صاندي تايمز: روسيا كررت أخطاءها في حرب الشيشان وصححتهها بدكّ المدن الأوكرانية

نشرت صحيفة “صاندي تايمز” مقالا لماثيو كامبل، قال فيه إن القصف الروسي على مدينة ماريوبول يذكّر بالحرب العالمية الثانية. وقال إن القصف الشديد على المدن الأوكرانية دفع الناس إلى الهروب أو قتل الكثيرين منهم، وهي دليل على تكتيكات أحكم الروس معالمها في العقدين الماضيين أثناء حملتين ضد شعبين مستقلين تجرّءا مثل أوكرانيا، على مواجهة الكرملين.

ودكّ الروس غروزني في الشيشان، وقتلوا الآلاف في التسعينات. ويقول أصلان دوكاييف (61 عاما) والذي فرّ من بلاده منذ عام 1997 ويعيش الآن في هولندا: “عندما أنظر للصور في أوكرانيا، فهي تذكرني بغروزني، وعندما كنت أختفي في القبو بدون طعام كما يجب عليك أن تفعل عندما تقصف بالمدفعية ومن الجو”. وكتاب الحرب للجيش الروسي لا يرحم ويقوم بمحو المدن الأوكرانية لتصحيح الأخطاء بالأسلحة الثقيلة والغارات الجوية، وهو ما أدى إلى غضب دولي، وقاد لاتهامات بارتكاب جرائم حرب ضد الرئيس فلاديمير بوتين.




وقالت الصحيفة إن صور القصف جلبت ذكريات مؤلمة لمن عاشوا في تجارب مماثلة في الماضي. وتقول ميلانا مازيفا (40 عاما) التي تعمل الآن في جامعة ولاية أريزونا: “لقد قتل الروس شقيقي بالقصف، وتم دفنه في قبر مع شخص آخر ولم يكن هناك وقت لدفنه بطريقة عادية”. وكانت تتحدث بمقهى في فونيكس وهي تراقب لقطات فيديو أرسله صديق ويظهر المقاتلات الروسية وهي تسقط القنابل على غروزني. وقالت: “كنت خائفة جدا وحاولت الاختباء تحت الطاولة”. وقبل الحرب، كانت الشيشان تمثل إزعاجا طويلا يعود إلى أيام القياصرة.

وقام ستالين في عام 1944 بتهجير كل الشيشان من وسط آسيا، وظلوا بعيدين عن أراضيهم حتى عام 1957 عندما سمح لهم نيكيتا خروشوف بالعودة. وأرسل بوريس يلتسين، أول رئيس روسي ما بعد الاتحاد السوفييتي، قواته إلى الشيشان عام 1994. وتفاخر وزير دفاعه بافيل غراتشيف، وقال إن فرقة واحدة كافية لغزو جمهورية مسلمة عدد سكانها مليون نسمة، في “ساعتين”، وكانت حساباته غير دقيقة، فما كشفت عنه الأحداث هي معركة استمرت لسنوات.

ونفس الأمر حدث في أوكرانيا، حيث اندفع الروس للغزو بناء على معلومات أمنية غير دقيقة حول المقاومة المحدودة من الأوكرانيين. ففي معركة استمرت 72 ساعة دمر المتمردون الشيشان رتلا من العربات الروسية في غروزني، حيث دمروا ما بين 102- 120 عربة مصفحة باستخدام المقذوفات الصاروخية، بعدما علقت في شوارع ضيقة لم تكن العربات قادرة على الرجوع منها. وهو ما قاد لتغير جذري في الإستراتيجية الروسية، وعلى مدى 20 ليلة، أطلقت المدافع الروسية 4 آلاف قذيفة في الساعة على غروزني، بدون أي اعتبار للمدنيين، وفي شباط/ فبراير 1995، سقطت المدينة، وقتل حوالي 80 ألف شخص.

وعندما استعاد المقاتلون الشيشان المدينة في السنة التالية، وقّع الروس اتفاق إطلاق نار وانسحبوا. وتركوا المهمة لبوتين كي ينهيها، حيث شن الحرب الشيشانية الثانية بعد ثلاثة أعوام. وأطلق على العملية “عملية مكافحة الإرهاب” ولام المتمردين بأنهم استهدفوا المدن الروسية وقتلوا 300 مدني.

وفي الحقيقة قد تكون الدولة الروسية ضالعة في العمليات كوسيلة لتعبئة الرأي العام ودعم الحرب، كما يرى المعارضون. ولم يرض بوتين بالدمار الذي حل بالمدينة في المرة الأولى، بل دمرها بشكل تام تزامنا مع تنصيبه رئيسا عام 2000. ويقول دوكاييف: “تعلم الروس بعد خسارتهم الكثير من الرجال في غروزني أثناء الحرب الشيشانية الأولى” و”لهذا وقفوا بعيدا وضربوا عن بعد، حتى تحولت المدينة إلى أنقاض”.

ولم يمنع هذا الكرملين من ارتكاب نفس الخطأ في أوكرانيا، حيث لم يتوقع مقاومة شديدة هناك. وقال دوكاييف: “أثبت الأوكرانيون بمقاومتهم أنهم مثل الشيشان أثناء حربهم”. وتعتبر الحملة الناجحة في الشيشان الدافع في الحرب الحالية بأوكرانيا. وبعد محاولة الاشتباك مع العدو وتكبدها خسائر فادحة، عادت القوات الروسية للأساليب القديمة، وهي دكّ المدن مثل ماريوبول في جنوب أوكرانيا، ولكن من مكان بعيد.

وكانت هناك مقارنة ماكرة مع الشيشان، ففي الحرب الشيشانية الثانية، فتحت روسيا معابر إنسانية للاجئين الهاربين من غروزني لكي تقصفهم، وفعلت هذا مرة أخرى في أوكرانيا.

وكان من المأمول عدم تكرار الانتهاكات الروسية في الشيشان مرة ثانية في أوكرانيا، إلا أن الروايات المتواترة تحدثت عن جنود روس يطلقون النار على الناجين، واغتصاب النساء عندما دخلوا في النهاية غروزني. ووصف مراقبو الأمم المتحدة الذين دخلوا غروزني لتقديم المساعدات نهاية شباط/ فبراير، المدينة بأنها “مدمرة وأرض خاربة غير آمنة” ولم يبق فيها سوى 21 ألف شخص من بين 250 ألفاً كانوا مقيمين فيها.

وهرب عشرات الآلاف إلى الجبال وآلاف إلى الخارج، وربما لن يعودوا أبدا. ويعتقد أن هناك حوالي 150 ألف شيشاني يعيشون في أوروبا اليوم. وبعضهم يعيش خائفا على حياته بعد سلسلة من الاغتيالات التي دعمتها روسيا.

ويقول حسين إسخانوف، المقاتل الشيشاني السابق: “نحن نعرف أكثر من أي شخص آخر مأساة أوكرانيا”. ويعيش إسخانوف في فيينا حيث يرحب بالأوكرانيين القادمين إلى المحطة المركزية. وقال: “لدينا عدو مشترك ومشكلة مشتركة سنتغلب عليها. سينتصر الأوكرانيون بالتأكيد، وسيتم تدمير موردور” في إشارة للقوة المظلمة في رواية “جي أر أر تولكين”: “ملك الخواتم”.

ولا تزال الشيشان تابعة لروسيا، وظهرت في غروزني العمارات الجديدة والفنادق اللامعة في “جادة بوتين” على أنقاض المدينة المدمرة. وتعلق مازيفا: “هذه ليست مدينة شبابي. يقولون إنها مثل دبي”.

والشيشان إقطاعية تابعة لرمضان قديروف، الرئيس البلطجي بحسب وصف الصحيفة، والذي قاتل والده في الحرب الشيشانية الأولى ثم غير مواقفه وأصبح رئيسا قبل اغتياله عام 2003. وأصبح قديروف الابن الشخص الذي يقوم بمهام نيابة عن بوتين. ويشترك مع الرئيس الروسي في الاهتمام بالنمور والأسلحة وألعاب الدفاع عن النفس، وأرسل قواته المدربة جدا للقتال من أجل الكرملين في أوكرانيا.

ومقابل الولاء، يتصرف قديروغ دون خوف من العقاب، وغالبا ما يُشاهد في سيارته المذهبة “سيدان” وحرسه الذين يحملون كلاشينكوفات مطلية بالذهب، وصوره معلقة في أنحاء المدينة وأي معارضة تواجه بالتعذيب ويقتل المثليين.

وانتهى نقاد قديروف وهم كثر إلى القتل، ومنهم ناشطة حقوق الإنسان ناتاليا إيستيمورفا، والصحافية آنا بوليتوفسكايا التي قتلت أمام بيتها في موسكو. وقال دوكاييف: “روسيا ليست حرة، ولكن الشيشان كذلك وبشكل مضاعف”.