المصالح الانتخابية تعرقل مساعي إخراج لبنان من أزمته

تعرقل المصالح الانتخابية للفرقاء السياسيين المشكلين للحكومة اللبنانية جهود رئيس الوزراء نجيب ميقاتي لإخراج لبنان من أزماته، والذي طالب الثلاثاء بتحويل جلسة البرلمان إلى جلسة تصويت بالثقة على حكومته وهو ما رفضه رئيس المجلس نبيه بري.

وكان طلب ميقاتي مفاجئا وصادما في نفس الوقت من حيث توقيته، إذ أن حجب الثقة عن الحكومة أو استقالة رئيس وزرائها يعني بالضرورة تأجيل انتخابات مايو القادم، وهو سيناريو تعمل أطراف سياسية عليه منذ فترة خشية فقدانها لوزنها البرلماني وبالتالي تأثيرها على العمل الحكومي.




وقال ميقاتي في تصريحات بثها التلفزيون خارج جلسة للبرلمان إن “المصالح الانتخابية لبعض الأطراف تضر محاولات الحكومة إخراج لبنان من أسوأ أزمة يشهدها منذ الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990”.

وأضاف “كفى تغليبا للمصالح الشخصية على المصالح الوطنية، لأن الوطن هو من يدفع الثمن”.

حكومة ميقاتي لم تتمكن من الاتفاق على إصلاحات طلبها صندوق النقد الدولي للحصول على خطة إنقاذ للخروج من الأزمة

ولم تتمكن حكومة ميقاتي من الاتفاق على إجراءات مالية وإصلاحات طلبها مانحون غربيون وصندوق النقد الدولي، حيث يسعى لبنان للحصول على خطة إنقاذ من الصندوق تساعده على تجاوز الأزمة التي يمرّ بها.

وفي وقت سابق من هذا الشهر قال ميقاتي، وهو ملياردير تولى رئاسة الوزراء ثلاث مرات، إنه لن يترشح لعضوية مجلس النواب الذي يضم 128 عضوا، قائلا إنه يريد إتاحة الفرصة للوجوه الجديدة.

واستبعد ميقاتي في نفس الوقت، تقديم استقالته من منصبه قائلا “سأبقى في منصبي لتجنب إعطاء أي مبرر لتعطيل الانتخابات النيابية”. وأوضح أنه “يتعرض لانتقادات من بعض المسؤولين لحكومته” لكنه لم يوضح.

ومنذ أكثر من سنتين يعاني لبنان أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه، صنفها البنك الدولي واحدة من بين أسوأ 3 أزمات اقتصادية في العالم، أدت إلى انهيار مالي وارتفاع في معدلات الفقر والبطالة والجرائم.

وتقول دوائر سياسية إن اجتماعات مجلس الوزراء لمعالجة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، تغلب عليها المصالح الانتخابية من حيث إقرار الخطوات التي يطالب بها صندوق النقد الدولي والدول الغربية المانحة لمساعدة لبنان.

وينظر كل طرف إلى كل قرار مطروح للمناقشة بمنطق الربح والخسارة الانتخابية، إذ أن عددا من القوانين المهمة والملحة للإصلاح الاقتصادي قد تحسب على طرف سياسي دون غيره ما يمكنه من توظيف ذلك انتخابيا.

ويحمل اللبنانيون الطبقة الحاكمة الحالية بمختلف أطيافها السياسية مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع وينشدون التغيير خلال الانتخابات البرلمانية المزمع عقدها في الخامس عشر من مايو القادم، إلا أن محللين يجمعون على أن التغيير المنشود غير ممكن في ظل التوازنات الراهنة وشبكة المصالح التي تجمع الطبقة الحاكمة.

ورغم تأكيد الفرقاء السياسيين على ضرورة عقد الانتخابات في موعدها المقرر سلفا، إلا أن بعضهم يسعى من خلف الستار إلى تأجيلها خشية فقدان أو تقلص مقاعده النيابية ما يحجم نفوذه داخل الحكومة القادمة.

ويقود التيار الوطني الحرّ، الذي أسسه الرئيس اللبناني ميشال عون، هذه الجهود بعد تراجع شعبيته داخل بيئته المسيحية لفائدة حزب القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، والذي ينتظر أن يحقق مكاسب على حساب التيار.

اجتماعات مجلس الوزراء لمعالجة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، تغلب عليها المصالح الانتخابية

ويؤكد مراقبون أنّ التيار الوطني الحر ليس في أفضل أحواله الانتخابيّة، وهو ما يعزوه البعض إلى واقع “العهد” ككلّ، الذي كان يؤمَل منه أفضل ممّا كان، وهو ما أصاب العونيّين قبل غيرهم بالإحباط والخيبة.

وتشارف ولاية عون على النهاية دون أي إنجاز يذكر، فيما تحوم حول صهره رئيس التيار جبران باسيل تهم بالفساد ما دفع الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات عليه.

ويحمل الناخبون المسيحيون العهد جزءا من مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية في البلاد، بسبب خارطة تحالفاته التي أضرت بقاعدته الشعبية ودفعت الكثير منهم إلى البحث عن خيارات بديلة لدى خصمه الانتخابي التقليدي حزب القوات اللبنانية.

ويدرك التيار الوطني الحرّ منذ فترة تراجع شعبيته وعدم قدرته على المحافظة على مقاعده النيابية في الانتخابات القادمة. وانطلاقا من هذا المعطى يقود الحزب مساعي لتأجيل الانتخابات القادمة، ما يسمح له بإعادة ترتيب أوراقه وتحالفاته.

ويقول خصوم التيار إنّ الأخير لا يجد مصلحة على الإطلاق في خوض الانتخابات النيابية في الظروف الحالية، بل إنّه يعمل بكلّ ما أوتي من قوة لتأجيل الاستحقاق إلى موعد لاحق، ولاسيما أنّ امتداده الشعبيّ متراجع، بحسب ما ترجّح الكثير من الدراسات واستطلاعات الرأي، ربطا بالأزمات التي شهدتها البلاد في الأشهر الأخيرة والتي حُمّل التيار مسؤولية أساسيّة عن خطّها.

ويقول ميخائيل عوض المحلل السياسي اللبناني إن “لبنان معتاد على التأجيل، وإن الطبقة السياسية تستطيع أن تجد الكثير من الذرائع لها من أجل تأجيل الانتخابات في البلاد”.

واعتبر عوض أن إلغاء الانتخابات البلدية في لبنان يمهّد لتأجيل الانتخابات النيابية إذا ما تم ترجيح خيار اللاانتخابات لتصير البدائل: إما تمديد مزدوج للرئيس عون والمجلس النيابي، وإما تغدو البلاد بلا مؤسسة نيابية وتنفتح على حلول من نوعية أخرى.




العرب