“القوّات” و”المستقبل”: التقاء استراتيجيّ وتباعد تكتيّ

مجد بو مجاهد – النهار

يجتمع حزب “#القوات اللبنانية” وتيار “#المستقبل” في المفترقات المفصليّة المؤكّدة على أنّ الالتقاء الموضوعي بين المكوّنين، يشكّل أرضية أمتن من كافّة التباينات التكتيّة التي قد تطفو متراكمة على السطح، فتحجب صورة رفع الأيدي المتشابكة تاريخياً بين الفريقين. ولا تلبث التذبذبات الاختلافية أن تتطاير سريعاً عندما تلفح أحد الحزبين رياح الاستهدافات. تختصر القبضة الموحّدة عندها المشهدية التفاعلية، التي لا تعلو فوقها التناقضات. وإذا كان لا يمكن التعبير عن تقدّم أو تراجع على صعيد مستوى العلاقة السياسية بين “المستقبل” و”القوات” راهناً، فإنّ الاختلافات المستمرّة على بعض العناوين لا تلغي الالتقاء الجدّيّ بين المكوّنين في المحطات المفصليّة المرتبطة بالدفاع عن الحريات العامّة وتشخيص واقع الأزمة اللبنانية لناحية سيطرة “#حزب الله” على القرار السياسي، انطلاقاً من مقاربة تعبيرية مشتركة يعبّر عنها الطرفان. وقد شكّلت المحاولة المتجدّدة لاستهداف رئيس “القوّات” سمير جعجع من خلال التلويح بورقة الادّعاء على تخوم الدخول في المرحلة الحاسمة بتوقيت استحقاق الانتخابات النيابية، محطّة تكاتفية تأكيدية على ما يجمع بين الفريقين من عناوين استراتيجية كبرى.




وتثمّن مصادر بارزة في “القوات اللبنانية” عبر “النهار” البيان التضامني الصادر عن هيئة الرئاسة في “المستقبل”، باعتباره دليلاً ساطعاً على العناوين الجامعة بينهما. وقد توقّف البيان بشكل خاص عند ادّعاء مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية على رئيس حزب “القوات” في أحداث الطيونة، باعتباره خطوة تسيء الى القضاء اللبناني كسلطة تعنى بحماية مقتضيات السلم الأهلي، محذّراً من الإمعان في السياسات العشوائية، من منطلق الدفاع عن الحقّ والعدالة. وهنا تفصل المصادر ما بين التباينات السياسية مع “التيار الأزرق” والمقاربات العملانية الكبرى في تشخيص مسبّبات الأزمة اللبنانية المرتبطة بالسيطرة الكاملة لمحور “الممانعة” على البلاد. وهذا ما أكّده الرئيس سعد الحريري بوضوح خلال تعداده أسباب العزوف الانتخابي وتعليق المشاركة في الحياة السياسية. وينحصر استمرار مناخ التباين السياسي بين المكونين بمجموعة نقاط لم تعالج، بعد فصول عدّة من الاختلافات التكتيّة التي طرأت على العلاقة السياسية تحت عناوين مختلفة. وتحتاج المعالجة ظروفاً معيّنة لمقاربتها ومعالجتها، فيما يبدو التوقيت غير مناسب حالياً.

ولا تقتصر أهمية إعادة ربط الأواصر السياسية المشتركة على العلاقة الثنائية بين “القوات” و”المستقبل” فحسب، وفق التشخيص “القواتيّ”، بل تشمل كلّ القوى والأحزاب السيادية التي كانت مجتمعة تحت مظلة قوى 14 آذار، والتي لا يمكن تصنيفها في خانة الموحّدة راهناً. ويُعتبر “حزب الله” وحده مستفيداً من تموضعات مشتتة بين المكونات السيادية، في وقت تنتفي القدرة على المواجهة من مربعات فردية في مقابل فريق مسلّح. ولا بدّ من تكثيف المساعي الهادفة الى استعادة صورة لمّ الشمل الكامل، كهدف “قواتي” أساسي، بمعزل عن الانتخابات؛ من طريق العبور إلى رؤية واحدة تساهم في ترجمة التشخيص المشترك لجهة العمل على فكّ سيطرة محور “الممانعة” على القرار اللبناني. وتنطلق الخطوة الأولى في هذا السبيل من العمل على تفعيل نقاش حواريّ بين المكوّنات المتلاقية في الاستراتيجيا المناهضة لمحور “حزب الله”، لئلّا يبقى لبنان في حالة انهيارية كارثية على امتداد أربع سنوات مقبلة. وتدقّ مصادر “القوات” ناقوس الانذار المحذّر من استمرار الوضع المأسوي، في حال لم تأتِ نتائج استحقاق الانتخابات بنتائج تغييرية، بما سيعيد السيناريو السابق نفسه لناحية حصول فريق “الممانعة” على أكثر من نصف مقاعد المجلس النيابي وتكليف حكومات بالطريقة التقليدية السابقة. وتشير إلى تحدٍّ أساسي متمثل في منع الوصول الى أيّ فراغ في موقع الرئاسة الأولى، وانتخاب رئيس للجمهورية متمسّك بالشرعية الدولية.

ومن جهتها، تدعم مصادر سياسية تدور تاريخياً في فلك تيار “المستقبل” التوجّه إلى تبني خيارات سياديّة مشتركة هادفة، في مواجهة هجوم مشروع “حزب الله” على مفاصل الدولة في مرحلة ما بعد الانتخابات. ومن هنا، انبثقت فكرة مشاركة عدد الوجوه المحسوبة تاريخياً على مدرسة “المستقبل” في الاستحقاق بما شمل مجموعة من النواب المناطقيين والقياديين السابقين البارزين. وتستقرئ ضرورة الانتقال الى توحيد الجهود النيابية في مرحلة ما بعد الانتخابات، بحيث سيشكّل هذا البند منطلقاً أساسيّاّ على جدول الأعمال تحت عنوان “الخيارات السياديّة المشتركة” التي انبثقت أرضيتها انطلاقاً من مبادئ “انتفاضة الاستقلال” عام 2005.
ويبدو هذا العنوان مطمئناً بالنسبة لجميع الذين يراهنون على ما يمكن أن تعكسه مرحلة ما بعد الانتخابات، حتى وإن اكتفت القوى السيادية بالحصول على أقلية وازنة. ويبرز عنوان رئيسيّ قائم على منع وصول الفريق “الممانع” إلى حيازة أكثرية الثلثين في المجلس النيابي المقبل. وفي وقت لا تبدو “الصورة الانتخابية” مشتركة في عدد من الدوائر الأساسية بين قوى سنية و”القوات”، في ظلّ نوع من الانفصال على مستوى اللوائح، ثمّة من يرجع ذلك إلى سببين رئيسيين: الحسابات الانتخابية المختلفة وسط ظروف القانون الانتخابيّ ومتطلباته، التي قد تفرض خوض الانتخابات من خلال لوائح عدّة بدلاً من توحيدها. ولا يلغي ذلك واقع معارضة مفاتيح سنية مناطقية مقرّبة تاريخياً من “المستقبل” تشكيل لوائح تحالفية مع مرشحين “قواتيين”. وهناك من يعقّب أنّ تجارب التباينات التكتية بين القوى السيادية، قد أثبتت أنّها لا تفيد سوى محور “حزب الله” الذي يعمل في المقابل على تجاوز المسائل الخلافية القائمة بين حلفائه وترتيب الشؤون الانتخابية لاستعادة العدد الممكن من النواب.