جنبلاط وضفّة النهر: الاستهداف ليس بفعلٍ جديد

مجد بو مجاهد – النهار

يختار رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد #جنبلاط المكوث فترات أطول على ضفّة النهر، كلّما استشعر أوجاعاً استهادفية جديدة تلمع على مقربة من خاصرته. هكذا دلّت أبعاد رسائله الحديثة المرفقة بصورٍ تعبيرية تعكس نظرته التأملية بينه وبين ذاته كلّما نظر إلى نفسه في مرآة النهر الهادئ. يقطف من على الضفاف المرتوية من مياه ذاك النهر، وردة حمراء يضعها على ضريح رفيق دربه السياسي في وسط بيروت. لا يرى مواكبو سيرته أنه يهوى الاضطلاع بدور الضحية أو يحتاج استجداء التأييد الذي يرتبط بأسس تاريخية وسياسية، لا هامشية. ويكفي بالنسبة إلى أوساط التقدمي استعراض محطات الحصار والاستهداف التي عايشها منذ عام 2000 على وقع حملات التخوين الضروس التي طاولت جنبلاط في مجلس النواب، بعدما تجرّأ طالباً إعادة تموضع الجيش السوري وانسحابه إلى خطّ البقاع. وتزامنت تلك المرحلة مع صياغة قانون انتخابي وضع في إطار خانة استهدافية طاولت قريطم والمختارة، لكن النتائج ما لبثت أن عكست تفوّقاً حقّقه الرئيس الشهيد رفيق الحريري وحلفائه على الرغم من تقسيم بيروت. وتكرّرت الفصول الاستهدافية الموقّعة بمحاولة اغتيال مروان حماده تزامناً مع ضجيج الأصوات التخوينية التي أرادت التصدي لاندفاعة “انتفاضة الاستقلال”، حيث شكّلت دماؤه المزهوقة انطلاقة تعطّش غول الاغتيالات إلى النيل من أبرز الشخصيات المتوهّجة في قوى 14 آذار. ولم تكن تحديات انتخابات 2009 أقل وطأة بعد فصول من المواجهة التي فرضها محور “الممانعة” مع محاصرة السرايا الحكوميّ وأحداث 7 أيار 2008.




ولا يقلّل الاشتراكيون حجم الحصار الذي تعرّض له جنبلاط عام 2018 مع إسدال شهر أيار ستارته مع دماء الشاب علاء أبو فرج، في وقت يسرح المجرمون ويمرحون في مشوار اللاعدالة حتى الساعة. ويتلقّف التقدمي محاولات جديدة للاستهداف بنسخة 2022 الانتخابية، التي تحمل معها أجواء قائمة على التركيز على كسب المقاعد المرتبطة به وقطفها منه على صعيد مقعدي النائبين وائل أبو فاعور في البقاع الغربي وفيصل الصايغ في “بيروت الثانية”. ويستقرئ أن الحصار الانتخابي يشمل مقعد النائب حماده في الشوف، رغم الاستراتيجية المحكمة التي تضعها الماكينة التقدمية للفوز بالمقعد الدرزي الثاني في المنطقة. وفي المقابل، تؤكد الاوساط الاشتراكية أن جنبلاط ارتأى عدم ترشيح أحد عن المقعد الدرزي الثاني في عاليه لإقفال الطريق أمام الاستفادة من أي مشروع توتيريّ، رغم قدرته على الفوز به بسهولة، خصوصاً أن مقعداً نيابياً لا قيمة فعلية له في الحسابات الجنيلاطية. ومفاعيل كسب المقعد “مش حرزانة”. وإذا كانت كتلة التقدمي النيابية وصلت إلى 16 نائباً في مراحل انتخابية سابقة، إلا أن تقلّصها إلى النصف راهناً لم يحدّ من فعالية حضور جنبلاط التي زادت من كليمنصو إلى المختارة، كوجهتين تشكلان محطتين أساسيتين لزيارة البعثات الديبلوماسية والمرجعيات السياسية.

وتشير معطيات “النهار” إلى احتكام الماكينة الاشتراكية لاستراتيجية هادفة إلى توزيع الأصوات التفضيلية على 4 مرشحين في الشوف: تيمور جنبلاط ومروان حماده وبلال عبدالله وحبوبة عون. ويشدّد موقف التقدمي على وجوب حصول الاستحقاق الانتخابي في موعده المقرّر بأيار المقبل، في ظلّ حركة تحضيرات لوجستية مستمرّة على صعيد التجهيزات الادارية والتقنية. ويباشر عقد اللقاءات الشعبية في مناطق حضوره طارحاً حيثيات التحالف وأسس العناوين التي ستُخاض #الانتخابات على أثرها. ويتمحور عمل اللجان الانتخابية حول التواصل مع الشريحة الممثلة للبيئة الحاضنة، بما يتجاوز الأطر التنظيمية الضيقة. ويشمل المحازبين والمناصرين والأصدقاء. وتعمل الماكينة الانتخابية الاشتراكية على دراسة واقع الأرض قبل الانتقال إلى صيغة توزيعية للأصوات التفضيلية على المرشّحين وفق المناطق، وسط عملية متحرّكة تحتاج مقاربة الخطاب السياسي الانتخابي للقوى الخصمة وبلورة الخيارات المقابلة انطلاقاً من هذا المعيار. ويطمئن التقدمي لناحية حجم كتلة الأصوات التفضيلية المؤدية له من باب اعتبارها الأكبر في الدائرة، حيث يساهم قسم كبير من الأصوات في عاليه بدعم المعركة على الحواصل التي تعتبر محلّ منافسة في الشوف.

ويختار التقدمي خوض الانتخابات بالتعاون مع “القوات” والأحرار انطلاقاً من شعار “الشراكة والإرادة” كعنوان للائحة التحالفية بين الأحزاب الثلاثة، على أساس مبدئين اثنين: وتشرح مصادر الماكينة الانتخابية ارتباط المبدأ الأول بمصطلح “الشراكة” بين هذه الأحزاب على مستوى نواحي الحياة السياسية والمجتمعية، والتي تستمرّ في “السراء والضراء” من خلال التكافل الذي شهدته مناطق الجبل بين الاشتراكي و”القوات” في تأمين مقوّمات تحصين هوية المنطقة، كما صمودها على الصعد الاقتصادية والمعيشية والصحية. ويأتي اختيار عنوان “الشراكة” كأحد المفاعيل الأساسية لفعل المصالحة التي تحوّلت إلى معطى راسخ بعد سنوات من العمل السياسي والاجتماعي المتقارب والمشترك بين “القوات” والتقدمي. ويلتقي المكوّنان على عمل مشترك أكثر تماسكاً انطلاقا من عام 2005، على الرغم من الاختلاف في وجهات النظر حول بعض التفاصيل التكتية. ولا يلغي ذلك القراءة المتكاملة بينهما حول موضوع السيادة والتصدي للمحاولات “الممانعة” المستمرّة للهيمنة على القرار الوطني وتغيير وجه البلاد في مختلف المجالات بما يؤكد مصيرية الاستحقاق الانتخابي. وينبثق مصطلح “الإرادة” من رفع “بيرق” التلازم بين السيادة والإصلاح الذي تتفق عليه مكونات اللائحة، وكان أكد عليه التقدمي في مؤتمره قبل أشهر تحت عنوان “لا إصلاح دون سيادة”.