المستقبل يؤدّب “الخوارج”

نجح تيّار المستقبل في تسجيل عدّة أهداف في مرمى “المتمرّدين” الذين رفضوا الانصياع للمشيئة الحريريّة بتحريم الخوض في الانتخابات. بيد أنّ المفارقة تكمن في تعامل المستقبل بازدواجية واضحة مع الترشيحات الصادرة من لَدُنْه، إذ كان هناك مرشّحون مرضيّ عنهم وذنب تمرّدهم مغفور، في حين أنّ هناك مرشّحين أُسقِط عليهم الحرم الانتخابي، وشُنّت عليهم حملات تخوين قاسية، جعلتهم يبدون أقرب إلى “الخوارج” الذين تحدّث عنهم المستقبل ذات يوم. تلك الحملات عاد المستقبل وتبرّأ منها بعدما آتت أُكُلها، لكنّ الجراب لا يزال ممتلئاً بالخطوات التي سيتمّ تنفيذها تباعاً ضمن حملة التأديب هذه.

هاشميّة في مواجهة السنيورة




لم يكتفِ تيّار المستقبل بشنّ حملة قوية على الرئيس فؤاد السنيورة وحراكه الانتخابي، وضعته في خانة “الدُخلاء” على العاصمة ونسيجها الاجتماعي. بل هدّده بتركيب ماكينة انتخابية مهمّتها حجب الأصوات عنه.

بعد ذلك تولّى التيار عرقلة محاولات السنيورة لتشكيل لائحة قويّة، عبر الدخول على خطّ المرشّحين الذين تفاوض معهم الأخير لحثّهم على عدم الترشّح، أو على الأقلّ الامتناع عن خوض الانتخابات ضمن لائحة السنيورة. لكنّ السنيورة شكّل لائحة وأعلن عنها برئاسة الوزير السابق خالد قباني.

.في طرابلس، تولّى التيار العمل على عرقلة جهود الدكتور مصطفى علوش، عبر الضغط على المرشّحين الذين اتّفق معهم علوش لحثّهم على الانسحاب

عرقل التيار أيضاً كلّ الجهود التي قام بها السنيورة للتحالف مع الجماعة الإسلامية ورئيس نادي الأنصار نبيل بدر، والتي لا يفوّت رئيسها مناسبة إلّا ويصوّب فيها على السنيورة مع أنّه كان يتفاوض معه. وبمعزل عن عدد الحواصل التي يمكن أنْ تنالها هذه اللائحة، فإنّ الهدف الرئيسي لها هو سحب الأصوات من درب لائحة السنيورة لإسقاطها بضربة زرقاء قاضية. وقد شكّل بدر لائحته مع “الجماعة”، ليصير هناك لائحتان من قدامى الحريريين تتواجهان.

في مواجهة علّوش

في طرابلس، تولّى التيار العمل على عرقلة جهود الدكتور مصطفى علوش، عبر الضغط على المرشّحين الذين اتّفق معهم علوش لحثّهم على الانسحاب. لا سيّما أنّ الأخير حاول مراعاة تيّار المستقبل بالذات عبر ترشيح شخصيات مقرّبة منه. بيد أنّ التيار استغلّ هذه النقطة لتسجيل أهداف في مرمى علوش، إذ نجح في سحب رجل الأعمال نبيل الأحمد، مع احتمال أن يحذو المرشّح عن المنية أحمد الخير حذوه، حتى بعد تسجيل اللائحة. وآخر الهجمات من القيادي المستقبلي هيثم المبيض الذي شنّ هجوماً غير مسبوق على علوش واتهمه بأنّه يجمع ملايين الدولارات من المرشّحين الطامحين لدخول لائحته.

لم تكنْ هذه الحملة قاصرة على “الخونة” فقط، بل شملت أيضاً الوزير أشرف ريفي المتحالف مع القوات اللبنانية، عبر وشوشات في آذان المرشّحين الذين تمّ الاتفاق معهم، نجحت في تحييد البعض منهم. وقام التيار، حسب معلومات “أساس”، بالضغط على أحمد علم الدين الملقّب بـ”الدوري” كي يعلن انسحابه من الانتخابات قبل ساعات قليلة فقط من إعلان اللائحة، بهدف حشر الثنائي ريفي – القوات بعامل ضيق الوقت الكفيل بمنعهم من الاتّفاق مع مرشّح آخر، وصولاً إلى تفجير اللائحة برمّتها لعدم وجود مرشّح عن إحدى الدوائر الصغرى (المنية). لكنّ الدوري أعلن انسحابه باكراً مفسحاً المجال للاتّفاق مع مرشّح آخر، فحلّ النائب عثمان علم الدين مكانه حتى الآن!

في موازاة الحملات والعراقيل ضدّ السنيورة وعلوش، نعِمَ بعض نواب المستقبل بعفو أبعد عنهم كأس حملات التخوين، مثل وليد البعريني ومحمد سليمان وهادي حبيش وسامي فتفت ومحمد القرعاوي

ترشيحات معفوّة من الخيانة

في موازاة الحملات والعراقيل ضدّ السنيورة وعلوش، نعِمَ بعض نواب المستقبل بعفو أبعد عنهم كأس حملات التخوين، مثل وليد البعريني ومحمد سليمان وهادي حبيش وسامي فتفت ومحمد القرعاوي. والأخير عاد وترشّح بطلب من قيادي في التيّار بعدما كان قاب قوسين أو أدنى من الانسحاب، لكن مع شرط عدم التحالف مع القوات. ويبقى الترشيح “اللغز” في صيدا ليوسف النقيب، الذي لم يُقنع أحداً أنّه تمّ من دون رضى الستّ بهيّة. ويأتي في طليعة عدم المقتنعين جمهور المستقبل نفسه، ولا أدلّ على ذلك من تعليقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. واللافت أنّ النقيب هو المرشّح المستقبلي الهوى الوحيد الذي تحالف مع القوات.

إنّها شروط اللعبة

في المقابل هنالك الكثير من الأشخاص من خارج البيئة الحريريّة يعتبرون ما يقوم به تيّار المستقبل أمراً طبيعياً جدّاً. فالحريري أعلن تعليق مشاركته في الحياة السياسية ولم يُطلّقها طلاقاً بائناً. وبالتالي فهو فعل سياسي وخطوة يريد من خلالها الحريري أن يثبت للجميع، في الداخل والخارج، أنّه الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه، وهو ما قطع فيه شوطاً كبيراً.

يضرب البعض الأمثال بباقي القوى السياسية للتدليل على أنّ المستقبل يُعدّ رحيماً إذا ما تمّت مقارنته بما يمكن أن يفعله الآخرون بدءاً من حزب الله، وصولاً إلى القوات، مروراً بحركة أمل والحزب التقدّمي الاشتراكي، من دون نسيان فيروس الانقسام الذي ضرب حزبي القومي السوري الاجتماعي والبعث. وليس التيار الوطني الحر عن المستقبل ببعيد مع حملات التخوين التي سيقت ضدّ النواب المتمرّدين على قرارات رئيس التيار جبران باسيل.

في النهاية يبقى صندوق الاقتراع وحده حَكَماً على مدى نجاح حملة التأديب المستقبلي من عدمه. والأرجح أن الحملة أقرب إلى النجاح…





أساس ميديا