د. فيصل القاسم - القدس العربي

أوكرانيا تفضح عورات العرب – د. فيصل القاسم – القدس العربي

ما أسخف العرب الذين استقبلوا الغزو الروسي لأوكرانيا بكثير من التشفي والغبطة ظناً منهم أن القلاقل والأزمات والكوارث ستترك بلادنا وستتوجه إلى الغرب، ولا بأس أن نرقص وندبك فرحاً بأننا سنرتاح أخيراً في هذا الجزء التعيس من العالم. وقد وصل الأمر ببعض السخفاء من الإعلاميين والسياسيين العرب إلى الوقوف بصفاقة عز نظيرها إلى جانب روسيا في غزوها الوحشي لأوكرانيا، فترى مثلاً عرباً يصفقون ليل نهار للاحتلال الروسي لأوكرانيا بينما بعض بلادهم العربية محتلة. ما أتفه ذلك الإعلامي الذي يبشر البشرية بنظام عالمي جديد بعد الاجتياح الروسي لبلد مستقل، مع العلم أنه كتب من قبل مئات المقالات ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. هل يا ترى الغزو الروسي لأوكرانيا حلال والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حرام؟ أليس احتلال أي بلد في العالم مرفوضاً؟ ثم هل يعتقد العرب الآخرون الذين يتشفون في مواقع التواصل بالأوكرانيين أو الروس بأنهم سيكونون بمنأى عن تبعات الكارثة الأوكرانية التي ستصل آثارها الكارثية إلى العالم أجمع وخاصة عالمنا العربي؟ لا يليق بنا أبداً أن نقول: “ناب كلب بجلد خنزير” عندما نعلق على الصراع في أوكرانيا. من السخف والسذاجة أن نعتقد أن الصراع لا يعنينا وأن نكتفي بترديد عبارة: “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين واخرجنا منها سالمين”. ومن قال لكم إنكم ستخرجون منها سالمين؟

كل القضايا التي مررنا بها على مدى العقود الماضية ليست بخطورة القضية الأوكرانية، ولأول مرة لا بد لكل من يعرف بعض البديهيات السياسية والاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية أن يخشى على نفسه وعلى بلده وشعبه جراء الصراع الحاصل في أوكرانيا. وقد توقع وزير التجارة الكويتي فهد الشريعان، احتمالية جنون الأسعار خلال الفترة المقبلة نتيجة للتطورات غير المسبوقة في العالم، قائلاً: “الوضع خطير جداً في العالم ومنطقتنا.. نحن مقبلون على مجاعة، السفن المحملة بالقمح والحبوب والبذور والمتجهة الى الكويت والسعودية والامارات وقطر والبحرين وعُمان، يتم تحويلها في عرض البحر لتتوجه إلى أوروبا”. وأضاف: “أن مصادر المواد الأولية تمنع التصدير وخمسون في المئة من منتجات العالم تمنع التصدير وقد نمر في مرحلة عصيبة إذا لم نستعد ونجهز أنفسنا لمثل هذه الحالة”. فإذا كانت الدول الخليجية الغنية تخشى على نفسها من ارتفاع الأسعار واختفاء السلع ونقص الأغذية، فماذا سيحل بالبلدان العربية الفقيرة التي تجد صعوبة في تأمين حتى الخبز في سوريا والعراق ولبنان واليمن والجزائر والسودان وتونس والمغرب وغيره؟




من يعتقد من العرب أن الأزمات انتقلت إلى أوروبا، فليعد حساباته، لا بل إن الأزمات العربية ستزداد تفاقماً وخطورة في المرحلة المقبلة، ولا تتفاجؤوا بثورات جوع حقيقية تعم العديد من البلدان العربية، ليس فقط بسبب جنون الأسعار كما صرح الوزير الكويتي، بل بسبب اختفاء القمح الذي كنا نستورده من روسيا وأوكرانيا وغيرهما. وقد دقت مجلة (لوبوان) الفرنسية ناقوس الخطر للعرب قبل أيام عندما تساءلت: “هل تتسبب حرب أوكرانيا في ربيع عربي ثان”؟ المجلة قالت إن بذور الغضب التي تسببت في تفجر الربيع العربي عام 2011 ما زالت موجودة

وأضافت بأن نقص المنتجات الأساسية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط بسبب تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا تجعل الكثيرين يهمسون بفرضية “نسخة ثانية” من الربيع العربي ستكون شرارتها نقص الغذاء الذي لا تستطيع الأنظمة الاستبدادية في المنطقة احتواءه. وذكرت المجلة أن كلاً من أوكرانيا وروسيا تمثلان ثلث الصادرات العالمية من القمح والشعير ودوار الشمس والأمونيا واليوريا، مما يعتبر بحق “سلاحا غذائيا” بآثار تدميرية أقرب ما يكون من آثار الأسلحة النووية.

كل القضايا التي مررنا بها على مدى العقود الماضية ليست بخطورة القضية الأوكرانية، ولأول مرة لا بد لكل من يعرف بعض البديهيات السياسية والاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية أن يخشى على نفسه وعلى بلده وشعبه جراء الصراع الحاصل

وأشارت (لوبوان) إلى أن بلداناً مثل ليبيا ومصر والجزائر تعتمد على طرفي الصراع الحالي في توفير نصف وارداتها من القمح، وهو بمثابة “إدمان” لهذه المنطقة التي تؤوي 4% من سكان العالم في حين تبلغ حاجياتها 35% من واردات الحبوب عالمياً، مما يشكل “معادلة جهنمية” ظلت بلا حل منذ أكثر من 15 عاماً.

بل الأسوأ من ذلك – تضيف المجلة – أن النقص المتوقع في عام 2022 يخاطر بالتحول إلى “كابوس غذائي” في عام 2023، حيث من المرجح ألا تقوم أوكرانيا بالحصاد خلال الربيع في ظل انصراف الرجال إلى جبهات القتال وهروب النساء من القنابل الروسية، وقد لا تزرع البلاد أصلا خلال الموسم المقبل. وقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مؤخراً من أن الصراع الذي أشعلته روسيا سيصيب “الفقراء بشكل أكبر وسيزرع بذور عدم الاستقرار السياسي والاضطرابات في جميع أنحاء العالم”، منوهاً إلى أن الأزمة الراهنة قد تتسبب في “إعصار مجاعات” سيأتي على مناطق عدة من الكوكب.” وفي حين لا تكفي المحاصيل الموجودة في الجزائر مثلاً حتى نهاية العام، فإن القمح سينفد في تونس مع نهاية هذا الصيف. وتختتم (لوبوان) بأن بذور السخط في المنطقة المغاربية في عام 2022 لا تزال كما كان عليه الحال إبان تفجر الربيع العربي في يناير/كانون الثاني 2011، في حين تم إخماد حرائق الغضب في المنطقة بشكل سيء وتستمر النيران في الاشتعال بفعل الفشل الواضح للأنظمة المنبثقة عن الثورات في كل من تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن والعراق ولبنان والسودان.

لقد فضحت الأزمة الأوكرانية عورات العرب جميعاً، فهذا يعتمد في خبزه على القمح الروسي والأوكراني، وذاك لا ينتج أبسط السلع الأساسية التي ستتوجه إلى الأسواق الأوروبية. تصوروا أن بلداً كالسودان قادر أن يوفر القمح لكل العالم العربي لكنه يستورد القسم الأكبر من قمحه من روسيا وأوكرانيا. لهذا نقول للعرب الذين يتراقصون على جراحات الأوكرانيين إنكم قريباً سترقصون جوعاً بسبب نقص القمح الأوكراني. ويل لأمة تأكل مما لا تزرع.