هذه حقيقة ما فعله عون في الفاتيكان

عماد مرمل – الجمهورية

عاد رئيس الجمهورية ميشال عون من زيارته الأخيرة للفاتيكان، ترافقه «حمولة زائدة» من التأويلات والاستنتاجات التي بَدت في كثير منها مُغايرة لحقيقة ما جرى في الإجتماعات بينه وبين المسؤولين في الكرسي الرسولي.




على الرغم من انّ الفاتيكان هو خارج الاصطفافات الدولية التقليدية، وموقعه يكتسب بعداً روحياً ووجدانياً بالدرجة الأولى، إلّا انّ ذلك لم يكن كافياً لتمرّ زيارة عون في سلام، بل هي فتحت شهية كثيرين على «القيل والقال»، في الذهاب والإياب، انطلاقاً من أحكام مسبقة في غالب الأحيان، كما يؤكّد مواكبون للرحلة الرئاسية.

أساساً، إنّ مبدأ توجّه عون الى الفاتيكان في هذا التوقيت بَدا وكأنّه استفزّ او أزعج البعض، حتى قبل أن يغادر بيروت، انطلاقاً من افتراض أنّ رئيس الجمهورية يريد ان يحصل على «بركة» أو «صَك براءة» لسياساته وخياراته من قداسة البابا، في مواجهة خصومه المسيحيين تحديداً، بل هناك مَن وضع رحلته الى روما في سياق التشويش على طروحات البطريرك الماروني بشارة الراعي وسرد رواية مضادة لتلك التي يُسمعها سيّد بكركي لدوائر الفاتيكان حول أسباب الأزمة الحالية في لبنان وحيثياتها.

وقد أتت مقابلة عون مع صحيفة «la republica» الإيطالية لكي تزود خصومه في الداخل بمزيد من الذخيرة السياسية للتصويب عليه، خصوصاً انّه اعتبر انّ مقاومة الاحتلال ليست ارهاباً، وانّ «حزب الله» الذي حرّر الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي لا يستخدم سلاحه للتأثير على الواقع الأمني الداخلي للبنانيين. كان هذا الكلام كافياً ليبادر معارضو رئيس الجمهورية إلى اتهامه بتوظيف رحلته لتلميع صورة «حزب الله» والدفاع عنه في عاصمة الكنيسة الكاثوليكية.

لكن، يلفت مواكبو عون في سفرته الفاتيكانية، الى انّ موقف رئيس الجمهورية حيال الحزب ليس جديداً، وهو يمثل اقتناعاته التي يعكسها عموماً في أدبياته السياسية وإطلالاته الإعلامية، قبل وبعد تولّيه رئاسة الجمهورية. وبالتالي، فهو منسجم مع نفسه، «وما صدر عنه لا يرتبط حصراً بزيارة الى الفاتيكان او بمقابلة على هامشها مع صحيفة إيطالية، إذ كان يمكن أن يُدلي بما أدلى به في مكان آخر وفي مقابلة مع صحيفة أخرى».

ولا يُخفي المطلعون على مجريات لقاءات عون في روما دهشتهم للسيناريوات الخيالية التي واكبتها وتلتها، مشيرين الى انّ اصحابها بدوا وكأنّهم كانوا مشاركين في اجتماع عون مع البابا، والذي لم يحضره احد سواهما «الّا اذا كان هؤلاء قد اختبأوا في مكان ما داخل الغرفة واسترقوا السمع الى ما دار بين الرجلين».

ووفق أحد القريبين من عون، فإنّ الانتخابات النيابية بحساباتها ومزايداتها هي التي تقف خلف الحملة على زيارته لروما، والمبالغات في تفسير دلالاتها السياسية.

ويوضح المطلعون على كواليس اجتماعات روما، انّ لقاء عون والوفد اللبناني الرسمي مع رئيس الحكومة ووزير الخارجية الفاتيكانيين لم يُناقش مسألة «حزب الله» وإنما تركّز على أمور أخرى، مثل ملف النازحين السوريين، حيث تمنّى عون على مضيفيه مساعدة لبنان في معالجة هذا الملف، لافتاً الى انّ «غالبية هؤلاء لم تعد تنطبق عليهم معايير اللجوء الإنساني، إذ أنّ نحو مليون من اصل مليون ونصف مليون منهم يزورون سوريا ويعودون منها في استمرار، وبدل دفع المال لهم ليبقوا في لبنان يجب دفعه لهم ليعودوا الى سوريا ويبقوا فيها».

كذلك، جرى خلال المداولات طرح تحدّي الأمن الغذائي الذي يواجه لبنان حالياً تحت وطأة تداعيات الحرب الروسية ـ الاوكرانية، وضرورة تحصينه تحسّباً لكل الاحتمالات. كذلك تمّ البحث في الوضع الاقليمي ووجوب إيجاد حل للقضية الفلسطينية.

اما في خصوص زيارة البابا المفترضة الى لبنان، فقد أبلغ البابا فرنسيس الى عون انّه يخطّط لجولة في المنطقة، آملاً في أن يكون لبنان جزءاً منها، «ولكن ليس لديّ الوقت حالياً لإتمام هذه الزيارة».

اما الإشارة الوحيدة التي يمكن أن يكون «حزب الله» هو المقصود بها ضمناً، فقد أطلقها وزير الخارجية الفاتيكاني بول غالاغير، الذي شدّد على وجوب ان يتحاور اللبنانيون في ما بينهم، موحياً وفق تفسير بعض أعضاء الوفد اللبناني بأنّ هناك ضرورة لحوار بين «حزب الله» ومعارضيه.

وتوضح إحدى الشخصيات اللبنانية المُلمّة بقواعد النهج الفاتيكاني، انّ الدعوة إلى الحوار هي من ثوابت الكرسي الرسولي الذي لديه اقتناع ثابت بأنّ كل القضايا الخلافية يجب أن تُحلّ من خلال التحاور.

وتروي الشخصية إيّاها واقعة تختصر، في رأيها، مقاربة الفاتيكان للواقع اللبناني، مشيرة الى انّها التقت قبل سنوات أحد مسؤوليه الذي شرح أمامها كيف أّن «هناك نحو ملياري مسيحي ومليار ونصف مليار مسلم في العالم يعيشون بعضهم مع بعض بتوتر، وانّ المسيحيين الموجودين في الدول التي تضمّ أكثرية إسلامية لا يشعرون بأنّهم مساوون لها، وهذا هو أيضاً شعور المسلمين في الدول التي تضمّ أكثرية مسيحية… فقط في لبنان يتساوى المسلم والمسيحي، وإذا سقطت هذه التجربة، لك ان تتخيّل ما الذي يمكن أن يحصل في العالم المتوتر أصلاً».

هذه المعادلة التي شرحها المسؤول الفاتيكاني لضيفه اللبناني تختصر، وفق ناقلها، كل القصة من دون زيادة ولا نقصان.