الصناعة اللبنانية تضيع في متاهة شح الدولار ونقص الكهرباء

يرزح قطاع الصناعة تحت وطأة الأزمة الاقتصادية والمالية التي يواجهها لبنان منذ خريف عام 2019، ويحتاج إلى تذليل العقبات التي أدت إلى تراجع الإنتاج بشكل كبير، في ظل شح الدولار والتقنين المستمر للكهرباء.

ورغم تأكيد وزير الصناعة جورج بوشكيان الجمعة أن جولاته الصناعية مؤخرا تأتي في إطار تصميم الحكومة على الاطلاع عن قرب، على سير العمل في المعامل والاستماع إلى أهل القطاع والتصدي للصعاب ومواجهة التحديات، لكن يبدو أن ذلك غير كاف.




ونسبت وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية إلى بوشكيان قوله أثناء زيارته لأحد المصانع في بيروت، إن الوزارة مهتمة بالقطاع “لما يوفره من فرص عمل”، ولما يسوقه من منتجات في السوقين المحلية والخارجية “رغم العقبات الموجودة”.

وشجع الصناعيين على “مواصلة الإنتاج الجيد، والتزام المواصفات والمعايير التي هي تأشيرة الاختيار من قبل المستهلك”.

ويوصف القطاع في لبنان بأنه “نموذج” لصناعة تنمو وسط التحديات وتتميز بتقديم النوعية على الكمية، وبتدخل ودعم محدودين من القطاع العام.

ووفق البنك الأوروبي للإعمار والتنمية، تراجع الإنتاج الصناعي بلبنان في العام الماضي بواقع 26.4 في المئة، وفي العام السابق بنحو 13 في المئة قياسا بالعام 2018، نتيجة المشاكل المتراكمة.

وتمثّل مسألة عدم توفر الطاقة الكهربائية المشكلة الأبرز التي تعيق عملية الإنتاج الصناعي، تليها مسألة ارتفاع الرسوم الجمركية على المواد الأولية. أما بالنسبة إلى التسويق فتكمن المشكلة في المنافسة الأجنبية في الداخل.

ويوجد في لبنان نحو 7900 مؤسسة صناعية، ويمكن أن يرتفع العدد إلى 35 ألف مؤسسة لدى احتساب الشركات الصغيرة والحرفية.

وتتمركز غالبية الشركات بجبل لبنان بنحو 56 في المئة، وغالبيتها تعمل في الصناعات الغذائية بواقع 23.2 في المئة التي شهدت نموا في الفترة الماضية.

ولم يتمكن أغلب الصناعيين مؤخرا من شراء المواد الخام من الخارج بسبب نقص العملة الصعبة، حيث يفرض القطاع المصرفي قيودا على السحب.

ويؤكد إياد، صاحب مصنع جانو بلاست لأكياس البلاستيك بجبل لبنان، أن شركته توفر الأكياس للمشافي والأفران والفنادق، لكن المصنع شبه متوقف اليوم.

وقبل الأزمة المالية كان المصنع يعمل لأكثر من 20 ساعة يوميا، لكن نشاطه لا يتجاوز حاليا 15 ساعة في الشهر.

وقال إياد لوكالة الأنباء الألمانية إن إنتاج المصنع “انخفض منذ بدء الأزمة وحتى اليوم بنسبة 90 في المئة، بسبب عدم قدرتنا على تأمين المازوت للمولدات الخاصة بإنتاج الكهرباء، بعد رفع الدعم عنه وارتفاع سعره”.

وأوضح أن المصنع يحتاج كل يوم إلى طن من المازوت، الذي تبلغ كلفته أكثر من 1100 دولار حاليا.

وتابع إياد “قبل الأزمة كنا نسلم البضائع ونقبض ثمنها بعد شهر أو شهرين، وكذلك كنا نشتري المواد الأولية وندفع ثمنها بعد شهر أو اثنين بواسطة شيكات مصرفية. وعندما توقفت المصارف عن استقبال الشيكات أو دفع مستحقات المودعين نقدا، بتنا مضطرين إلى الحصول على مستحقاتنا من المستهلكين بالعملة الصعبة نقدا، لتأمين المواد اللازمة للصناعة”.

وترتبط أسعار المواد الأولية التي يحتاجها جانو بلاست بسعر النفط والغاز، ما يرفع سعر الكلفة بطريقة لا طاقة للزبائن على تحملها.

وكان ثمن كيس البلاستيك المصنّع محليا أقل من سعر الكيس المستورد قبل الأزمة، أما اليوم فأصبح ثمنه أغلى من المستورد، وكلفة كيس الخبز مثلا باتت تقريبا أغلى من الخبز، بسبب ارتفاع كلفة إنتاج الكهرباء وارتفاع كلفة المواد الأولية وارتفاع الجمرك.

ويؤكد إياد أن الكثير من المعامل الكبيرة أغلقت أبوابها للأسباب نفسها، معتبرا أن “الأزمة الاقتصادية أثرت سلبا على المصانع وبالأخص على تلك المخصصة لصناعة البلاستيك”.

وقال “لم تقدّم وزارة الصناعة أي شكل من أشكال الدعم، ونحن بحاجة إلى تأمين الطاقة الكهربائية لمدة 12 ساعة على الأقل، بالإضافة إلى دعم المواد الأولية التي تدخل في الصناعات الكبيرة والصغيرة، وتخفيض الدولار الجمركي على هذه المواد”.

وتضع المصارف اللبنانية قيودا على السحوبات بالدولار، بسبب الأزمة المالية، وتسمح بسحبها بالليرة اللبنانية فقط، وفق سعر صرف يحدده البنك المركزي عند 8 آلاف ليرة لكل دولار.

ويتجاوز سعر صرف العملة الأميركية حاليا في السوق السوداء 22 ألف ليرة، مقابل السعر الرسمي البالغ 1570 ليرة لبنانية للدولار.

ويعاني كمال حداد صاحب مؤسسة “الحداد” في جبل لبنان، التي تعمل في تصنيع الحديد، من نفس المشاكل، ويقول إن المبيعات تراجعت منذ الأزمة بمقدار يتراوح بين 60 و70 في المئة. وأوضح أن عمليات التصنيع تتلاءم مع متطلبات الأزمة الحالية.

وقال “كنا نصنّع خزانات للمازوت مثلا عندما كانت هناك حاجة إلى تخزينه، قبل رفع الدعم عنه وارتفاع ثمنه. واليوم نقوم بتصنيع ما تحتاجه عمليات تأمين الكهرباء من الطاقة الشمسية، بسبب ارتفاع الطلب عليها في ظل الانقطاع الدائم للتيار الكهربائي”.

ويعزو حداد سبب تراجع المبيعات إلى عدم توفر السيولة النقدية بين أيدي الناس، بعد أن امتنعت البنوك عن إعطاء المودعين أمولهم.

وقال “اقتصر البيع على من يستطيعون تأمين السيولة من العملة الصعبة، وهم في الغالب ممن يعملون في الخارج، حيث أجبرت الأزمة الاقتصادية اللبنانيين على توفير أموالهم لتأمين حاجاتهم الضرورية فقط”.

وأكد حداد أن وزارة الصناعة لم تقدم أي شكل من أشكال الدعم، “ربما لأننا نصنّف من ضمن الصناعات الصغيرة، وقد يكون هناك دعم للمؤسسات الصناعية الكبيرة”.

وعلاوة على كل ذلك، فإن القطاع بحاجة إلى الدعم من خلال تأمين العمالة المحلية وتوجيه الاختصاصات لتتلاءم مع متطلبات السوق المحلي، وتسهيل الاستيراد وتبسيط معاملات العمال الأجانب.

كما أن الصناعة كباقي القطاعات بحاجة إلى انتظام عمل المؤسسات في الدولة، وهذا الأمر غير متوفر حاليا، مما يشي بتعرضه إلى أزمات أكبر إن لم تتدارك الحكومة الوضع سريعا.