول

المستفيد الأول من تأجيل الانتخابات بحسب الكاتب السياسي، الدكتور مكرم رباح، هو “حزب الله” لافتاً إلى أن “أي لجوء للعنف خارج البيئة الشيعية يريح الحزب للإشارة إلى أن سلاحه ليس المشكلة الأساسية في البلد وبأنه ليس الوحيد الذي يملك سلاحاً غير شرعي، من هنا يمكن فهم محاولات تصوير طرابلس بأنها خارجة عن الدولة وحاضنة للتطرف الإسلامي في البيئة السنية”.

وأضاف “اللجوء إلى العنف في الشارع يشد العصب الطائفي وهو يصب في صالح الأحزاب التقليدية ضد قوى الثورة التي ليس لها وجود في هكذا خطاب مشحون ومذهبي”.

وشدد رباح على أنه “سيحصل انفلات أمني محسوب من قبل الأحزاب التقليدية وعلى رأسها حزب الله، يستخدم كأداة وسلاح لقمع أي حركة وحملات انتخابية لقوى التغيير سواء كان ذلك في جبل لبنان والشمال والجنوب بالتحديد، إضافة إلى العنف الذي سيوجه من قبل الدولة اللبنانية المتواطئة مع الأحزاب”.

لا بل كما قال رباح “هناك دفع نحو تأجيل تقني للانتخابات حتى شهر أكتوبر القادم كونها مرتبطة بشكل مباشر بالانتخابات الرئاسية، والطبقة السياسية لا تريد الإقدام على أي خطوة من دون أن يكون لديها صفقة متكاملة جديدة”.

في مقابل الخشية من تأجيل الانتخابات النيابية، تكثر التصريحات، سواء الرئاسية أو الحكومية أو السياسية، التي تؤكد التصميم على إجرائها في موعدها، والخميس، قال رئيس الحكومة، نجيب ميقاتي، في مستهل الجلسة الحكومية: “كل كلام وتشكيك في عدم حصول الانتخابات في موعدها مجرد تحليلات، لأن الانتخابات مطلب لبناني قبل أن يكون مطلب أصدقاء لبنان”.

وزير العدل اللبناني الأسبق، اللواء أشرف ريفي. وضع الاشتباكات في طرابلس ضمن إطار “الصراع العائلي الذي لا يشكل خطراً على الانتخابات”، وقال: “الجيش ضبط الوضع، ونأسف لوقوع ضحايا”.

وكان الجيش اللبناني أصدر بياناً جاء فيه أنه “بتاريخ 4 أبريل 2022، وإثر خلافات عائلية وقع إشكال بين عائلتين في  منطقة التبانة -طرابلس  تطور إلى إطلاق نار ، ما أدى إلى إصابة الطفل (م.س)  الذي نُقل إلى أحد المستشفيات  لكنه ما لبث أن فارق الحياة، وعلى الإثر أقدم عدد من الشبان على إطلاق النار عشوائياً في المنطقة وحرق أحد المحال التجارية،  ما أدى إلى إصابة المواطن ( ع. ق. ا) الذي فارق الحياة”.

وفي بيان ثان ذكر الجيش أنه “بتاريخ 5 أبريل 2022، تطور إشكال عائلي في الحارة البرانية في مدينة طرابلس إلى إطلاق نار أدى إلى سقوط عدد من الإصابات الطفيفة، وعلى الفور تدخلت قوة من الجيش تؤازرها دورية من مديرية المخابرات وعمدت إلى ملاحقة مطلقي النار، كما داهمت عدة منازل وتمكنت من توقيف ثلاثة أشخاص، وتم ضبط أقنعة واقية من الغاز، وتستمر المتابعة لتوقيف باقي المتورطين”.

اللواء ريفي اعتبر في حديث لموقع “الحرة” أن “المستفيد الأول من تأجيل أو إلغاء الانتخابات هو التيار الوطني الحر بسبب تراجع شعبيته، كما أن لدى حزب الله ذات المصلحة وذلك خوفاً من نموذج عراقي آخر، ومع ذلك كلاهما يخشى تحمّل نتيجة تأجيل أو إلغاء الانتخابات”.

لكن عضو ​تكتل “لبنان القوي​” النائب إدي معلوف، شدد على أن “التيار الوطني الحر” أكثر من لديه مصلحة بإجراء الانتخابات النيابية في موعدها لوضع حد لكل حملات التحريض والشائعات وحتى التنمر التي تستهدفه.

وشرح قائلا: “بدأت الحملات ضدنا منذ تقدمنا بطعن ضد القانون الانتخابي، فاتُّهِمنا حينها بأن لدينا نية تأجيل الانتخابات، كان جوابنا القرار لا يحتاج لأكثر من ثلاثة أسابيع وظهر أن الحق معنا، وتوالت الاتهامات عندما طالبنا بتحديد موعد الانتخابات في 15 مايو وليس في 27 مارس ليظهر كذلك أننا على صواب، استمر استهدافنا عندما طرحنا الميغاسنتر لمواجهة مشكلة ارتفاع بدل النقل وانعكاسه على نسبة الاقتراع”.

وعن الخشية من انفلات الوضع الأمني أجاب “يعود إلى وزيري الداخلية والدفاع ضبط الوضع، وإلى حد الآن الأجهزة الأمنية متماسكة ونأمل أن تبقى كذلك”.

ونفى معلوف في حديث لموقع “الحرة” أن يكون عدد مرشحي التيار انخفض مقارنة بالانتخابات الماضية كما يتداول البعض قائلاً “مرشحو الوطني الحر سيخوضون الانتخابات في مختلف الأقضية التي سبق أن ترشحوا فيها، لا بل هذه المرة لدينا مرشحان في بعلبك – الهرمل والبقاع الغربي”.

إما الجحيم أو النعيم

كلما اقتربنا من موعد الانتخابات ترتفع كما قال اللواء ريفي “نسبة رجرائها، إلا إذا تفاجأنا بقضية معينة، سواء عدم توفر الكهرباء أو اضراب الموظفين أو العسكريين أو القضاة”، مؤكداً “نجهز أنفسنا كقوى سيادية لخوض الانتخابات تحت عنوان وطني، وكل فريق سيادي لم يغرق في الفساد هو نزيه ونعتبر أنفسنا شركاء له ونقف إلى جانبه”.

كذلك لا يخشى وزير الداخلية الأسبق، مروان شربل، من انفلات الوضع الأمني قبل الانتخابات النيابية، قائلاً :”لا أحد لديه مصلحة في ذلك، وإلا يكون لديه مصلحة بخراب البلد”.

وفيما إن كان الشارع في لبنان مهيئاً لأي انفلات أمني أجاب “الأجهزة الأمنية جاهزة، وقد درست الوضع جيداً، المشاكل الأمنية في الشارع لن يكون لها دور في تأجيل الانتخابات إلا إذا حصلت عمليات اغتيال شخصية”.

وأضاف “هل من يصدق أن اللبنانيين يموتون جوعاً والوضع الأمني جيّد، أي بلد في العالم يواجه قضايا اجتماعية ومادية كرفع سعر صفيحة البنزين وفرض ضرائب جديدة (بتخرب الدنيا)، كما حصل في فرنسا في بداية عهد الرئيس إيمانويل ماكرون مع حركة السترات الصفر، في لبنان يفرضون ضرائب وراتب الموظف على حاله! وعن السكوت الشعبي، قال: تحمسوا واقعدوا”.

يبقى الرهان كما قال صخر “على الناخب اللبناني الذي عليه التنبه أنه أمام معادلة إما تغيير وجه لبنان ليكون شمولياً ومنغلقاً ومهمشاً على قارعة الأمم، وإما التأسيس لعودة لبنان الحضارة والعلم والانفتاح والحداثة والرقي والجمال، هكذا هي المسألة فلا حلول وسط، إما الجحيم أو النعيم، كذلك الرهان على الوعي الوطني ومعرفة أن الوضع المعيشي القاسي والضاغط، هو نتيجة لسبب هيمنة المافيا والميليشيا، فعلينا التعامل بالأسباب وليس التلهي بالنتائج، فإذا عالجنا السبب تبطل النتيجة”.