صدمت العالم.. مشاهد مروعة في بوتشا تعكس “وحشية” الروس بأوكرانيا

دُفن أكثر من 100 مدني في مقابر جماعية في ضاحية كييف بعد انسحاب القوات الروسية الأسبوع الماضي، وهي واحدة من عدة مناطق يقول مسؤولون أوكرانيون وهيئات مراقبة حقوقية مستقلة إنهم يكشفون فيها عن أدلة على جرائم حرب ارتكبتها قوات الاحتلال.

وبعد انسحاب القوات العسكرية الروسية من بوتشا، القريبة من العاصمة، تركت الشوارع مليئة بجثث المدنيين، فيما أصدرت هيومن رايتس ووتش، الأحد، تقريرا يوثق حالات اغتصاب وإعدام في الأجزاء التي تحتلها روسيا من أوكرانيا.




وتقول صحيفة وول ستريت جورنال إن الأوكرانيين “عثروا على أشخاص مقيدي الأيدي خلف ظهورهم ومقطوعي الرأس، وأطفال قتلوا وعذبوا”.

وجد عدد من جثث المدنيين مقيد اليدين ومتروكا في الشارع
وجد عدد من جثث المدنيين مقيد اليدين ومتروكا في الشارع

مزيد من القتل

والأحد، قتل سبعة اشخاص وأصيب 34 آخرون في قصف روسي طال حيا سكنيا في خاركيف، المدينة الكبيرة في شمال شرق أوكرانيا، وفق ما أفادت النيابة المحلية.

وقال المكتب الإعلامي لمدعي المنطقة إن “المحتلين الروس قصفوا مباني سكنية في حي سلوبودسكي في خاركيف، والنتيجة تضرر 10 منازل، ووفق المعلومات الأولية، قتل سبعة أشخاص واصيب 34 بينهم ثلاثة أطفال”.

وقال الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الأحد، إن القيادة الروسية مسؤولة عن قتل المدنيين في بوتشا القريبة من العاصمة كييف، حيث عثر على عشرات الجثث بعد انسحاب القوات الروسية من المدينة.

وأكد زيلينسكي في خطاب بالفيديو “أريد من جميع قادة روسيا الاتحادية أن يروا كيف يتم تنفيذ أوامرهم، هذه الأنواع من الأوامر”، مضيفا أن “هناك مسؤولية مشتركة عن عمليات القتل هذه، عن هذا التعذيب… عن إطلاق النار في مؤخر الرأس”

وفي مقابلة بثت الأحد على شبكة CBS الأميركية قال زيلينيسكي “بصفتي أبا لطفلين وكرئيس، أعتقد أن هؤلاء الناس (القادة الروس)، إذا وضعوا خلف القضبان، فهذا قليل جدا بالنسبة لما فعلوه”.

جثامين مدنيين متروكة في شوارع بوتشا بعد إعدامهم
جثامين مدنيين متروكة في شوارع بوتشا بعد إعدامهم

وقدر عمدة بوتشا، الأحد، عدد الجثث المدفونة في المقابر الجماعية بنحو 118 جثة.

وذكرت وكالة فرانس برس، السبت، أن البلدية قالت إن عدد الضحايا يزيد عن 280 شخصا.

وقال العمدة أناتولي فيدوروك،  “إن كلمة ‘جريمة’ التي كنا نسمعها مؤخرا هي وصف معتدل للغاية لما حدث هنا”.

وقال مكتب المدعي العام الأوكراني، الأحد، إنه تم نقل 410 جثث لمدنيين من مناطق قرب كييف التي تم استعادتها في الأيام الأخيرة وإن نحو 140 جثة فحصها خبراء الطب الشرعي.

الموقف الروسي

ورفضت وزارة الدفاع الروسية التقارير عن بوتشا، واصفة إياها بأنها “استفزاز آخر” من الجانب الأوكراني.

وقالت موسكو إنه لم يعاني أي من السكان المحليين من العنف بينما كانت بوتشا تحت السيطرة الروسية.

وتزيد هذه التقارير من الضغوط المستمرة بالفعل على إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، والحلفاء الأوروبيين لبذل المزيد من الجهد لمعاقبة روسيا وزيادة الدعم لأوكرانيا.

يشتبه بأن القوات الروسية أعدمت هؤلاء المدنيين
يشتبه بأن القوات الروسية أعدمت هؤلاء المدنيين

وما يجري من عمليات قتل قد يصعب على بعض الدول تبرير الاستمرار في شراء النفط والغاز الطبيعي من روسيا وتعقيد محادثات السلام الجارية حاليا بين أوكرانيا وروسيا.

وقارنت وزارة الدفاع الأوكرانية الأدلة الناشئة على عمليات القتل الجماعي في بوتشا ومناطق أخرى بالقرب من كييف التي احتلها الجيش الروسي لأكثر من خمسة أسابيع بمذبحة سربرينيتسا عام 1995، التي ذبحت فيها القوات الصربية أكثر من 8000 مسلم بوسني.

وبموجب القانون الدولي، يمكن مقاضاة الأطراف المتحاربة بتهمة القتل المتعمد للمدنيين وأسرى الحرب، أو تدمير الممتلكات الخاصة، أو  الانخراط في التعذيب أو العنف الجنسي أو النهب أو غير ذلك من الأعمال المحظورة.

ووصلت القوات الروسية إلى بوتشا وضواحي أخرى من كييف في الأيام الأولى من الحرب التي بدأت في 24 فبراير شباط في محاولة لشن هجوم خاطف على العاصمة الأوكرانية.

القوات الروسية وصلت بوتشا بداية الغزو
القوات الروسية وصلت بوتشا بداية الغزو

دبابات روسية محطمة

وبعد أن عطلت الهجمات المضادة خطوط إمدادها وهددت بالتطويق، تخلت القوات الروسية عن المنطقة كجزء من استراتيجية موسكو الجديدة لإعادة التركيز على شرق أوكرانيا.

والسبت رفع الجنود الأوكرانيون علم البلاد مرة أخرى فوق مبنى بلدية بوتشا.

ونقلت وول ستريت جورنال عن أندريه فيرلاتي، نائب قائد لواء  الدفاع الإقليمي في بوتشا، قوله “المدينة لنا، لكنها لا تزال غير آمنة تماما”.

وتناثرت الدبابات الروسية المحطمة والعربات المدرعة على الطرف لجنوبي الغربي من بوتشا.

وقالت الصحيفة إن آثار القتال في المدينة تشاهد في كل مكان، على السيارات المسحوقة من قبل الدبابات، والمباني، وحتى أرضية الشوارع.

تشاهد آثار القتال في كل مكان في المدينة.. تحمل هذه السيارة كلمة "أطفال" باللغة الروسية
تشاهد آثار القتال في كل مكان في المدينة.. تحمل هذه السيارة كلمة “أطفال” باللغة الروسية

إعدامات

ويقول بعض السكان إن القوات الروسية جمعت مدنيين وقامت بإعدامهم وحملتهم في سيارات للجثث.

وقال، فاسيلي شيرباكوف، وهو قائد وحدة أوكرانية في بوتشا إن نحو 20 جثة لمدنيين محليين تركت قرب مصنع للزجاج في المدينة.

وأضاف أن القوات الروسية منعت سكان البلدة من دفن هذه الجثث للراحة. ثم “قاموا بتلغيمها”.

وقال جنديان أوكرانيان إن القوات الروسية طلبت من سكان البلدة البقاء في منازلهم خشية أن يهربوا إلى إربين جنوبا عبر نهر بوتشا.

ونشرت وول ستريت جورنال عدة صورة لجثث مدنيين ملقاة في كل مكان في المدينة.

وقالت امرأة مسنة للصحيفة “أطلق النار على فالنتينا إيفانوفنا بالقرب من ذلك المنزل”، متحدثة عن جارتها التي أعدمت من قبل القوات الروسية.

تسببت الصور القادمة من بوتشا بتشديد الموقف العالمي تجاه روسيا
تسببت الصور القادمة من بوتشا بتشديد الموقف العالمي تجاه روسيا

وفي إحدى القرى التي تم استعادتها مؤخرا بالقرب من كييف، عثرت السلطات على جثة ماكسيم ليفين، وهو مصور صحفي أوكراني فقد أثناء عمله هناك قبل ثلاثة أسابيع تقريبا.

ووتوفي ليفين بعد إطلاق النار عليه من قبل القوات الروسية، وفقا لبيان صادر عن المدعي العام الأوكراني. ولا يزال مصور آخر كان معه في عداد المفقودين.

وفي موتيجين، وهي قرية أخرى بالقرب من كييف، قالت السلطات الأوكرانية إنها عثرت على جثث رئيسة القرية، أولها سوكينكو، وزوجها وابنها، الذين احتجزتهم القوات الروسية في 23 مارس.

وهذه الحادثة هي واحدة من 2500 حادثة يستخدمها المدعي العام الأوكراني لبناء قضايا ضد السلطات الروسية لارتكابها جرائم حرب محتملة.5

وقد حدد المدعي العام بالفعل 205 مشتبه بهم، بمن فيهم أعضاء في القيادة العسكرية والسياسية الروسية.

جرائم حرب

وقالت هيومن رايتس ووتش في تقريرها الصادر الأحد إنها وثقت عدة حالات أخرى من جرائم الحرب ارتكبها الجيش الروسي في مناطق تشيرنيهيف وخاركيف وكييف المحتلة بين 27 فبراير و14 مارس.

وقالت المنظمة إن من بين هذه الأدلة أدلة على الاغتصاب المتكرر والإعدام  لستة رجال، فضلا عن نهب ممتلكات مدنية، بما في ذلك الطعام والملابس والحطب.

وقال هيو ويليامسون، مدير المنظمة في أوروبا وآسيا الوسطى “إن الحالات التي وثقناها ترقى إلى مستوى القسوة والعنف المتعمدين ضد المدنيين الأوكرانيين”، مضيفا أنه ينبغي التحقيق في هذه الحالات باعتبارها جرائم حرب.

مواقف دولية

وأثارت عمليات القتل في بوتشا وغيرها من المناطق التي كانت أو لا تزال تحت الاحتلال الروسي دعوات لإجراء تحقيق دولي في جرائم الحرب في سلوك الجيش الروسي.

وقال وزير الخارجية أنتوني بلينكن في مقابلة مع شبكة “سي إن إن” إن الصور تتماشى مع تحذيرات إدارة بايدن من أن القوات الروسية سترتكب انتهاكات.

وقال بلينكن “لا يسعك إلا أن ترى هذه الصور على أنها مروعة، وانظروا، لقد قلنا قبل العدوان الروسي إننا نعتقد أنه من المحتمل أن يرتكبوا فظائع”، مضيفا: “لا يمكننا أن نصبح مخدرين تجاه هذا الأمر، لا يمكننا التطبيع مع هذا، هذه هي حقيقة ما يحدث كل يوم”.

وقالت السفارة الأميركية في كييف إن “على العالم أن يعرف ما الذي جرى في بوتشا”، مضيفة أن حكومة الولايات المتحدة ملتزمة بمحاسبة المتسببين “باستخدام أية أداة متوفرة”.

ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الصور بأنها “لا تطاق”.

وقال ماكرون في رسالة نشرها على تويتر الأحد “في الشوارع، قتل مئات المدنيين بطريقة جبانة”، مضيفا “سيتعين على السلطات الروسية أن تحاسب على هذه الجرائم”.

وتقول صحيفة نيويورك تايمز إن الفظائع التي نقلتها الصور قد تؤدي إلى تشديد موقف العالم أكثر تجاه روسيا.

وقالت وزيرة الدفاع الألمانية كريستين لامبريشت، في ما يعد تحولا كبيرا في موقف بلادها، إن على الاتحاد الأورووبي النظر في حظر واردات الغاز الروسي في ضوء فظائع بوتشا.

وقال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، إن مشاهد بوتشا تعكس “وحشية ضد المدنيين لم نرها في أوروبا منذ عقود. وهو أمر مروع ومن غير المقبول على الإطلاق استهداف المدنيين وقتلهم”.

وقال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إن “هجمات روسيا الخسيسة ضد المدنيين الأبرياء في إيربين وبوتشا هي دليل آخر على أن [الرئيس الروسي فلاديمير] بوتين وجيشه يرتكبون جرائم حرب في أوكرانيا”.

وإيربين ، وهي ضاحية أخرى من كييف، كانت هي الأخرى مسرحا لمعارك شرسة.

ودعت بريطانيا أيضا إلى إجراء تحقيق وقالت إنها ستدعم أي تحقيقات تجريها المحكمة الجنائية الدولية.

 وقالت وزيرة الخارجية ليز تروس الأحد “مع إجبار القوات الروسية على التراجع، نشهد أدلة متزايدة على أعمال مروعة من قبل القوات الغازية في بلدات مثل إيربين وبوتشا”.

وقالت تروس “يجب التحقيق في هجماتهم العشوائية ضد المدنيين الأبرياء خلال غزو روسيا غير القانوني وغير المبرر لأوكرانيا باعتبارها جرائم حرب” مضيفا أن بريطانيا “لن تسمح لروسيا بالتستر على تورطها في هذه الفظائع من خلال التضليل الساخر”.

وفي الوقت نفسه، أعادت وزارة الدفاع الروسية نشر رسالة على تلغرام في قناتها زعمت أن بعض لقطات الجثث في بوتشا “مزيفة” واتهمت القوات الأوكرانية بقتل الناس عن طريق قصف بوتشا.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إنه “مصدوم بشدة” من الصور الواردة من بوتشا. وقال إنه “من الضروري أن يؤدي تحقيق مستقل إلى مساءلة فعالة”.

وقال وزير خارجية لاتفيا إدغارس رينكيفيكس، إن القوات الروسية ارتكبت “إبادة جماعية” و”جرائم حرب” في بوتشا “يجب أن تقابل بعقوبات جديدة وزيادة المساعدات العسكرية لأوكرانيا”.

وأعرب شارل ميشيل، رئيس المجلس الأوروبي، عن صدمته من الصور وقال في تغريدة على تويتر إن المزيد من عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد روسيا “في الطريق”.

وأعرب العديد من المسؤولين الأوروبيين الآخرين عن قلقهم إزاء الصور الواردة من بوتشا.

وقالت روبرتا ميتسولا، رئيسة البرلمان الأوروبي، على تويتر إن الصور كانت “حقيقة باردة لجرائم الحرب التي ارتكبها بوتين”، مضيفة أن العالم “يجب أن يكون على دراية بما يحدث”.

ويقول خبراء إنه في حين يمكن رفع قضايا جرائم الحرب أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، سيكون من الصعب للغاية محاسبة القادة الروس هناك لأن المحكمة تفتقر إلى سلطات التنفيذ.

ومن الممكن أيضا الملاحقة القضائية في محكمة العدل الدولية، ولكن أي حكم يجب أن ينفذه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث تتمتع روسيا بحق النقض.

وقال مشرعون أميركيون إن التقارير الواردة من بوتشا تبرر تقديم المزيد من المساعدات لأوكرانيا، حيث دعا البعض إلى توفير المزيد من صواريخ أرض-جو لمساعدة القوات الأوكرانية.

وقال السناتور روب بورتمان، الجمهوري عن ولاية أوهايو: “نحن بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد لمساعدة أوكرانيا، ونحتاج إلى القيام بذلك بسرعة أكبر”.



الحرة