تنفيذ التفليسة بدأ… والمودعون أكبر الخاسرين

سابين عويس – النهار

هل أعطى الكلام العفوي والصادق لنائب رئيس الحكومة #سعادة الشامي اول من أمس اشارة الانطلاق نحو تنفيذ عملية اعادة هيكلة القطاع المالي من باب سد فجوة الخسائر المالية، بعد أشهر طويلة من المد والجزر بدأت من التباينات الحادة حول تحديد الخسائر وتوحيد أرقامها، ومن ثم الاتفاق على توزيعها، مروراً بالمحطة ما قبل الاخيرة الكامنة في الاتفاق على تحديد نسب المسؤوليات للأطراف الذين تم التوافق على مسؤولياتهم، وهذه المرحلة بلغت خطواتها الاخيرة بعد أسابيع عدة من التسويق غير المعلن عبر تسريبات ملتبسة لخطة الحكومة في هذا الشأن، وصولاً اخيراً الى المحطة الاصعب، وهي المباشرة بعملية التوزيع وفق النسب المتوافق عليها، ولصندوق النقد الدولي دور داعم للحكومة في هذا المجال.؟




على الأهمية الاستثنائية التي يكتسبها كلام الشامي من حيث إعلانه الواضح بأن الدولة والمصرف المركزي قد افلسا، اذ يصدر للمرة الاولى عن مسؤول حكومي رسمي، هو في الوقت عينه رئيس الوفد اللبناني المفاوض مع صندوق النقد الدولي ، وفيه مصارحة لحقيقة سعت السلطة السياسية على مدى نحو عامين ونصف، وتحديداً منذ تعثر القطاع المصرفي غداة انتفاضة تشرين الاول ٢٠١٩، كما فيه دعوة علنية لوقف حال الإنكار التي تعيشها هذه السلطة حيال حجم الأزمة وخطورتها، فإن مواقف الشامي حملت في طياتها أبعاداً خطيرة جداً، اذ هي رسمت عملياً خارطة الطريق التي تعتزم الحكومة بمباركة صندوق النقد السير فيها للتخلص من الفجوة المالية عبر تحميل الجزء الاخير منها للمودعين.

يصح القول بأن كلام الشامي عن افلاس الدولة غير مفاجىء وغير جديد. فحكومة حسان دياب كانت أشهرت الافلاس في قرارها الشهير التخلف عن سداد الديون السيادية الخارجية، من دون ان يكون هذا التخلف منظماً، كما يحصل عادة في الدول التي تلجأ الى هكذا قرار.

وكان القرار في حينه واضحاً بأن السلطة السياسية لا تعتزم جدولة الدين او التفاوض عليه مع الدائنين، أصلاً وفوائد. وهي بذلك تخلصت من ٧٠ الى ٨٠ في المئة من تلك الديون على حساب خسارة سمعتها المالية وصدقيتها في الاسواق العالمية، الذي أدى الى فقدان الثقة بها وبالاوراق المالية اللبنانية، وبمناخ الاستثمار في لبنان، كما أدى الى تراجع التصنيف الائتماني الى مستويات متدنية قاربت الخردة!

أن يأتي كلام الشامي متأخراً أفضل من الا يأتي أبداً، لأنه بذلك يساعد على كشف النوايا الحكومية حيال عملية اعادة الهيكلة المالية. لكن اخطاره الكبيرة تتمثل في مجموعة من النقاط التي تحتاج الى رد رسمي فوري يوضح حقيقة تلك النوايا.

اول هذه النقاط يتمثل في ان الحكومة لا ترفق اعترافها بال#إفلاس بأي اعلان واضح وشفاف وصريح لخططها للتعافي والخروج من الانهيار ومن الحالة الإفلاسية التي بلغتها البلاد. وكل من يتعاطى في الشأن العام يدرك تماماً ان عملية شراء الوقت الحاصلة منذ عامين ونصف تفاقم المشكلة ولا تحلها، لأن هدفها مع الأسف تذويب الودائع الدولارية بالعملة الوطنية.

فحتى الآن وباستثناء الورقة المسربة عن توزيع الخسائر بنسبة ٢٦ في المئة للدولة ( الدولة و#مصرف لبنان) و٥٥ في المئة للمودعين والباقي اي ١٩ في المئة لمساهمي المصارف، لا تزال الحكومة تمتنع عن الإفصاح عن خطتها، التي قال عنها الشامي انها لا تزال موضع بحث.

ثاني نقطة يمكن ملاحظتها تكمن في تنصل الحكومة من مسؤولياتها الموروثة عن الحكومات قبلها بفعل استمرارية السلطة. فإعلان افلاس الدولة والمصرف المركزي يعني عملياً ان الدولة عاجزة، كما مصرفها المركزي عن المساهمة في تحمل اعباء الخسائر!

وهذا يقود الى النقطة الثالثة التي تدفع في اتجاه تحميل المودعين الجزء الأكبر من الاعباء، وان من حقق مكاسب تسجل خسائر مالية لن يشارك بمكاسبه لتغطية تلك الخسائر

اما النقطة الاخيرة فتكمن في خطأ ارتكبه الشامي في كلامه عن افلاس المصرف المركزي لأن المصرف المركزي لا يفلس بل يمكن حله بموجب المادة ١٦ من قانون النقد والتسليف الذي يرعى وينظم إنشاءه. وتنص هذه المادة على انه “لا يحل المصرف المركزي الا بموجب قانون يحدد عند الاقتضاء طرق تصفيته”. كما ان المركزي ليس حتماً في حالة افلاسية وهو يملك تسعة ملايين اونصة ذهب، الا اذا كان احتياط الذهب تبخر!

في الخلاصة، فجٓر نائب رئيس الحكومة قنبلة، لم يخرج أي مسؤول رسمي لنفيها، ما يعني ان الكلام لم يكن عفوياً ولم يكن في الوقت عينه بريئاً، بل يعكس التوجهات الرسمية الرامية الى تصفير الخسائر المالية بأقل كلفة ممكنة على الدولة. وهذا يؤشر الى ان الذهنية في مقاربة الملف المالي لم تتغير. واذا كان الشامي عاد فأكد أمس في كلمته في الاجتماع الرابع لإطار الإصلاح والتعافي واعادة الإعمار المنعقد في السرايا برئاسة رئيس الحكومة على الرزمة التي تعمل عليها حكومته وفيها اعادة هيكلة القطاع المصرفي وانجاز خطة التعافي واقرار الموازنة العامة ومشروع قانون الكابيتول كونترول، وهي عملياً الإجراءات التمهيدية لتوقيع الاتفاق بالاحرف الاولى مع صندوق النقد، فإن الكلام الأسبق للرجل عن افلاس الدولة والمصرف المركزي بمعزل عن اي خطوات تنفيذية حيال الخطوات المشار اليها يكشف ان الاستسهال في الحلول لا يزال سيد الموقف، وان المعالجات بالمفرق لن تؤدي الا الى المزيد من الانهيار في ظل مخاوف شديدة من عجز الدولة عن إدارة التفليسة، تماماً كما هو حاصل اليوم.