ما الذي يعدّه “حزب الله” لما بعد الانتخابات… إحياء صيغة 8 آذار أم ائتلاف بمواصفات مختلفة؟

ابراهيم بيرم – النهار

كان لافتاً مضمون الخطاب الأخير لرئيس مجلس النواب #نبيه بري أمام الماكينة الانتخابية لحركة “#أمل” في المصيلح، الذي رأى فيه البعض خروجاً الى حد ما عن فحوى إطلالات رئيس المجلس الأكثر هدوءاً ورسمية. بدا ذلك إن لجهة التأكيد على موقع المقاومة ومحورية استمرارها، وإن لجهة الدعوة الصريحة الى رفع نسبة الاقتراع صبيحة يوم 15 أيار المقبل منطلقاً من فكرة أن معركة الانتخابات باتت تتجسّد في نسبة الاقتراع، يقيناً منه بأن النتائج محسومة سلفاً.




بذا يتقاطع خطاب بري مع جوهر الخطاب الانتخابي الذي دأب “#حزب الله” على إطلاقه منذ فترة، من جهة ويعزز الكلام منذ فترة والقائل بأن الثنائي الشيعي قد طوى الى حدّ بعيد صفحة الانتخابات النيابية، وبات مطمئناً الى ثبات نتائج تجنح الكفّة فيها لمصلحة حساباته وتوقعاته.

وبناءً على هذا الاستنتاج فإن “حزب الله” انطلق لتوّه في وضع تصوّر كامل لمرحلة ما بعد صدور النتائج إن على مستوى الحكم والإدارة وإن على صعيد التوجهات عموماً، ولا سيّما في ضوء الكلام الذي أطلقه الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله ووعد فيه بصراحة بدخول أكبر على خط الحكم وبزهد أقل في شؤون الإدارة.

والمعلوم أن تجربة مرحلة ما بعد انتخابات عام 2018 وما تخللها من تحوّلات وأحداث دراماتيكية وانهيارات وتداعيات على كل المستويات، كانت تجربة بمؤدّاها ونتائجها مؤذية ومنهكة للحزب، إذ جعلته في خط المواجهة الأول مباشرة، وأقنعته بأن بعض غالبية من يدرجهم في خانة الحلفاء صاروا في مراحل ومحطات معيّنة عبئاً عليه عوض أن يكونوا سنداً وعضداً، وأن يؤسّسوا وإيّاه لتجربة حكم ترقى الى حدود النموذجية.

ولا يبدو جديداً أن الخلافات التي عصفت بين هؤلاء الحلفاء ولا سيما بين حركة “أمل” و”التيار الوطني الحر” من جهة، وبين التيار البرتقالي وتيار “المردة” من جهة أخرى، قد استنزفت الحزب وكشفته الى حدّ التعرية، إذ بدا في مرحلة من المراحل عاجزاً وقاصراً عن أيّ حلّ وربط فاضطرّ أحياناً الى الانكفاء والغياب عن السمع تاركاً حبل الأمور على غاربه.

وقد أدّى واقع الحال الخلافي والتصارعي هذا الى فكفكة عاجلة ومبكرة للأكثرية النيابية التي حصدها المحور نفسه في دورة الانتخابات الماضية، وما لبث أن صار هذا الإنجاز بلا فاعلية وفقد عنصر القدرة على التسييل السياسي أو كأنه لم يكن.

الذين يعرفون العقل الباطني للحزب يعلمون يقيناً أنه ليس من النوع الذي يسرع في إطلاق الصرخة عندما يتلقى ضربة أو يضطر الى مواجهة عقبة. لذا عضّ الحزب على الجرح وكظم غيظه الى أقصى الحدود أمام حال التشتت الذي أصاب معسكره وتحديداً في المرحلة التي رفع فيها خصوم الحزب منسوب تحدّيهم له وعصف هجومهم عليه.

ولكن النهج “المتعالي والمكابر” على الجرح عند الحزب الذي أدمن خوض تجارب معموديات النار مئات المرّات منذ انطلاقته، مارس بديلاً منه حيال “تفرّق ريح” حلفائه وانفراط عقد تحالفه الداخلي سياسة عنوانها العريض: ليسعَ كلّ منكم سعيه ويفرغ ما في جعبته من رهانات، لكنكم ستعودون في النهاية من رحلة تفرّقكم تلك بالإحباط لأنكم لن تجدوا ضالتكم المنشودة إلا تحت ظلال الحلف القديم الذي لم يكن ترفاً أو عبثاً بل نتيجة ضرورة موضوعية ملحّة.

وهكذا كانت تطوّرات المشهد الانتخابي الذي رُفعت الستارة عنه قبل أشهر ثلاثة خلت، أثبتت للحزب صحّة توقعاته ورهاناته، إذ ما لبثت حدّة الصراع بين التيار البرتقالي وحركة “أمل” أن خبت، وعاد الطرفان الى ظل التحالف الانتخابي في كل الدوائر التي يتشاركان فيها باستثناء دائرة صيدا – جزين.

ولكن هذا الإنجاز على بلاغته وأهميته لم يتسع ليشمل الصراع بين التيار العوني وتيار “المردة ” أو بين جناحي الحزب السوري القومي الاجتماعي، غير أنها أراحت الحزب الى حدّ بعيد وعززت لديه الأمل بفوز مريح خصوصاً بعدما أثمرت جهود بذلها مع آخرين في إيجاد حلّ رضائي بدّد الخلاف بين حلفائه الرئيسيين في دائرة عاليه – الشوف، إضافة الى جمع كل حلفائه في دائرة البقاع الغربي – راشيا في لائحة ائتلافية واحدة بعدما نجح في وضع حدّ لحرب ضروس بين نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي وبين الذين خاض معهم تجربة الانتخابات جنباً الى جنب في الدورة الماضية.

ولم ينس الحزب في رحلته الصعبة لإرضاء كل صف الحلفاء والوقوف على خاطرهم جناح “مركز الروشة” في الحزب القومي مع أن الأمر قد أزعج الجناح الآخر الى درجة كبيرة. وكان للحزب أيضاً إدارته لملفّ “أطماع” حزب البعث التي فاقت حجم حضوره، فأعاد الاعتبار للنائب اللواء جميل السيد ما بدّد قناعة سرت بأن الرجل أخذ فرصته.

وبناءً على ذلك، وإن كان يُشهد للحزب أنه أدار ببراعة ملفّاً متشابكاً الى حدّ التعقيد هو ملف الحلفاء ‒ الأعداء، فإن الأعين صارت شاخصة عند الحزب الى وضع خريطة الطريق لمرحلة ما بعد الانتخابات انطلاقاً من اعتبارين، الأول ما شاب تجربة الأعوام الماضية من خطايا وثغر وضعت الحزب أمام تحدٍّ عنوانه أن أداء المرحلة الماضية لم يعد مناسباً للمرحلة المقبلة لأن كل المعطيات تبدّلت. والثاني ضرورة ألّا تلقى جهود الحزب المضنية الأخيرة النتيجة نفسها للجهود التي بذلها في انتخابات عام 2018 فيتفرّق أعضاء المحور بمجرد أن يحصوا النتائج والمكاسب ويمضي كل منهم في درب حساباته الضيّقة التي تضع كلاً منهم على طرف نقيض مع الآخر.

الأكيد أن الحزب وجد في كلام بري الأخير نوعاً من العودة المكتومة عن مقولة كان رئيس المجلس أول من سارع الى إطلاقها بعد عام 2008 وهو أن اصطفافات ما قبل هذا التاريخ قد انتهت وأنه يعلن خروجه هو من اصطفاف 8 آذار وأنه يريد ملاقاة أطراف خرجت لتوّها من 14 آذار الى منطقة وسطية ليشرعا في تحالف واصطفاف جديدين ذوَي طبيعة وسطية.
لكن حسابات الحقل عند بري لم تتطابق مع حسابات البيدر وتوقعاته خصوصاً في الآونة الأخيرة حيث لم يستطع بري إبقاء علاقته بوليد جنبلاط على المستوى السابق بينهما خصوصاً على مستوى الانتخابات واللوائح ما عزز الحديث عن فتور بينهما.

وفي الموازاة، ثمة من يقول إن في بين سطور الكلام الأخير للسيد نصرالله، الذي اعتبر فيه أن أي تصويت لمرشّحي حزب “القوات اللبنانية” هو تصويت لمطلقي النار على ضحايا حادث الطيونة هو رسالة مشفرة موجّهة الى جهة بعينها تنطوي على تحذير واضح لأي تصويت للوائح جنبلاط التي تضمّ مرشحي القوات.

حلفاء الحزب يعرفون تماماً بفعل التجارب أنه ليس من النوع الذي يفرض وصاية عليهم ويخضعهم لكل توجهاته، ولكن الثابت وفق معلومات، أن الحزب يفكر جدياً في صيغة تحالفية مجدية تجمع ائتلاف 8 آذار المتفق مع التيار الوطني الحر وإن اقتضى الأمر تطويراً، خصوصاً أن المرحلة المقبلة حبلى بالمفاجآت والتطورات ومنها انتخاب رئيس جديد وقبلها تأليف حكومة، وتلك تحتاج بالتأكيد في نظر الحزب إلى أداء مختلف لا يشابه أداء ما بعد حراك 17 تشرين المتعثر والحافل بنقاط الضعف.