السنيورة يواجه حزب الله والأحباش يحشدون مرشحيهم.. خريطة المشهد الانتخابي للسنة في لبنان

مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات البرلمانية اللبنانية يبقى الشغل الشاغل للقوى السياسية اللبنانية إجراء حسابات دقيقة تتعلق بالجهة التي ستحصل على أكثرية المقاعد داخل البرلمان، وإذا ما ستبقى الأغلبية في متناول يد “حزب الله” في ظل الحديث عن اقتراب توقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى، لكن وجود السنة يظل واحداً من أبرز الاستفهامات في المشهد الحاصل.

من مجمل 1043 مرشحاً تصدر السُّنة أكثر من ثلث المرشحين، وهم الذين يتنافسون على 27 مقعداً سنياً موزعة على 9 دوائر. وقد تم تسجيل 311 ترشيحاً سنياً، أي ما نسبته 11.5 مرشح لكل مقعد سني، وهو الرقم الأعلى بين كل الطوائف، في حين بلغ المعدل العام 8.2 مرشحين لكل مقعد.




احتلت بيروت المركز الأول على صعيد الترشيحات السنية بـ69 مرشحاً لستة مقاعد، تليها طرابلس بـ62 مرشحاً لخمسة مقاعد، ثم عكار بـ43 مرشحاً لثلاثة مقاعد. هذا من ناحية العدد، أما من ناحية معدل عدد المرشحين لكل مقعد، فتأتي زحلة أولاً بـ22 مرشحاً لمقعد وحيد.

الارتباك السني

يعتقد الصحفي اللبناني سامر زريق أن الترشيحات السنية ليست كلها على قدم المساواة، فثمة مَن ترشح من أجل المنافسة الفعلية على أحد المقاعد، وهناك مَن ترشح بهدف الاستعراض، أو للتسويق لنفسه، أو ليعود فينسحب لاحقاً مقابل شيء مادي.

لكن بمعزل عن هذه العوامل، يرى زريق أن هناك مَن يرى في كثرة الترشيحات دليل عافية، وانعكاساً لحيوية الساحة السنية، وقدرتها على ضخ دماء سياسية جديدة، لا سيما بعد انتفاضة “17 تشرين”. بيد أن ذلك يُجافي الواقع، فعلى الرغم من كثرة المرشحين فإنه لا وجود لأي مشروع سياسي سُني حقيقي، إنما هناك أفكار ورؤى يتسم معظمها بالشطط.

حتى المرشحين السُّنة المصنفون ضمن خانة حلفاء حزب الله يعانون ارتباكاً أيضاً، فهؤلاء ليسوا صفاً واحداً متماسكاً، إذ هناك الحلفاء الذين يتمتعون بحيثية شعبية في مناطقهم، وهنالك التابعون للحزب بشكل كامل، وبين الاثنين هُوة تُصعّب من اجتماعهما في لوائح موحدة، كما هو الحال في دائرة الشمال الثانية.

حركة السنيورة في مواجهة الحزب

يسعى رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة جاهداً لسد الفراغ الذي تركه زعيم تيار المستقبل سعد الحريري باعتزاله الساحة السنية وترك طائفة بأكملها لمصيرها تواجه الاستحقاق النيابي بتشتتٍ وضياع، في ظل تموضع القيادات السنية الأخرى داخل مناطقها الانتخابية فقط أو متحالفة مع حزب الله والنظام السوري.

ويعتقد مراقبون أن اعتزال الحريري في لحظة مصيرية يفتح الباب أمام كافة الاحتمالات التي تؤدي الى مزيدٍ من التشتت داخل الشارع السني، في وقت تحتاج الأزمة الحالية إلى رصِّ الصفوف وبناء التحالفات وإيصال ممثلين من السنة إلى البرلمان، ويسعى الرئيس السنيورة إلى سد الفراغ ما أمكن لرأب الشرخ الذي تركه الرئيس الحريري، لكنه لا يزال يصطدم بمحاولات الحريري عرقلة جهوده عبر قيادات من تيار المستقبل، وتشير المصادر إلى أن الرجل لا يزال يعقد الاجتماعات مع مختلف المكونات السنية لإعادة إحياء تحالفات سابقة مع شخصيات مستقلة أو أحزاب مثل التقدمي الاشتراكي أو القوات اللبنانية.

بالمقابل تشير مصادر مقربة من رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة لـ”عربي بوست”، إلى أن السنيورة يعمل على خط دعم لائحة بيروتية، ويسانده في هذا الرأي العديد من الوجوه السنية، ومنها على سبيل المثال: عمار حوري، خالد قباني، رشيد درباس ورئيس اتحاد العائلات البيروتية محمد عفيف يموت.

وعلم أنه يتم تأليف لائحة تضم إلى الآن: خالد قباني، ماجد دمشقية، لينا التنير لقاء سيدة الجبل، بشير عيتاني، فيصل الصايغ عن الحزب “التقدمي الاشتراكي”، وعن المقعد الأرثوذكسي ميشال فلاح، والصحافي أحمد عياش عن أحد المقعدين الشيعيين.

وتؤكد المصادر أن اللائحة التي عمل فؤاد السنيورة على تأليفها بالتشاور مع الرئيسين نجيب ميقاتي وتمام سلام، كي تخوض السباق الانتخابي في دائرة بيروت الثانية ذات الثقل الوازن لتمثيل الطائفة السنية في المقاعد الستة المخصصة لها في هذه الدائرة. وبعد مناقشة مستفيضة للاسم الذي سيُطلَق على اللائحة التي تضم 11 عضواً، استقر الرأي على أن يكون “بيروت تواجه”.

فيما جهود السنيورة مستمرة في البقاع وصيدا وطرابلس لتشكيل لوائح انتخابية بالتحالف مع وجوه مناوئة لحزب الله، وهو يحظى وفقاً لمصادر بمباركة سعودية ودعم مصري وقطري وكويتي، وتشير المصادر إلى أن السعوديين طلبوا من أبوظبي التي تحتضن الحريري الضغط عليه لوقف عرقلة جهود السنيورة، وتؤكد المصادر أن الحريري في الأيام المنصرمة، وبعد ضغط خليجي، أوفد إلى السنيورة مستشاريه الوزير السابق غطاس خوري وهاني حمود للبحث في التطورات الانتخابية في العاصمة، فنقلا للسنيورة رسالة مفادها أن الحريري ليس لديه موقف من خطواته، وليس مسؤولاً عن الحملات الإعلامية التي يشنها بعض قياديي تيار المستقبل، كما أكد له أنه لا يدعم تشكيل أي لوائح في مواجهته. لكن هذا الموقف الذي تلقاه السنيورة من الحريري لم يترجم، بل جرى عكسه عبر تأليف لائحة هاشمية التي يقودها بدر.

ميقاتي يشكل لائحة لا تضمّه

في إطار متصل تشير مصادر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لـ”عربي بوست” أن الرجل في اللحظات الأخيرة لتشكيل لائحته في كبرى المدن السنية “طرابلس” شمالي البلاد، ويؤكد المصدر أن ميقاتي لن يضم في لائحته شخصيات مستقيلة من تيار المستقبل، بسبب التحريض الذي يشنه فريق الحريري على الخارجين من عباءته، ووفقاً للمعطيات فإن هذه اللائحة تضم شخصيات مقربة من كل الطوائف، وهي تسعى لتحصيل 4 مقاعد في طرابلس، ويُفترض استكمالها خلال الساعات المقبلة قبل الإعلان عنها على نحو رسمي، بالمقابل فإن ميقاتي يدعم بشكل غير مباشر جهود رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة في مناطق أخرى.

الأحباش يخترقون حصة الحريري

تعتبر جماعة الأحباش أو جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية إحدى الفرق الدينية التي تثير لغط داخل الشارع السني اللبناني بكونها لا تزال منذ تأسيسها مرتبطة بالنظام السوري وحزب الله، والأحباش ممثلين اليوم بنائب يتيم في البرلمان، وهو عدنان طرابلسي نجح على لائحة حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر في عام 2018، والأحباش جزء من كتلة أسسها حزب الله لنوابه السنة أطلق عليها اسم “اللقاء التشاوري السني” مع رموز سنية مرتبطة بحزب الله والنظام السوري، على رأسهم الوزير فيصل كرامي.

وجمعية المشاريع، من جهتها، تخوض الانتخابات في مدينة طرابلس بالتحالف مع لائحة النائبين المحسوبين على الحزب، فيصل كرامي وجهاد الصمد تحت شعار “استعادة الحق”، وتشير المعلومات إلى أن “المشاريع” يخوضون الانتخابات في العاصمة بيروت بلائحة دون التحالف مع أحد، وهما عدنان طرابلسي وأحمد الدباغ مع بعض الشخصيات المستقلة، ويعتقد مطلعون أن هذا التكتيك يجري بسبب حساسية القانون الانتخابي ولضمان تحقيق خرقين بدلاً من خرق واحد.

الجماعة لا حليف لها

بالتوازي فإن التيار الإسلامي الذي يشهد في لبنان تراجعاً دراماتيكياً منذ سنوات أدت لخسارة الجماعة الإسلامية في انتخابات 2018 بشكل كبير، حيث لم تستطع حصد أي مقعد نيابي لها، حينها عزت الجماعة ذلك إلى فيتو مصري-إماراتي حال دون تحالف الجماعة مع تيار المستقبل والقوات اللبنانية، وحصدت الجماعة أقل من 5% من كل أصوات السنة في لبنان حينها.

اليوم يتكرر المشهد لكن بصورة مغايرة، سعى الرئيس فؤاد السنيورة لضم مرشحي الجماعة على اللوائح التي تضمه إلى الحزب الاشتراكي والقوات اللبنانية، لكن الجماعة انسحبت من اتفاقها معه في اللحظات الأخيرة وانضمت للوائح أخرى في بيروت، وهنا تشير الصحفية جنى بركات إلى أن هناك عاملين يمنعان الجماعة من التحالف مع السنيورة الأول الخوف من أزمة مستقبلية مع طرفين رئيسيين سعت الجماعة للتقارب معهما منذ مدة، وهم الرئيس سعد الحريري والذي في حال عودته سيحدد الأطراف التي وقفت في وجه قراره ويتعامل معها في هذا الإطار، والجماعة وفقاً لبركات حريصة على علاقتها مع الحريري وهي تتوقع عودته للساحة السياسية في وقت قريب، بالإضافة لحزب الله والتي ستحمل اللائحة المدعومة من السنيورة وجنبلاط شعارات مواجهته، ما قد يؤشر إلى توتر العلاقة مع الحزب بعد التقارب الجاري منذ مدة برعاية حركة حماس.

بالمقابل يشير الباحث اللبناني خالد الحج إلى أنه لا يتوقع حصول الجماعة على أي مقعد في هذه الانتخابات نتيجة مؤشرات داخل البيئة السنية، وهي عدم وجود مشروع سياسي واقتصادي للجماعة، والثانية أن “البلوكات الانتخابية” للجماعة تراجعت بعد ثورة 17 تشرين، بالإضافة إلى أن المزاج العام السني والذي سيشارك في الانتخابات لديه خياران لا ثالث لهما، إما التصويت للوجوه المحسوبة على الثورة أو الذهاب للتصويت للوائح مدعومة من جو تيار المستقبل أي تلك المحسوبة على الرئيس فؤاد السنيورة؛ لأنها تحمل شعار منع حزب الله من الحصول على مقاعد السنة.

بالمقابل فإن الجماعة وحتى اللحظة فشلت في صوغ تحالفات انتخابية في مناطق عديدة، وقد تضطر إلى اختيار بين أمرين أحلاهما مُر: إما تشكيل لوائح مع بعض المرشحين أو الانسحاب من بعض المناطق.



عربي بوست