عودة السعودية إلى لبنان “مؤكدة”.. والعين على الانتخابات النيابية “وما بعدها”

تنشغل الساحة اللبنانية مجددا بعلاقة البلاد مع دول الخليج العربية، وعلى رأسها السعودية، بعد اختراقات تحققت في اليومين الماضيين في جدار القطيعة الديبلوماسية وأزمة العلاقات بين الطرفين منذ نحو خمسة أشهر.

المسعى الفرنسي الذي كان قد انطلق قبل نحو ثلاثة أشهر، من أجل استعادة الاهتمام السعودي بالساحة اللبنانية، يبدو أنه بدأ يؤتي ثماره، بالنظر إلى التبدل الواضح في لهجة الخطاب والتعاطي الخليجي مع لبنان من جهة، والحراك اللبناني الموازي، ولاسيما من الأطراف الحليفة للمملكة، على خط استعادة الحضور السعودي، إضافة إلى التجاوب الرسمي اللبناني مع المبادرة الكويتية التي سبق أن تقدمت بها دول الخليج “لاستعادة الثقة” مع لبنان.




وكانت الأزمة الدبلوماسية ما بين لبنان ودول الخليج وعلى رأسها السعودية، قد اندلعت إثر تصريحات أدلى بها وزير الإعلام اللبناني في حينها، جورج قرداحي، في 29 أكتوبر 2021، سجلت قبل توليه وزارته وجرى بثها فيما بعد، وصف فيها قتال جماعة الحوثي المقربة من إيران بأنه “دفاع عن النفس” في وجه “اعتداء خارجي” من السعودية والإمارات، واصفا الحرب بـ “العبثية”.

وجاءت تلك القضية لتفجر مسارا طويلا من الضغط الذي أصاب العلاقات بين دول الخليج ولبنان، بعد سلسلة مواقف وتصريحات صادرة من لبنان، رأت فيها السعودية طابعا عدوانيا تجاهها، لاسيما مع إحكام “حزب الله” لقبضته على السلطة اللبنانية وقرارات البلاد، وتسخيره في سبيل خدمة أهداف إيران على الساحة الإقليمية، من اليمن إلى البحرين والعراق وسوريا.

وعلى إثر تصريحات قرداحي، سحبت السعودية سفيرها لدى بيروت، وطلبت من السفير اللبناني مغادرة الرياض متخذة قرارات بوقف كل الواردات اللبنانية إليها. وتضامنا مع الرياض، اتخذ كل من البحرين والكويت خطوة مماثلة، وسحبت الإمارات دبلوماسييها وقررت منع مواطنيها من السفر إلى لبنان.

قرداحي عاد وتقدم باستقالته في مستعى لاحتواء الأزمة، وتسهيل مهمة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي كان في زيارة للسعودية حينها، تهدف لإعادة الدور السعودي الداعم للبنان، حيث أعلن الرئيس الفرنسي في وقت لاحق أن باريس والرياض اتفقتا على الانخراط بشكل كامل في استئناف العلاقات الدبلوماسية مع لبنان.

وكان وزير الخارجية الكويتي أحمد الناصر قد سلم لبنان خلال زيارة رسمية رسالة تتضمن مجموعة من المطالب الخليجية، التي تتمحور حول الالتزام بمسار الإصلاح السياسي والاقتصادي والمالي في لبنان، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة اللبنانية، إذ شددت على ضرورة اعتماد سياسة النأي بالنفس واحترام سيادة الدول العربية والخليجية ووقف التدخل السياسي والإعلامي والعسكري فيها، واحترام قرارات الجامعة العربية والالتزام بالشرعية العربية، وصولا إلى ضرورة التزام لبنان بالقرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، لا سيما القرارين 1559 و1701، مع ما يعنيه ذلك من ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، في إشارة إلى الموقف المطلوب من سلاح حزب الله.

التزام لبناني وترحيب خليجي

لبنان رد على تلك الرسالة بإيجابية، وأبدى رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي استعدادا لبنانيا للتجاوب مع المبادرة الكويتية في أكثر من مناسبة، آخرها يوم الاثنين الماضي، حين شدد في بيان له، على “التزام الحكومة بإعادة العلاقات بين لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي إلى طبيعتها، واتخاذ الإجراءات اللازمة والمطلوبة لتعزيز التعاون مع المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، والتزام لبنان كل قرارات جامعة الدول العربية والشرعية الدولية، إضافة إلى العمل الجدي والفعلي على متابعة واستكمال تنفيذ مندرجاتها بما يضمن السلم الأهلي والاستقرار الوطني للبنان وتحصين وحدته”.

ميقاتي أكد على “ضرورة وقف كل الأنشطة السياسية والعسكرية والأمنية والإعلامية التي تمس سيادة المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، وأمنها واستقرارها والتي تنطلق من لبنان، والالتزام ما تضمنته بنود المبادرة الكويتية، والقيام بالإجراءات كافة لمنع تهريب الممنوعات وخصوصا المخدرات إلى السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل مباشر أو غير مباشر والتشديد على كل المنافذ”.

وجدد ميقاتي “التزام لبنان باتفاقية الرياض للتعاون القضائي وتسليم المطلوبين إلى السعودية”، لافتا إلى أن “الحكومة اللبنانية ستعمل على منع استخدام القنوات المالية والمصرفية اللبنانية لإجراء أي تعاملات مالية قد يترتب عليها إضرار بأمن المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي”.

بيان رئاسة الحكومة اللبنانية، لاقى أصداء خليجية مرحبة. وأصدرت الخارجية السعودية بيان رحب بما تضمنه كلام ميقاتي من نقاط ايجابية، وأملت “بأن يسهم ذلك في استعادة لبنان لدوره ومكانته عربيا ودوليا”، مؤكدة على تطلع المملكة إلى أن يعم لبنان الأمن والسلام، وأن يحظى الشعب اللبناني بالاستقرار والأمان والازدهار في وطنه.

كذلك كان للخارجية الكويتية تعليق على كلام ميقاتي ذكرت فيه أنها “تتطلع في هذا السياق إلى استكمال الإجراءات البناءة والعملية بما يساهم في المزيد من الأمان والاستقرار والازدهار للبنان”.

الترحيب الخليجي تلقفه ميقاتي أيضا، واعتبر خلال جلسة لمجلس الوزراء أن التصريحات الخليجية “تؤشر بأن الغيمة التي خيمت على علاقات لبنان، إلى زوال قريبا”، لافتا إلى أن “ما يربط لبنان وشعبه بإخوانه في دول الخليج هو تاريخ مشترك، وإيمان بمصير مشترك، وأي التزامات هي رهن بالخطوات التي يجري تطبيقها تباعا، على أمل أن تكون كفيلة بإعادة العلاقات إلى طبيعتها “.

من جانبه قال وزير الداخلية والبلديات اللبناني، بسام مولوي، في تغريدة عبر تويتر “لم يكن لدي أدنى شك أن قلب مملكة الخير مع لبنان وأن الشعب اللبناني في ضمير قادتها. كلنا ثقة أن المملكة العربية السعودية ستكون كما دائما إلى جانب لبنان العربي المتمسك بالشرعية العربية التي تضمن الأمن والأمان والاستقرار لكافة الدول العربية”.

 

تأكيد على “العودة”

وعلى الخط نفسه، رصد في اليومين الماضيين حراك لبناني على خط الرياض، تمثل بزيارة متزامنة لكل من الوزير السابق وائل أبو فاعور، ممثلا رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، والوزير السابق ملحم رياشي، ممثلا رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، وذلك للقاء مسؤولين سعوديين.

وفي مستهل لقائه لحشد من الجالية اللبنانية من مناصري القوات اللبنانية، كشف رياشي عن توجه سعودي لإعادة سفير المملكة إلى لبنان في الأيام المقبلة، ومعه سفراء الدول الخليجية، “مشددا على أهمية استعادة العلاقات اللبنانية مع السعودية لما يشكل ذلك عاملا أساسيا في التوازن الاستراتيجي المطلوب، والذي تجسده الرياض ومجموعة سفراء مجلس التعاون لصالح لبنان”.

وفي هذا السياق يوضح رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، لموقع “الحرة”، أن زيارة رياشي جاءت عقب المناشدة التي أطلقها رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع للسعودية، “أن تميز كما نميز، بين لبنان الرسمي المصادر يا للأسف من قبل حزب الله والتيار الوطني الحر، وبين الشعب اللبناني الذي بحاجة لدعمه كسياسة صمود من أجل أن يتمكن من مواجهة الفريق الخاطف للدولة في الانتخابات النيابية”.

لافتا إلى أن الحاجة اليوم هي لدعم المملكة “للشعب اللبناني وليس للبنان الرسمي، كي يتمكن هذا الشعب من الصمود إلى الانتخابات النيابية وما بعدها، بهدف تحرير الدولة من الفريق الخاطف، ومن هنا جاء تمني الدكتور جعجع على المملكة السعودية مساعدة اللبنانيين كما ساعدتهم دوما”.

وحول الزيارة رياشي يؤكد جبور أن الأصداء واللقاءات كانت جيدة وإيجابية، “والمملكة العربية السعودية عائدة بسفيرها إلى لبنان، وسفراء دول الخليج أيضا، وبات الأمر مؤكدا، وسنشهد خطوات عملية في الأيام القليلة المقبلة”.

وبحسب جبور فإن العنوان الأساسي هو الدفع من أجل تنفيذ المبادرة الكويتية “التي تمثل مبادرة سيادية بامتياز بنصوصها وبأفكارها”، منوها إلى أن “هذه العودة لا تهدف لتعويم لبنان الرسمي الذي نقف نحن والسعودية ضده، لأن هذا لبنان الرسمي اليوم مصادر من قبل ميشال عون وحسن نصر الله، وأدى ويؤدي إلى ضرب علاقات لبنان الخارجية وفي طليعتها العلاقات مع الدول الخليجية”.

ويضيف “نحن قلنا إننا لا ننتظر من هذا الفريق الممسك بقرار الدولة اللبنانية أن ينفذ بنود المبادرة الكويتية، وبالتالي يجب الرهان على أكثرية جديدة تذهب باتجاه تطبيق الدستور اللبناني، والقرار ١٥٥٩ الذي يمثل جزءا من الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني. وبالتالي يجب الدفع نحو إيصال أكثرية جديدة لأن الأكثرية الحالية تطيح بالدستور”.

ويختم جبور مؤكدا الكلام عن إنشاء صندوق لدعم لبنان والمبادرة الفرنسية، “ولكن الدعم ليس للحكومة وإنما غير الحكومة لأنه لا ثقة بعمل الحكومة وآلياتها”.

قفزة إيجابية.. بمساعدة فرنسية

من جهته يكشف مفوض الإعلام في الحزب التقدمي الاشتراكي، صالح حديفه، أن زيارة أبو فاعور لم تكن الأولى على هذا الخط، فمنذ أن نشأت الأزمة في العلاقات مع السعودية ودول الخليج، “كان هناك تحرك من قبل الحزب التقدمي الاشتراكي تخلله أكثر من زيارة إلى السعودية، بالإضافة إلى التواصل مع الإدارة الفرنسية، وذلك لمحاولة رأب الصدع والشرخ بين لبنان والدول العربية، لكوننا على قناعة تامة أن إمكانية نهوض لبنان واستعادة عافيته الاقتصادية والسياسية مستحيلة دون أن يكون الأشقاء العرب جزءا أساسيا وشريكا في ذلك”.

ويوضح حديفه أن المطلوب هو عودة هذه العلاقات إلى مستواها الطبيعي، “وعلى هذا الأساس انطلقنا بالمساعي، وكان هناك تواصل مستمر من رئيس الحزب وليد جنبلاط مع الإدارة الفرنسية ومع القيادة السعودية والكويتية، وبالنتيجة أثمرت هذه الزيارات والمساعي والجهود إعادة الأمور بشكل تدريجي إلى الإيجابية بدءا من الجانب الإنساني عبر المساعدات الإنسانية التي أعلن عنها الوزير نزار العلاولا خلال زيارته فرنسا، وستبدأ النتائج تظهر تباعا، إذا توقفت بعض الأطراف هنا عن زج لبنان في صراعات هو بالغنى عنها، فمن المؤكد حينها أنه سيكون هناك تطورات إيجابية أكبر على المشهد، وسينعكس ذلك في عودة السفيرين الكويتي والسعودي، لكي تعود الأمور إلى مجراها بشكل طبيعي”.

حتى الآن لا يمكن القول إن الأمور انتهت وعادت إلى طبيعتها، ولكن لا يمكن القول أيضا أنها لا زالت كما كانت في الفترة الماضية، بحسب حديفه، “لأنه بالفعل تحققت قفزة إيجابية تُرجمت في دخول السعودية على خط المساعدات الإنسانية، ومن المتوقع إذا ما تم اتخاذ خطوات إضافية لبنانيا بعد بيان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أن يكون هناك مزيد من التحسن”.

أما عن المتغيرات التي دفعت بالسعودية لتليين موقفها تجاه لبنان، يرى حديفه أن “الفرنسيين أيضا ساعدوا جدا على هذا الخط، ولعبوا دورا إيجابيا، إضافة إلى المناشدات الصادرة عنن مختلف الأطراف اللبنانية والفعاليات الروحية من المفتي إلى شيخ العقل إلى البطريرك، والتي تتمحور حول أن “لبنان لا يمكن أن يترك لهذا القدر المشؤوم الذي أوصلتنا إليه بعض القوى السياسية في لبنان، لاقت تجاوبا سعوديا، وموقف السعودية واضح أنها لم ولن تترك لبنان، ولكن هناك حد أدنى من المطالب البديهية التي عبرت عنها المبادرة الكويتية”.

الانتخابات.. وما بعدها

من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي منير الربيع في حديث لموقع “الحرة” أن السعودية لم تخرج من لبنان ولم تسحب دبلوماسييها إلا في سبيل العودة، “لقد خرجت بناء على شروط، وهذه الشروط تتضمن رفع سقف سياسي في مواجهة حزب الله، ما يضع اللبنانيين أمام مسؤولية أساسية، وهي أن من يريد العلاقة الجيدة مع السعودية عليه أن يتخذ موقفا سياسيا واضحا، سواء بالنسبة لحلفاء السعودية أو للدولة اللبنانية”.

الربيع يلفت إلى أن حلفاء السعودية في هذا السياق عملوا على حث السعوديين على العودة لمواكبة الاستحقاق الانتخابي، والدولة اللبنانية أبدت استعدادها لتحسين العلاقات مع السعودية من خلال تصريحات رئيسي الجمهورية والحكومة ومواقف وزير الخارجية والاستجابة للمبادرة الكويتية ولو كلاميا.

إلى جانب كل ذلك، كان هناك مساع فرنسية حثيثة لإعادة السعودية إلى لبنان، من بوابة المساعدات الإنسانية، وبحسب الربيع فإن “السعوديين قالوا انهم لا يريدون ترك لبنان وأنهم مستعدون للاهتمام بالساحة اللبنانية بشرط أن يكون لدى اللبنانيين قبول بهذا الموضوع. الفرنسيين حاولوا إقناع السعوديين أيضا بضرورة دخولهم على خط الانتخابات النيابية، وحث السنة وحلفاء السعودية على المشاركة بالانتخابات، كي لا يفوز حزب الله”.

وبرأي الربيع فإن “السعودية حاليا ترى في ظل توتر العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية، ان واشنطن تريد الذهاب باتفاق مع إيران، وبالتالي لخلق توازن مع هذه المعادلة، لا بد للسعودية أن تعيد الاهتمام بلبنان من بوابة الانتخابات، ومن بوابة استعادة الحضور، عبر تجميع الحلفاء بين بعضهم البعض للحضور على الطاولة لأن الأزمة اللبنانية كما اليمنية والسورية والعراقية لا يمكن ان تحل بلا اتفاق سياسي والاتفاق السياسي يحتاج إلى لحظة إقليمية أساسية عندما تحين هذه اللحظة لا بد لكل القوى الإقليمية أن تكون موجودة على الطاولة”.

حتى الآن ليس مؤكدا دخول السعودية على خط الانتخابات اللبنانية، بحسب الربيع “ولكنها تبدي اهتماما بالموضوع وهي حريصة على تحالف يجمع كافة حلفائها في لبنان ليحصلوا على كتلة نيابية وازنة، خاصة وهي تعلم أنه لا يمكن للبنان أو سوريا أو أي دولة، أن تنهض اقتصاديا بدون حضور المملكة وموافقتها لكونها تمثل الثقل المالي”.

ويختم الربيع أن السعودية تستعيد حضورها في لبنان من خلال عودة السفراء في المرحلة المقبلة، لتكون حاضرة بنقطتين أساسيتين: “في حال حصلت الانتخابات ستكون حاضرة مع حلفائها فلا يتمكن حزب الله من تحقيق الأكثرية النيابية الساحقة، كخطوة على طريق استعادة التوازن، ومن جهة ثانية في حال لم تجر الانتخابات ستكسب السعودية مزيدا من الوقت بعد عودتها لتجميع القوى الحليفة لها، وتعزيز الحضور بانتظار لحظة إقليمية ودولية تفرض عقد تسوية في لبنان تكون مشاركة فيها”.