سمير عطا الله

عن الماو ماو – سمير عطالله – النهار

ماذا فعلت بالوردة، ماذا صنعت بالذهب”
أنسي الحاج

لطالما كنتُ عاشقاً للسينما، ولا أزال. ولو كنت أملك الوقت لازددتُ عشقاً، كما تمنّى نزار قباني. قبل التلفزيون والفيديو والمتفرعات، كنا نذهب الى دور السينما لمشاهدة اي فيلم من اي نوع: من الكاوبوي الى افلام “الموجة الجديدة” كما عُرفت آنذاك برموزها الكبار، مثل “آلان رينه” و”فرنسوا تروفو” و”كلود لولوش”. كما سحرتنا السينما الايطالية بالأسود والأبيض وكتفيّ صوفيا لورين العاريتين، وعينيّ مونيكا فيتي الحادّتَين، وعندما توفيت شقراء فيلليني.




هذه قبل اسابيع، وفَّر لها الزميل هوفيك حبشيان في “النهار” رثاءً ممتازاً، أنا واثق من أنني كنت قارئه الوحيد. سنة بعد أخرى يثبت الارمني المتضلّع من اللغة ومن تاريخ الفن السابع على السواء، مرتبته العالية في النقد السينمائي.

هناك نوع واحد من الافلام لم اتحرك مرة لمشاهدته لا ايام السينما ولا ايام التلفزيون ولا ايام الريموت كونترول أو الاسود والأبيض أو التكنيكولور، أو “البُعد الثالث”، وهو افلام الرعب. لا ناقتي ولا جملي ولا احبها ويحب ناقتها بعيري. فقد كنت اشعر ان العالم الحقيقي مليء كفايةً بالرعب والارهاب والغضب والجريمة، بحيث لا يعود بنا حاجة الى فرنكشتاين وشركاه وابناء عم.

الاستثناء هو عندما يكون الرعب مشهداً الزامياً في صحيفتك واخبارك القضائية. تجنبت قراءة مجزرة انصار في اليوم الأول والثاني والثالث. إلا ان اربع سيدات وبنات يضحكن للكاميرا، ظلت تبرز امامي كل يوم، وبقيت اقاوم هذا الاغراء الوحشي الى ان قرأت صباح السبت مقال الزميلة ديانا سكيني عن القضية، فإذا الرعب ليس في اغتيال أمّ وبناتها الثلاث وإنما في تخلّف القضاء العاجل عن اكتشاف جثث الضحايا وما رُدم فوقها من اسمنت وحجارة وحقارة.

تردَّدتْ كثيراً كلمة “القضاء العاجل”، أو في الصيغة النحوية الجديدة، “قضاء العجلة”، منذ انفجار المرفأ، إذ كانت الصحف تذكر كل يوم ان موضوع العنبر 12 كان يُحال من قاضي عجلة الى آخر، بالسرعة الإملائية، من دون ان تصل الإحالة الى اي مكان، حتى لحظة الانفجار والقتل الجماعي والموت المجاني.

تبين من معالجة المجزرة العائلية في انصار ان القضاء منهمك بأمور كثيرة. فهو لم يُصدر الحكم في مقتل رولا يعقوب ضرباً على يد زوجها، وأمام اطفالها، إلا بعد 9 سنين. ولا يزال القضاء يتابع ما حدث للانهيار المالي الذي لا سابقة له، في حين ان المتهم الأول، أي حاكم المصرف المركزي، لا يزال يدير من خلف مكتبه، السياسة المالية، والقرار المالي، والصرف المالي، وسائر الشؤون الجنائزية في موكب النقد.

أنا أدّعي العلم في امور كثيرة مثل ان الشمس تُشرق من الشرق، وان النهار يقصر في الشتاء، وان الانسان يسأم إذا ما بلغ الثمانين ولا أباً له مثل زهير ابن ابي سلمى. لكنني حتى هذه اللحظة لم استطع ان افهم شيئاً من الصراع الدائر بين القضاء والحاكم بأمره. أو كيف يسمح القضاء لنفسه بالتشهير بالمؤسسة النقدية الوطنية ويبقى المسؤول عنها في منصبه. وإذا كان لا شأن لنا بما وجّه إلى رياض سلامة من تُهم في الخارج وما بُرّىء منها، فماذا عما هو معلن في بلدكم العزيز يوم قام بتصحيح اوضاع بضعة بنوك بأن صرف لها نحو مليار دولار، دعماً للاقتصاد والوضع المصرفي، تاركاً البلد نفسه مفلساً مع فقرائه وبسطائه وطبقته المتوسطة.

إننا مُرغمون على مشاهدة فيلم الرعب هذا يوماً بعد آخر مهما رفضنا قبول هذه الدعوة الكريمة: يحدث كل ذلك فيما يسعى قصر بعبدا رسمياً الى التمديد لمدير امن الدولة قبل عامين من نهاية خدمته الفعلية بحيث يبقى في منصبه بصفته المدنية في ما بعد. ولا اعتقد ان الناس العاديين امثالنا يعرفون الاسباب الموجبة التي تدعو الى استباق المواعيد الرسمية، لكن لا بد انها موجودة وكافية لتعليل مثل هذه الخطوة غير المسبوقة. المشكلة ان هذه السابقة تُسجل فيما يبلغ فيلم الرعب اللبناني ذروته، في الجريمة الفردية أو الجماعية التي لا تعثر لنفسها على حل. طبعاً أمن الدولة لا يعني أمن البلاد برمَّتها. ولا بد من اعطائه فرصة الشك. لكن لا بد من ان يكون احد ما في هذه الجمهورية مسؤولاً عن شيء مثل انفجار المرفأ، أو مجزرة أنصار، أو إعدام الليرة، او احتيال المصارف، او العتم الحالك، الدامس، المقيت، المقزز، المقرف، القاتم الوحشي. المواطن اللبناني منذ اكثر من عشر سنين لا يزال حتى الآن، لا يعرف كيف طردنا من بيروت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل، إحدى سيدات التاريخ، هي وعروضها، تلبية لأوامر ورغبة وزيرنا ونائبنا ومرشحنا، القيصر الذي لا وزير إلا هو. إلّاه. ولم يُترك لهذا الشعب اللبناني، منذ اكثر من عشر سنين، سوى ان يصغي الى القيصر وهو يشرح له – للشعب اللبناني – فلسفة العتم والظلام ودفن الطاقة تحت مقبرة علوّها 60 مليار دولار.

إذا تأملنا هذا المشهد، جيداً، أو على “عجلة”، يبدو لنا ان القانون في حالة مثيرة للشفقة. أما الدستور فلم يعد احد يذكره، أو يتذكره، لكثرة ما جرى تمطيطه، ومن باب الشفقة ايضاً أحيل على لجنة الأكاليل وارشيف الانجازات والمعجزات. ألا يخطر للقضاء المتعجّل ان يُسائل يوماً اولئك الذين طردوا انغيلا ميركل من لبنان؟ أو الذين طردوا نحو نصف مليون لبناني على الأقل؟ ألا يخطر لدائرة الإحصاء والاستفتاء ان تطرح على الشعب اللبناني بكل طوائفه وفروعه ومشتقاته وملحقاته، استفتاءً من سؤال واحد: مَن منكم يريد البقاء هنا؟

لم يكن دقيقاً، للأسف، ان تتخذ القاضية #غادة عون بلاد الماو ماو مقياساً في الدفاع عن قضائها في وجه #مارسيل غانم. فالما ماو اولاً كانت ثورة وطنية بقيادة جومو كينياثا من اجل استقلال كينيا، احد اجمل بلاد الأرض. ولمّا استقلت العام 1964، تخلّت عن الاسم الثوري ودخلت صفوف الدول والأمم والتجمعات التحررية السائدة في ذلك الوقت. ويؤسفني في هذه المناسبة ان “ابلّغ” قاضية الاقتحامات المعجّلة والمكررة، انني من الذين حضروا احتفالات الاستقلال الجميل في العاصمة نيروبي، وايضاً من الذين تشرّفوا بمصافحة كينياثا بعد القائه خطاب الحرية في حديقة دارة بسيطة هي دارة الحكم. ولذا يأخذ على خاطري، كما نقول في القرى، ان تصل القاضية في مطارداتها للمخالفين الى شرق افريقيا والى البلد الذي حلمت بالهجرة اليه ذات يوم، في ما حلمت من هجرات كان اساسها الوحيد، الهرب من بلد يرفض ان يستقل، ويعجزعن التساوي مع حركة الماو ماو في سبيل السيادة والحرية. كان الهدف من تسمية الماو ماو انزال الرعب في قلب المستعمر، او الرجل الأبيض. أما الهدف الأعلى فكان الوصول الى سلام دائم بين دول مستقلة ودولة تعرف في نهاية المطاف ان الحرية للجميع، وكذلك السيادة، وليست لفريق دون آخر. ولم تكن الماو ماو سوى تجربة اولية اوصلها الى الذروة الوجدانية الافريقي الآخر نلسون مانديلا، الذي حلّق بجناحين ملائكيين فوق حقارات الثأر والحقد والضغينة، وتقدم جميع العمالقة التاريخيين في اصعب قرار على زعيم بشري ومجموعته البشرية، وهو الغفران، الذي يعتبره المسلمون احد اسماء الله الحسنى الى جانب اسمائه الأخرى كالرحيم والكريم، وكل ما ينقص كرنفال الثأر المشتعل بين رمزين تحت اسم واحد: أنصار كرمز للمقاومة، وأنصار كمسرح لأقبح حالات الجريمة والقتل.

الرعب الاكبر لم يكن في الجريمة نفسها. كان في الدفاع عن القاتل والقتل والشماتة من أمّ وبناتها الثلاث. كان في محاولة لفلفة المجزرة وترك القاتل يتناول العشاء قرب المقبرة العاجلة. الرعب الاكبر كان في موقف الناس الذين اعتبروا ان المسألة لا تستحق كل هذا الاهتمام. أليست المرأة مطلّقة في نهاية المطاف وبناتها مدنيات؟

يصرّ لبنان المتغير ان يرغمنا على مشاهدة سينما الرعب ومسرح الجريمة. “الماو ماو” هنا، وترجمتها الحرفية “دعهم يرتعبون”. ليست سياسية بل اهلية ايضاً. مجرم انصار قتل ضحاياه في العنق وفي الوجه، وابناء رولا طعمه وأمها انتظروا قضاء العجلة تسع سنين كي يقرر ان رولا قضت ضرباً وهوت تحت همجية الوحش الذي عوَّده مجتمعه ان الزوجة للضرب دائماً، وللقتل عند الحاجة.

هذا القضاء يلاحق في اقل من اسبوع، ليس مارسيل غانم فقط، بل محاميه ايضاً. وأمن الدولة يتأمل 200 قتيل و6000 جريح و300 ألف مشرّد في ميناء بيروت وتكون نتيجة التأمل، المسارعة الى البحث عن وسيلة للتمديد لمديره الى الأبد. تتأسف القاضية غادة عون في شكواها من مارسيل غانم على “بيروت أمّ الشرائع”. وقد كان ذلك في الحقبة الرومانية. أما في هذه الحقبة فقد صرح احد وزراء الثقافة بدفن معهد القانون تحت المباني المجزية، ورفض الاصغاء الى جميع الوزراء الذين شغلوا هذه الوزارة، بردّ القرار الهمجي الفاضح والمخزي لتاريخ لبنان القانوني وأم الشرائع. اين كان قضاء العجلة وهو يرى معه القانون الواقع على مسافة 500 متر من مرفأ بيروت، يُطمر في سبيل رخصة بناء؟

من حق قاضية القضاة ان تدافع عن نفسها، تماماً كما يحق لمارسيل غانم الدفاع عن نفسه. لكن المسألة كيف يدافع بلد الشرائع عن نفسه عندما يرى أنه في المرتبة 151 على مؤشر حكم القانون، بينما بلاد الماو ماو في المرتبة 130؟ وتحية خاصة الى مايكرونيزيا (المرتبة 81) التي رشّح لبنان سفيرتها لمنصب مدير اليونيسكو بدلاً من غسان سلامة احد ابرز الوجوه الثقافية في العالم!

حقبة العدل والعدالة والمساواة، وبضهرها جميعاً “الثقافة”، المشكلة ان تتحقق هذه بالكسر والخلع وسواعد أمن الدولة، وأن يتطلع اللبناني في احواله فيرى جميع وزراء العتم مرشحين لانتخابات الأمة. ووزيراته ايضاً. المشكلة يا مولاتي انك على حق. استحت بلاد الماو ماو.