الغزو الروسي لأوكرانيا يحرم اللبنانيين من الحلوى في رمضان

أسرار شبارو – الحرة

ينتظر اللبنانيون استقبال شهر رمضان وسط مخاوف من عدم قدرتهم على شراء المأكولات لموائد الإفطار، في وقت أصبحت فيه الكماليات نوعاً من الترف، منها الحلويات التي ارتفعت أسعارها بشكل قياسي لاسيما بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.




يخوض قطاع الحلويات معارك على أكثر من جبهة “منها ارتفاع أسعار المواد الأولية وتدهور قيمة العملة الوطنية وتفلت سعر صرف الدولار، والنزف في موظفي النخبة واليد العاملة المتخصصة لتزيد الحرب الدائرة في أوكرانيا الطين بلّة، ما دفع اللبنانيين إلى اعادة ترتيب سلم أولويات مشترياتهم” بحسب ما قاله عضو نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري في لبنان، وصاحب “بات آ شو”، مكرم ربيز.

شكلت الحرب الروسية ضربة قوية لقطاع الحلويات في لبنان كون أوكرانيا كما قال ربيز “مورد أساسي للأسواق العالمية بما يختص بالقمح ومشتقاته من الطحين كذلك للزيوت النباتية ومنتجات الدسم والزبدة النباتية والحيوانية، وهي مواد تدخل في صلب مكونات انتاج الحلويات”.

حتى البيض المحلي أحد المواد الأساسية في صناعة الحلوى ارتفع سعره نتيجة ارتفاع أسعار الاعلاف المستوردة من أوكرانيا، وبعد أن كان الصندوق منه (12 كرتونة)  يباع بحسب ما قاله ربيز لموقع “الحرة” “بـ30 دولاراً وصل سعره إلى 55 دولار، فيما ارتفع سعر ليتر الزيت 1,5 دولار إلى 3 دولارات، حتى كيس الحلوى نستورده من الخارج بسعر دولار والعلبة يصل ثمنها إلى ثلاثة دولارات”.

سبق أن أكد صندوق النقد الدولي في بيان أن العواقب الاقتصادية للأزمة الأوكرانية بالغة الخطورة وأن أولى تبعاتها “حدوث طفرة في أسعار الطاقة والسلع الأولية، بما في ذلك القمح وغيره من الحبوب، مما زاد من الضغوط التضخمية” وأضاف “سيكون لصدمة الأسعار تأثير على العالم بأسره، وخاصة على الأسر الفقيرة التي يشكل الغذاء والوقود نسبة كبرى من إنفاقها”.

كما حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو” من أن “الأسعار العالمية للأغذية والأعلاف قد ترتفع بما يراوح بين 8 و22 في المئة فوق مستوياتها المرتفعة نتيجة للصراع الدائر في أوكرانيا، ما سيؤدي إلى قفزة في عدد المصابين بسوء التغذية على مستوى العالم”.

وأكدت “الفاو” أن أوكرانيا وروسيا “توفران 19 في المئة من الإمدادات العالمية من الشعير و14 بالمئة من إمدادات القمح و4 بالمئة من الذرة وهو ما يشكل أكثر من ثلث صادرات الحبوب العالمية”.

غياب حلوى أساسية

سيغيب حلوى الكلاج وزنود الست، في رمضان عن محل “صفصوف” للحلويات أحد أشهر المحلات في العاصمة اللبنانية بيروت، كون كما قال الحاج كمال صفصوف “ارتفع سعر كل المواد الأولية من الحليب إلى السمن والغاز وغيرها”.

وشرح في حديث لموقع “الحرة” “بعد أن كنا العام الماضي نشتري الكلاج بـ 300 الف ليرة للـ8 كيلو وصل اليوم إلى الـ 60 دولار اي حوالي مليون و440 ألف ليرة، أما كيس الحليب (25 كيلو) ارتفع سعره من  120 دولار إلى 250 دولار، عبوة السمن ارتفع سعرها من 70 دولار إلى 100 دولار، السميد مفقود نحصل عليه بكميات قليلة وبعدما كان سعر الكيلو منه 5 آلاف ليرة وصل إلى 35 ألف ليرة”.

سيقتصر محل صفصوف حلوى رمضان على الشعيبات والعثملية والصفصوفية والصفوف والنمورة والمعمول مدّ، وقال “نحاول قدر المستطاع تخزين المواد الأولية استعداداً لرمضان لاسيما بعد انعكاسات الحرب الروسية على قطاعنا”.

على الرغم من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بلبنان إلا أن المشكلة انحصرت حتى العام الماضي كما قال سركيس دويهي صاحب شركة “دويهي” للحلويات “بارتفاع سعر صرف الدولار في وقت حافظت المواد الأولية على سعرها، لكن مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية بدأت الأسعار بالارتفاع عالمياً، منها الحليب الذي كنا نشتري الـ25 كيلو منه بـ105 دولارات حيث وصل سعره اليوم إلى 160 دولار، كذلك السمن ارتفع سعر الـ15 كيلو منه من 130 دولار إلى حوالي الـ200 دولار”.

ويشهد لبنان منذ صيف 2019 انهياراً اقتصادياً، حيث فقدت “العملة المحلية ما بين عامي 2019 و2021 حوالي 82 في المئة من قوتها الشرائية مقابل الدولار، وتفاقم الفقر حتى طال 82% من مجموع السكان” بحسب تقرير لـ”الاسكوا”.

وشرح دويهي “يستورد لبنان العلف من أوكرانيا، وقد رفعت وزارة الزراعة اللبنانية سعره من 0,55 سنتاً إلى 0,70 سنتاً ما انعكس على أسعار الحليب الذي يدخل في صناعة الجبن والقشطة، مع العلم أن كيلو الجبن يحتاج إلى 9 كيلو من الحليب، ما يعني أن كلفة الكيلو منه تصل إلى 8 دولارات أي نحو 192 ألف ليرة وذلك قبل طرحه في السوق”.

مشكلة جديدة أضيفت كما قال دويهي وهي “قرار الجزائر منع تصدير السكر على خلفية الحرب الروسية على أوكرانيا وتداعياتها على الأمن الغذائي”.

وتعد الجزائر المورد الأول للسكر إلى لبنان، الأمر الذي دفع رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي إلى الطلب من وزير خارجية الجزائر رمطان لعمامرة نقل تمنياته الى الحكومة الجزائرية باعفاء لبنان من قرار منع تصدير السكر، وذلك في اطار مساعدة لبنان على مواجهة تداعيات الحرب على أوكرانيا.

في السابق كان دويهي يبيع كعكة الكنافة بـ 5 آلاف ليرة أي ما يعادل 3,5 دولار، أما اليوم فيضطر إلى بيعها بخمسين ألف ليرة ما يعادل نحو دولارين، وقال “تراجع الأرباح طال كل أنواع الحلوى، ورغم ذلك تراجع المبيع بين 60 إلى 70 في المئة، في وقت لا تؤمن فيه الدولة أبسط الأمور كالكهرباء لا بل حتى المازوت رفعت الدعم عنه، من دون أن تؤمن نقل مشترك كي يتمكن الموظف من الوصول إلى عمله بتكلفة أقل”.

بطولة “الصمود”

الحلويات في رمضان جزء أساسي من المائدة، وقد اعتادت العائلات اللبنانية كما قالت وداد سعيد “على شراء ولو صنفاً واحداً يومياً خلال الشهر الفضيل، لكن هذا العام مع تدهور الوضع الاقتصادي بشكل كبير أصبحت اللحوم والدجاج من الكماليات فكيف بالحلويات، بالكاد يمكننا شراء الحبوب والخضار، بتنا نفكر كيف بامكاننا اعداد ولو وجبة واحدة دسمة أسبوعياً”.

حتى شراء السكاكر للأطفال أمر يصعب على العديد من اللبنانيين، وأشارت “أعجز عن تلبية رغبة طفليّ بجلب البسكويت والشوكولا لهما، راتب زوجي بالكاد يمكّننا من ألا ننام ببطون خاوية، لائحة طويلة من المأكولات والفاكهة لم تدخل منزلنا منذ ما يزيد عن السنة، لم أتخيل يوماً أن يصل وضعنا إلى هذا الحد من الانهيار، في وقت لا بصيص أمل لأي انفراج”.

أدت الأزمات كما قال ربيز “إلى اختفاء الطبقة الوسطى المحرك الأساسي للاقتصاد في لبنان، تراجع المدخول، ومعه قدرة الناس على شراء الكماليات ومنها الحلويات، اختفت المناسبات والاحتفال بالأعياد، واختلفت العادات الشرائية، فمن كان يشتري قالب حلوى اختصر الأمر بقطع معدودة”.

بحسب تقرير سابق لصحيفة نيويورك تايمز “ارتفعت أسعار المواد الغذائية على مستوى العالم بسبب الاضطرابات في سلسلة التوريد العالمية والأحوال الجوية السيئة وارتفاع أسعار الطاقة، مما يفرض أعباء ثقيلة على الفقراء ويهدد بزيادة الاضطرابات الاجتماعية في جميع أنحاء العالم، وأثرت الزيادات على أنواع متنوعة من الأغذية مثل الحبوب، الزيوت النباتية، الزبد والمعكرونة، لحم البقر والقهوة”.

ولا ينسى ربيز كلفة الطاقة، مشيراً إلى أنه “مع غياب كهرباء الدولة نلجأ إلى المولدات الخاصة، طن المازوت وصل إلى 1200 دولار، احتاج شهرياً ما يفوق الـ 10 الآف دولار بدل محروقات، كون مخابزي تعمل على الكهرباء”.

صاحب محل حلويات الداعوق في بيروت الذي يشتهر ببيع حلوى الداعوقية (مكوناتها الأساسية فستق حلبي وقشطة) محمد خير الداعوق احتار بداية في كيفية التعبير عن الحال الذي وصل اللبنانيون اليه، قائلاً “إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب”.

وشدد “كل المواد الأولية التي نحتاجها ندفع ثمنها بالدولار، الفستف الحلبي والقشطة والسكر وحتى الأوراق والعبوات البلاستيكية، على سبيل المثال كان سعر طن السكر 500 دولار الآن وصل سعره إلى 1200 دولار، في حين وصل كيلو الفستق  إلى 20 دولار”.

وعن مدى تأثير ارتفاع الأسعار على سعر كيلو الداعوقية والمبيع أجاب “حين كان سعر صرف الدولار يعادل 1500 ليرة لبنانية كنا نبيع الكيلو بـ16 دولار أي 24 ألف ليرة، أما اليوم مع ارتفاع سعر صرف الدولار نضطر إلى بيعه بـ12 دولار أي ما يعادل نحو 300 ألف ليرة، لذلك اقتصر الشراء على من مدخولهم بالدولار، انخفض مبيعنا كثيراً، وأصبحنا نعمل للاستمرار وليس من أجل جني الأرباح، فالبطل اليوم هو من يتمكن من الصمود”.

حرب وجودية

حتى في منازلهم لن يتمكن اللبنانيون من اعداد الحلوى فأسعار مكوناتها كما قالت منال المصري “ارتفعت بشكل كبير، ولم يعد هناك فرق كبير في التكلفة بين شرائها جاهزة واعدادها في البيت” مضيفة “تتطلب حلويات رمضان القشطة وعجينة العثملية أو القطايف والسمن وغيرها، كلها مرتفعة الثمن، عدا عن استهلاك الغاز، ونحن في زمن علينا فعل المستحيل للتوفير، فالراتب لا يكفي لتأمين الحاجيات الضرورية، وللأسف للمرة الأولى سيمر رمضان والحلوى خارج دائرة المشتريات”.

لبنان- رمضان- حلويات

وزير الإقتصاد اللبناني أمين سلام، طمأن اللبنانيين بأن “ما يثار عن الشح في مادة القمح غير صحيح، والأرقام في الوزارة مطمئنة، ويتم استكمال إستقدام البواخر، والإستيراد سار كما هو معهود، ونحاول الحصول على احتياطي إضافي”، وأضاف “السكر موجود والزيوت موجودة على الأقل لمدة شهرين، ولكن بعد ذلك الخوف من ارتفاع الأسعار”.

وقال “نعمل مع البنك الدولي على مشروع الأمن الغذائي، أصبحنا بمرحلة متقدمة، وهو مشروع بقيمة 150 مليون دولار وبطليعته القمح، حيث سيؤمن 6 أو 7 أشهر للأمام”.

من جانبه قال ربيز “لدى التجار اللبنانيين مخزون يكفي لحوالي الشهرين، لكن في حال طالت الحرب في أوكرانيا سنصل إلى فقدان العديد من المواد، لاسيما وأن الأسواق الأوروبية منعت تصدير الزيوت والطحين” وشدد “في العادة يبرم التجار عقودهم لمدة سنة لكن الآن لا نعلم إن كان سيتم تجديدها”.

وأضاف “اختفى المنطق في عملنا لا يمكننا الالتزام بنموذج انتاج وبيع محدد، كل يوم نضطر إلى وضع تسعيرة جديدة ما ينعكس سلباً علينا وعلى زبائننا، هدفنا الآن الاستمرار وليس الربح للحفاظ على الإسم الذي بنيناه على مدى سنوات، نحن في حرب وجودية، مدخراتنا اختفت في المصارف، من الصعب الاستثمار من جديد لعدم توفر رأس المال، باختصار نغرق ورأسنا فوق الماء”.

حتى محاولة أصحاب محلات الحلويات اللجوء إلى الخارج وفتح أفرع لحماية شركاتهم في لبنان أمر مستحيل كما قال دويهي في ظل حجز المصارف أموال المودعين “كأن القضبان تحاوطنا من كل الجهات، لا يمكننا الاستمرار على هذا النحو أكثر من أشهر معدود، وإذا بقي الوضع على حاله لن يكون أمامنا سوى إغلاق فروعنا”.

سبق أن صنف البنك الدولي أزمة لبنان ضمن أصعب ثلاث أزمات سجلت في التاريخ منذ أواسط القرن التاسع عشر، حيث تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية لمستويات غير مسبوقة، في وقت يعجز فيه اللبنانيون عن سحب أموالهم من المصارف بسبب قيود ناتجة عن شح السيولة.

رغم كل الظروف الصعبة يأمل ربيز أن تتحسن حركة المبيع في رمضان وألا تكون حركة بلا بركة كما هي الآن، لاسيما بعد تراجع مدخول السياحة في لبنان من 13 مليار دولار إلى ملياري دولار”.

وختم “باختصار أضيفت أزمة عالمية على أزماتنا الوطنية، كل مكونات الاقتصاد تدفع الثمن، علينا المقاومة ونتمنى أن لا نجبر على تسليم أسلحتنا الاقتصادية”.