د. فيصل القاسم - القدس العربي

هل احتلال فلسطين حرام واحتلال أوكرانيا حلال؟ – د. فيصل القاسم – القدس العربي

ابتلي الإعلام العربي بشرذمة من اليسارجيين والقومجيين والمقاومجيين العرب المستعدين أن يناصروا حتى الشياطين الزرق في مواجهة الغرب، حتى لو كان الشياطين أسوأ من الغرب بعشرات المرات. بصراحة نحن نحتاج إلى أطباء نفسيين كي يعالجوا هذا الرهط المسعور من الإعلاميين والمحللين والسياسيين العرب المتحمسين للغزو الروسي لأوكرانيا أكثر من الروس أنفسهم، فهم يملؤون مواقع التواصل تغريدات ومنشورات وفيديوهات حماسية دعماً للغزاة الروس وهجوماً على الأوكرانيين المعتدى عليهم من قبل الدب الروسي. وهنا نستحضر العقدة النفسية لدى هؤلاء المطبلين والمزمرين للغزاة الروس. منطقياً، كان على الطابور الروسي في الإعلام العربي القومجي واليسارجي والمقاومجي أن يفكر بطريقة أخرى بدل الاندفاع الجنوني لتأييد المحتلين الروس، فقد صدع القومجيون واليسارجيون والمقاومجيون رؤوسنا على مدى عقود وهم «يناضلون» بين قوسين طبعاً من أجل فلسطين وشعبها. لقد هاجموا الاحتلال الإسرائيلي وأفعاله مئات المرات على شاشات التلفاز وفي مواقعهم وحساباتهم على مواقع التواصل، وهم يرفعون شعار تحرير فلسطين من الصهاينة ليل نهار، ولا بأس في ذلك طبعاً إذا كانوا صادقين.

لكن ما أن بدأت روسيا تكشر عن أنيابها لغزو أوكرانيا حتى أخذ هذا الرهط الغريب العجيب من العرب يهلل ويزمر للروس أكثر من الإعلام الروسي نفسه. لقد تحول بعضهم إلى طبالين من الطراز الأول وهم يستنهضون الشارع العربي كي يصفق معهم لبوتين وعصابته وهي تحشد قواتها على حدود أوكرانيا، مع أن الوحش معروف والضحية لا تحتاج إلى توضيح. هناك غزو روسي واضح المعالم، وهناك بلد مستقل ومعترف به في الأمم المتحدة يتعرض للغزو، فمع من يجب أن يقف العقل السليم في هذه الحالة؟ لا شك مع الضحية وليس مع الوحش. هذا هو التفكير الصحيح لدى أي إعلامي يحترم نفسه ويعرف أبسط أبجديات الإنسانية والمنطق. عندما أرى أن بلداً يتعرض للغزو كما تعرض بلدي ذات يوم، فلا شك أنني سأستحضر بشاعات الغزو الذي تعرض له بلدي وسأقف دون أدنى تفكير مع البلد الذي يتعرض الآن للغزو. هل هناك منطق آخر يغيب عن أذهاننا ولا نعرفه؟ أرجوكم أخبرونا.




من الغريب جداً كي لا نقول شيئاً آخر أن تجد الكثير من الإعلاميين الفلسطينيين مثلاً وهم يصرخون ليل نهار في وسائل الإعلام تأييداً للغزو الروسي لشعب آمن كما فعلوا ذات يوم مع الغزو العراقي للكويت؟ ألا تثيركم أيها القومجيون مناظر ملايين الأوكرانيين من نساء وأطفال وكبار السن وهم ينامون على حدود الدول المجاورة هرباً من الغزو الروسي لبلدهم؟ أنتم تتهمون الغرب بالازدواجية والكيل بمكيالين، وهذا صحيح تماماً، لكن هل تختلفون أنتم عن الغرب في الازدواجية والنفاق عندما تؤيدون الغزو والاحتلال الروسي لأوكرانيا بينما بلدكم أنتم محتل وشعبه بعضه مهجر والبعض الآخر يعاني شتى أنواع المعاناة تحت الاحتلال الإسرائيلي؟ أليست مشاهد اللاجئين الأوكرانيين بالملايين نسخة طبق الأصل مشاهد اللاجئين الفلسطينيين الذين شردتهم إسرائيل في أصقاع العالم وسرقت بيوتهم واستولت على أرضهم؟

هل هناك لاجئ حلال ولاجئ حرام مثلاً؟ هل حلال على روسيا أن تدمر بيوت الأوكرانيين وتنهبها وتحرقها وتدفع بهم إلى أوروبا؟ كيف يختلف الفعل الروسي مع الأوكرانيين عن الفعل الإسرائيلي مع الفلسطينيين؟ بربكم أرشدوني يا من تصفقون لبوتين وعصاباته. لماذا لم تتعلموا من خطيئتكم الكبرى عندما وقفتم مع الاحتلال العراقي للكويت؟ لماذا تكررون الخطيئة مع الأوكراني؟

البعض قد يبرر وقوفه مع الروس ضد أوكرانيا بأن روسيا تقف مع القضايا العربية ولم تغز يوماً بلداً عربياً. وهذا طبعاً هراء، فروسيا بوتين ليست الاتحاد السوفياتي بأي حال من الأحوال. روسيا الحالية لا علاقة لها بالاتحاد المنهار مطلقاً، والروسي الحالي نسخة طبق الأصل عن الامبريالي الأمريكي، فهو ينافس الغربيين على أشلاء السوريين واليمنيين والليبيين والسودانيين واللبنانيين، وهو لا يتدخل في بلادنا هنا وهناك دفاعاً عنا وعن قضايا، بل يريد فقط أن ينافس الأمريكي والغربي في نهب ثرواتنا وقتل شعوبنا. والكل يعلم ما فعله الوحش الروسي في سوريا، حيث اعترف بوتين بعظمة لسانه بأنه استخدم الأرض السورية كمسرح تجارب لأكثر من ثلاثمائة وخمسين سلاحاً روسياً جديداً على بيوت السوريين، ولم تسلم منه حتى مداجن الطيور وحظائر الحيوانات. وما يفعله اليوم بوتين في المدن الأوكرانية كان قد فعله بحلب وحمص السورية بشهادة الاتحاد الأوروبي.

سؤال للقومجيين العرب الذين يصفقون للروس: هل أنتم سعداء عندما يعترف وزير الدفاع الروسي أيضاً بأنه استغل الأرض السورية كحقل تجارب للأسلحة الفتاكة؟ إذا كنتم تكرهون الأوكرانيين لسبب ما وتصفقون لبوتين وهو يقتلهم ويشردهم، فماذا فعل لكم السوريون أيها اليسارجيون والمقاومجيون العرب كي تصفقوا لبوتين وهو يحرقهم ويشردهم بالملايين ويستولي على ثرواتهم وينهب خيرات بلدهم مثله مثل الأمريكي وأكثر؟ أليس السوريون عرباً يا بتوع القومية العربية؟ كما أن الأمريكي استولى على النفط السوري في الشرق، فإن الروسي استولى على الموانئ ومناجم الفوسفات ومنابع الغاز في الساحل السوري. هل النهب الأمريكي لسوريا حرام والنهب الروسي حلال؟

قد يبرر لنا البعض هذا الحماس الكبير لدى القومجيين واليسارجيين والمقاومجيين العرب في دفاعهم عن الغزو الروسي لأوكرانيا أن الروس يواجهون إسرائيل. أريد هنا أن أطلق ضحكة من العيار الثقيل رداً على هذا الهراء. كلكم تعرفون أن روسيا كانت أول دولة في العالم تعترف بإسرائيل بعد خمس عشرة دقيقة فقط من إعلان الدولة العبرية. هل تعلمون أن الإسرائيليين قبل أشهر فقط اختاروا الرئيس الروسي بوتين كأفضل قائد عالمي مؤيد لإسرائيل. كانوا يسمونه رئيسهم المفضل. وكان العديد من التجار الإسرائيليين يسمي متاجره ومطاعمه وحاناته باسم «بوتين». وكلكم شاهدتم الرئيس الروسي وهو يرتدي القلنسوة اليهودية عند حائط المبكى. وإذا كان الرئيس الأوكراني زيلينسكي يهودياً ومؤيداً لإسرائيل، صدقوني فإن الخدمات التي يقدمها بوتين للإسرائيليين منذ قدومه إلى السلطة أكبر وأهم من خدمات زيلينسكي بمرات ومرات. ولا تنسوا أن أكبر جالية في إسرائيل هي جالية اليهود الروس التي ترتبط ببوتين بأفضل العلاقات وأكثرها حميمية، وهي من أكثر الجاليات المؤثرة في السياسة الإسرائيلية.

أخيراً إياكم أن تظنوا أننا نريدكم أن تصفقوا للغربي بدل الروسي. لا لا أبداً، فشهاب الدين أسوأ من أخيه، لكن على الأقل اخرسوا. مساكين نحن العرب كالصلعاء التي تتباهى بشعر جارتها، مع أن الجارة تحتقر أولئك الصلعان الذين يتفاخرون بشعرها.

صب عمي صب.