الانتخابات بين نصرالله والأسد: “كلمة السيّد ما بتصير تنين!”

أحمد عياش – النهار

صعدت الترجيحات قبل أشهر بتنحّي النائب جميل السيّد عن السباق الانتخابي المقبل. ثم هبطت قبل أيام ليحلّ مكانها تأكيد، أن الأخير عائد الى اللائحة المقبلة التي سيشكلها “حزب الله” في دائرة بعلبك -الهرمل. وما بين الصعود والهبوط، هناك قصة العلاقات بين “حزب الله” ودمشق. فما هي؟




في 28 آذار الماضي، نشر موقع “العهد” الإلكتروني التابع للحزب صورة جمعت الأمين العام السيد حسن نصرالله مع الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي علي يوسف حجازي. وكان لافتاً أن الموقع نشر الصورة مع بيان صادر عن “القيادة المركزية لحزب البعث العربي الاشتراكي في لبنان”، أي إنه لم يصدر عن إعلام الحزب كما هو عادة. وأشار البيان الى أن اللقاء بين نصرالله وحجازي، تمّ مساء السبت في 26 آذار الفائت، أي إن نشر الصورة والبيان على موقع “حزب الله”، قد تمّ بعد يومين من اللقاء.

في الشكل، لم يتبنّ “حزب الله” مباشرة نبأ اللقاء. أما في المضمون، فقد جاء نشر النبأ مع الصورة بمثابة تعويض معنوي لمسؤول البعث في لبنان عن حلم راوده منذ تشرين الثاني الماضي، إثر تعيينه في منصب الأمين العام لفرع البعث، بعد لقاء جرى تنظيمه في فندق صحارى بدمشق. ثم انطلقت احتفالات في البقاع وتحديداً في بعلبك مسقط رأس الأمين القطري الجديد حجازي، رافقها تقديم الأضحية بسخاء. وفي المقابلة التي أجرتها قناة “المنار” التابعة لـ”حزب الله” في ذلك الوقت قال حجازي إن الأمين القطري السابق عاصم قانصوه “فوّض” إلى الرئيس #بشار الأسد أن يسمّي القيادة، فكان ما كان. ونوّه بما رافق وصول القيادة من جهد بذله السفير السوري في بيروت علي عبد الكريم علي والأمين العام المساعد هلال هلال.

ما لم يعلنه حجازي، هو ما ذكرته لـ”النهار” في حينه، وهو أن وصول حجازي الى منصب الأمانة العام لفرع البعث أثار “بلبلة” ولا سيما لدى الأمين القطري السابق قانصوه الذي مثّل الوجه التاريخي البارز للحزب على مدى عقود. وبالفعل، فقد تجسّدت هذه البلبلة الشهر الماضي بتقديم قانصوه ترشّحه للانتخابات في دائرة بعلبك-الهرمل، ثم انسحابه بعدما سقط احتمال أن يكون حجازي هو مرشح سوريا في الانتخابات المقبلة، ليحلّ مكان النائب الحالي جميل السيّد.

هل كان للأمين القطري الجديد للبعث أن يطمح الى الحلول مكان النائب السيد، من دون أن تكون هناك معطيات تتيح له هذا الطموح؟

تجيب أوساط إعلامية مواكبة لهذا الملفّ، بأن المحرّك الأساسي لكل هذه التطورات، هو “البرودة” التي برزت منذ الخريف الماضي في علاقة النائب السيد بدمشق، وتحديداً بينه وبين اللواء علي المملوك رئيس “مكتب الأمن الوطني” للنظام السوري. وقد وصل الجفاء بين الرجلين الى حد القطيعة، فسعت الى إنهائها في حينه المستشارة الخاصّة في رئاسة الجمهورية السورية بثينة شعبان. وبحسب هذه الأوساط، فإن النائب السيد تميّز ولا يزال، بـ”سلوك متعالٍ” لا يجد قبولاً عند جميع من يتعامل معهم. وهذا السلوك كان من صفات السيد منذ أن كان ضابطاً في الجيش اللبناني.

بين تشرين الثاني الأخير وبين آذار الماضي، ساد اعتقاد، كما أفادت “النهار” سابقاً “بأن قرار ترشيح السيّد حجازي قد اتُّخذ، ليشغل المقعد الذي هو من حصّة دمشق مباشرة، وهي مخوّلة اختيار من تشاء له، فكان بداية معقود اللواء لعاصم قانصوه ثمّ للواء السيد”. غير أن الأوساط الإعلامية نفسها قالت إن “حزب الله” قال “كلمته” وهي التمسّك بالنائب السيد. وقد جرى تظهير ذلك عبر القنوات المباشرة بين حارة حريك ودمشق، ما أتاح في الشهر الماضي صدور بيان عن دائرة العلاقات الإعلامية في “حزب الله”، جاء فيه أن النائب السيد “شخصية مستقلة، وقرار ترشّحه أو عدم ترشّحه للانتخابات النيابية المقبلة واختيار الدائرة الانتخابية التي يقرّر ‏الترشح فيها واختيار الجهات التي يتحالف معها انتخابياً، هو قراره الشخصي حصراً”.

بعد ذلك، كرّت مسبحة عودة النائب السيّد الى المشهد الانتخابي، مترافقة بنبرة تحدٍّ هاجم فيها الأخير من سمّاهم “بعض السفلة”، الذين عملوها “معركة إقصاء”!

ماذا يستفاد من هذا المسلسل من التطوّرات ذات الصلة بين “حزب الله” وبين النظام السوري؟ أبرز النتائج هو تأكيد المؤكد، وهو أن هذا النظام، منذ أن انسحبت قواته من لبنان عام 2005، سلّم مفاتيح مصالحه في لبنان الى حليفه المحلي. وهذا ما تجلى عندما قرّر العماد ميشال عون العودة الى لبنان من منفاه الباريسي في ذلك العام، فتوجّه أولاً الى نظام الأسد الذي طلب منه مراجعة نصرالله، وهذا ما كان.

واليوم، سيشعر من راهنوا على استبعاد السيّد عن مقعده النيابي، أنهم قد بالغوا في الاتكال على معطيات سورية، ففوجئوا بأنهم صاروا في وضع يشبه الى حدّ بعيد الفيلم الفكاهي المصري القديم “ابن حميدو”، حيث يقول الممثل عبد الفتاح القصري (المعلم حنفي)‏:‏ “كلمتي ما تنزلش الأرض”‏. لكن بعدما استنكرت زوجته كلامه وصوّبت متوعّدة نظرتها إليه قائلة‏:‏ “حنفي؟‏!”‏ تراجع منكسراً‏، قائلاً:‏ “معلهش‏.‏ تنزل المرة دي‏!‏”.

عملياً، فهي بالعامية اللبنانية، الأمر هو ذاته، وعلى النحو الآتي: “كلمة السيد (نصرالله) ما بتصير تنين!”.