مصادر الرئاسة الثالثة: تبديل حاكم مصرف لبنان يحتاج إلى شرطي الإجماع الوطني وكفاءة البديل

ابراهيم بيرم – النهار

خلافاً للكثير من الآراء والتوجهات الطافية حاليا، والمفرطة بالتشاؤم والسلبية، يصرّ أركان الحكومة الميقاتية على رفض كل الاتهامات التي توجه اليها، ويؤكدون بالدليل انهم لا يخبطون خبط عشواء او يدخلون في تجارب واختبارات في المسألة التي تتصدى لها الحكومة منذ انطلاقها، وهي المعالجات المالية والاقتصادية وايجاد مخارج وحلول لهذا الامر الملحّ والحساس، الذي يبدو احيانا مستعصيا او ميؤوسا منه.




والذين يُقدَّر لهم التواصل مع رئيس الحكومة #نجيب ميقاتي ومع الوزراء المعنيين بالشأنين المالي والاقتصادي في الآونة الاخيرة، يخرجون باستنتاج فحواه ان الحكومة الحالية على رغم ما تحاط به من اتهامات، تخطو خطى “واثقة وواعية ودقيقة” نحو تحقيق احد ابرز الاهداف والمقاصد التي نذرت نفسها لها وتعهدت بلوغها مهما “طال السفر وتضاعفت الاعباء والمشقّات”، والتي يمكن ايجازها وتكثيفها بالقول انه العمل على طيّ صفحة الازمة النقدية والاقتصادية الخانقة التي يقر الجميع بأنها انهكت البلاد وألحقت الأذى والضرر بالعباد.

ومما لاريب فيه ان منسوب التشاؤم والتشتت قد ارتفع اخيرا بعدما “انفجر” الصراع الحاد بين القضاء من جهة وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة والمصارف من جهة اخرى، لاسيما ان هذا الصراع انتهى الى ما يشبه اليقين بأن الحاكم بدا محاصَرا وراء قضبان من الاتهامات والملفات القضائية في الداخل والخارج، وايضا في اعقاب فيض الانتقادات التي وجّهتها قوى وجهات حزبية الى مشروع الموازنة العامة التي اقرتها الحكومة قبيل فترة، معتبرة بلسان رئيسها انه انجاز نوعي، ما قلل اهمية هذا التوصيف المعطى لهذه الخطوة العزيزة، وهو ما أُردِف لاحقا بحملة اكثر ضراوة وشراسة في اتجاه مشروع “الكابيتال كونترول” الذي اقرته الحكومة قبل ايام مسارعةً الى وضعه موضع الانجاز الاستثنائي ايضا، وهو ما شككت فيه قوى وكتل لها وزنها، في حين ان بعضها الآخر تعهد اسقاطه في مصفاة مجلس النواب لفرط اعتراضه عليه وشيطنته له.

وليس جديدا القول ان كلا “الانجازين”، اي اقرار الموازنة العامة ومن ثم مشروع “الكابيتال كونترول”، قد أحيلا الى مجلس النواب لجاناً وهيئة عامة لكي يأخذ وقته في مناقشتهما وتعديلهما قبل ان يبصرا النور نحو التنفيذ العملي.

وعليه، يُنقل عن مصادر الرئيس ميقاتي اشارتها الى ان المعالجات المالية والنقدية والاقتصادية عموما يتعين ان تتم كلها دفعة واحدة اذا ما توخينا منها النتيجة المنشودة، واذا ما شئنا ان تكون في اطار علمي وموضوعي.

فعلى سبيل المثال، تضيف المصادر عينها، لا يمكن ان تنطلق المعالجات المنشودة تلك وتمضي في طريقها الى الخاتمة المرتجاة وحاكم مصرف لبنان بما يمثل من موقع ودور محوريين على صعيد القرار المالي والنقدي والمصرفي ملاحَق قضائيا على النحو الذي يعاينه الجميع في الفترة الاخيرة.

وتستطرد المصادر انه لا يمكن تاليا للحكومة والجهات المعنية ان تمضي قدماً نحو انجاز وضع قوانين وتشريعات جديدة او تطوير القديمة تتصل بوضع منظومة المصارف اللبنانية بما تمثل من موقع اساسي في دورة الاقتصاد الوطني، ورئيس مصرف المصارف الذي هو حاكم المركزي، محاصَر بسيل من الشبهات وملاحَق بالدعاوى القضائية من هذه الجهة او تلك.

وتعيد المصادر عينها تأكيد ما سبق للرئيس ميقاتي ان اطلقه من مواقف في اكثر من مناسبة، وفحواها: انني لست في وارد الدفاع عن شخص رياض سلامة وليس من مهماتي ان ادافع عنه، خصوصا في مثل هذا الوضع الذي يعلم الجميع تفاصيله وخلفياته، بل انني اتقدم لأخوض حملة الدفاع عن المؤسسة التي ناطت بها قوانين النقد والتسليف الموضوعة منذ عقود بل منذ انشاء مصرف لبنان كمصرف مركزي، مهمة وصلاحية ادارة الشأنين المالي والمصرفي وتنظيمهما بصرف النظر عمن يشغل منصب حاكم مصرف لبنان.

لذا، تضيف تلك المصادر، لقد سبق للرئيس ميقاتي ان اعلن بكل صراحة وشفافية انه على استعداد تام للانطلاق جديا وفورا في رحلة البحث عن تعيين بديل من رياض سلامة، ولكن لا بد لبلوغ هذا الامر من تحقيق شرطين اساسيين:

اولهما ان مسألة البديل تحتاج الى اتفاق داخلي تام يصل الى حدود الاجماع الوطني على الشخصية التي يتم اختيارها لهذا المنصب الحساس.

وثانيهما ان يتوافر في البديل شرط الكفاءة العالية انطلاقا من جسامة المهمة التي تنتظره ومن استثنائية المرحلة التي نمر بها.

وفي هذا السياق، تذكّر المصادر اياها بانه سبق للرئيس ميقاتي ايضا ان اعلن انفتاحه على مسألة البحث عن حاكم جديد لمصرف لبنان شرط توافر الكفاءة فيه، وهو قد مضى قدماً في هذا السبيل عبر خطوات عملية منها اجراء مقابلات مع بعض الذين يرشحون انفسهم لتولّي هذا المنصب ويجدون في انفسهم الكفاءة اللازمة، او ان جهة ما موثوقاً بها وذات خبرة تبادر الى تزكيتهم.

ولكن، تشير المصادر اياها، الى ان ما يرجوه الرئيس ميقاتي من الآن والى حين الاتفاق على اختيار بديل وفق الشروط المذكورة، ان تتوقف فورا عملية “التخبيط” اليومي برياض سلامة، اذ لا يجوز اطلاقا الاستمرار في هذا النهج السلبي، واستتباعا لا يجوز محاصرة سلامة على هذا النحو والحكومة تخوض غمار التفاوض مع صندوق النقد الدولي ومع المصارف اللبنانية نفسها. وكلا الامرين مركزي في رحلة التعافي المرتجاة، اذ لا يمكن ان نضمن الحصول على قروض فيما نحن نمارس ما يمارَس بحق الحاكم.

وعن مسار المفاوضات التي انطلقت منذ فترة مع صندوق النقد، قالت المصادر عينها ان الامر لم ينتهِ بعد، ولكن الثابت لدى الحكومة ورئيسها ان هناك تقدما ملموسا قد تحقق. وهذا ما اكدته البيانات الصادرة عن نائب رئيس الحكومة المولج بمتابعة ملف التفاوض سعادة الشامي، علما ان الجميع اقر سابقا بمحورية التفاوض مع صندوق النقد في خطة التعافي.

وعن المسار الذي قطعه مشروع “الكابيتال كونترول”، تذكّر المصادر بما سبق للرئيس ميقاتي ان اشار اليه بان هذا المشروع قد وُضع قبل حكومتنا، ونحن كحكومة لاقيناه بعد دراسته وادخال تعديلات عليه، ونحن نرى اهمية اقرار المشروع لانه يعزز وضعنا على طاولة التفاوض مع صندوق النقد.

وتنقل المصادر اياها عن رئيس الحكومة قوله ان هذا المشروع ليس مثاليا وليس ممنوعا ادخال تعديلات عليه. لذا وبعدما استوفينا درسه في مجلس الوزراء واخذنا بملاحظات الوزراء وبملاحظات ابداها صندوق النقد، بادرنا الى ارساله اخيرا الى مجلس النواب الذي له صلاحية تعديله او حتى رفضه وردّه.

وتخلص المصادر الى الاستنتاج ان المشكلة هي ان ضجيج الانتخابات يطغى على كل الخطوات المهمة التي تقرها الحكومة، خصوصا على مستوى المعالجات، ويجعل من هذه الخطوات مادة لتصفية الحسابات بين الاطراف المتنافسة.