سركيس نعوم - النهار

التقشُّف عنوان الانتخابات… وغياب المشروعات الوطنيّة – سركيس نعوم – النهار

عادةً تكون المشروعات السياسيّة أو الاقتصاديّة أو الوطنيّة العمود الفقري للبرامج الانتخابيّة في الدول المُتقدّمة، لا مكوّنات شعوبها، لأنّها تعيش بمساواة ووئام في ظلّ وطنيّة لا تُلطّخها طائفيّة أو مذهبيّة أو إثنيّة. أمّا في الدول المتأخّرة، ويُطلق عليها اسم دول العالم الثالث أو الدول السائرة في طريق النموّ حفاظاً على مشاعر شعوبها، فإنّ البرامج الجديّة غالباً ما تغيب عن انتخاباتها النيابيّة، وغالباً ما تُطرح فيها الشعارات الطنّانة والرنّانة، ونادراً ما تُطرح برامج تنمويّة وأخرى خمسيّة أو عشريّة من أجل إنهاض دولة ما. والأكثر نُدرةً هو رؤية هذه المشروعات مُنفّذة. أسباب ذلك كثيرة منها لاديموقراطيّة الأنظمة واستبداديّة الحُكّام وانشغال المواطنين بطموحات تفوق قدراتهم مثل تحرير أراضٍ سليبة، أو مثل تحقيق “وحدة التراب” في منطقة مُعيّنة، أو مثل نشر الدعوات الدينيّة المتنوّعة ووعد الناس بأنّ التضحية من أجلها واجب، وأنّ الثواب والخير لا بُدّ أن يأتيا بعد الإنجاز.

فهل أعدّ اللبنانيّون، أحزاباً ومجتمعات ومكوّنات وطوائف ومذاهب وأفراداً طموحين هم كثيرون بسبب استشراء الفرديّة في بلادهم، برامجهم للانتخابات التشريعيّة في 15 أيار المقبل؟




الجواب هو أنّ المؤسّسات الدستوريّة اللبنانيّة قبل حروب 1975-1990 وضعت برامج نُفِّذ بعضها ولا سيّما في أثناء رئاسة اللواء فؤاد شهاب بين 1958 و1964. أمّا في الفترات التي سبقت هذا التاريخ أو أعقبته فإنّ الأحاديث عن المشروعات والبرامج كثُرت لكنّها لم ترَ نور التنفيذ، علماً بأنّ دولة تلك الأيّام توافرت فيها مقوّمات الدولة على نحوٍ جدّيّ ومحسوس رغم غياب الرؤية المستقبليّة عند غالبيّة الذين حكموا البلاد، الأمر الذي عزَّز الاحتقان بين مكوّناتها فوقعت الحروب ودُمّرت الدولة وصارت في حاجة إلى من يبنيها من جديد. أمّا دولة ما بعد الحرب فحدِّث ولا حرج. ذلك أنّ مؤسّساتها وحُكّامها وحكوماتها وأحزابها وطوائفها وقبائلها أخفقت وبمساعدة من الشقيقة الأقرب سوريا في تنفيذ اتفاق الطائف الذي أراد منه واضعوه اللبنانيّون وملائكتهم السعوديّون والأميركيّون إنهاء الحرب وبناء دولة العدل والمساواة والقانون. وما يعيشه اللبنانيّون منذ “الثورة” (2019) غير الناضجة وغير الناجحة من فشلٍ للدولة وانهيار مؤسّساتها وعملتها ومصارفها وشعوبها هو أكبر دليل على ذلك.
ا
نطلاقاً من هذا الواقع لا يبدو اللبنانيّون واثقين من أنّ انتخاباتهم النيابيّة المُرتقبة ستُنتج مجلس نوّاب أفضل من المجالس التي أُنتجت منذ إعلان الدولة واستقلالها. ذلك أنّهم بقوا في حال حربٍ سياسيّة ولا سيّما بعد الطائف وإن غصباً عنهم، بفضل جيش الوصاية أو الاحتلال أو الأخوّة. وبعدما خرج من بلادهم أو أُخرج منها وجدوا أنفسهم على حافة الحرب العسكريّة من جديد التي لم تقع بعد، ليس لحكمتهم ووعيهم، بل لأنّ الظروف والتطوّرات الإقليميّة منعتهم من ذلك حتّى الآن على الأقلّ. وربّما جنّبهم انخراط “حزب الله” في “الحرب الكونيّة” على سوريا منذ ثورتها عام 2011 تجدُّد الحرب العسكريّة. لكنّه فاقم حقد بعضهم على بعض ورغبتهم في الانتقام والثأر. وبدلاً من أن يُعدّوا على تنوّعهم واختلافاتهم بل عداواتهم مشروعات وبرامج انتخابيّة تُخرجهم من تحت تاسع أرض، وتُعيد إليهم صفاء النيّة وقوّة الإرادة والحكمة والإيمان بالعمل المشترك لبناء الوطن مرّة جديدة، وجدهم العالم أكثر انقساماً منهم في السابق وأشدَّ رغبة في الثأر.

في هذا المجال يقول “حزب الله”، استناداً إلى مُتابعي حركته من قرب في لبنان، إنّ فيه اليوم مشروعاً واحداً هو “مشروع المقاومة”، علماً بأنّه مدعومٌ بكلّ قوّة من إيران الإسلاميّة. أمّا الأفرقاء المُعادون له فليس لهم مشروعٌ مُحدَّد بل أهداف مُحدَّدة وواضحة لم يتوحّدوا من أجل تنفيذها ولم يضعوا خططاً تنفيذيّة لها. فتلخَّصت مشاريعهم بكلمة “ضدّ”، أي إنّهم ضدّ الاحتلال الإيراني، وضدّ سلاح “حزب الله”، وضدّ مصادرة قرار الحرب والسلم من الدولة اللبنانيّة، وضدّ الاحتفاظ بجيشٍ كبيرٍ مُدرّب ومُسلّح و… كما أنّهم عاجزون عن الاستعانة بحلفائهم في المنطقة كما فعل “الحزب” ولا يزال لأسباب عدّة أهمّها أنّه سبقهم إذ بدأ التنظيم والتعبئة والتدريب السياسي والعسكري والإيديولوجي منذ نحو 40 سنة. كما أنّه قاوم إسرائيل فأخرجها من أراضٍ احتلّتها في لبنان، ولم ينتبه أخصامه أو أعداؤه أو مُنافسوه إلى أنّ الوقت فات والذي “ضرب ضرب والذي هرب هرب”.

هل يؤثّر ذلك على الانتخابات النيابيّة المُقرّرة بعد نحو 52 يوماً أو بالأحرى في نتائجها؟ يستبعد مُتابعو “حزب الله” من قرب أنفسهم ذلك، إذ إنّ “دفّ العشّاق (فريق 14 آذار) انفخت وتفرّق العشّاق”. وبدلاً من أن يتوحّدوا لا لتحقيق انتصار على “الحزب” وثنائيّته بالفوز بغالبيّة نيابيّة أو بأقليّة كبيرة ووازنة، انشغلوا بمحاربة بعضهم بعضاً فيما قام “الحزب” برصّ صفوف حلفائه رغم أذى أهمّهم له في السنوات القليلة الماضية، كما بالإفادة من تعليق الرئيس سعد الحريري عمله السياسي وعمل عائلته وعمل “تيّار المستقبل”.

إلى ذلك، يبدو أنّ انتظار الدعم الخليجي ولا سيّما السعودي السياسي والمالي لهؤلاء في الانتخابات سيكون من دون نتيجة. كما أنّ “المُقرشين” أو “المُدهنين” من المرشّحين لن يُبادروا إلى فتح صناديقهم إلّا قبل وقت قصير من فتح صنادق الاقتراع خشية أن تذهب أموالهم سدىً أو أن يدفعوا مرّتين. أمّا السعوديّة فلن تدفع نفقات الحملات الانتخابيّة لحلفائها. فهي بكلّ صدق غير معنيّة بانتخابات لبنان رغم كلّ المحاولات التي بذلتها شخصيّات حليفة لها وصديقة. طبعاً يستقبل “حزب الله” في الموسم الانتخابي سياسيّين أو طامحين إلى العمل السياسي ولكن “طفرانين” كما يدّعون ويطلبون دعمه السياسي والمالي أيضاً كي يرشّحوا أنفسهم ويخوضوا المعركة. لكنّه لا يدخل في هذه اللعبة لأسباب متنوّعة قد يكون واحداً منها معرفته أنّ المبالغ المطلوبة كثيرة وأكبر من الحاجة وأنّ حظوظ الفوز قليلة، الأمر الذي يدفع إلى الشكّ في أنّ المساعدة إذا قُدّمت فستبقى غالبيّتها في الجيوب. طبعاً رؤساء اللوائح وبعضهم رؤساء أحزاب وتيّارات لا يُمانعون طلب “مساعدات ماليّة” من طالبي تبنّي ترشيحهم أي بيعهم مقاعد نيابيّة. وهذه عادة قديمة ومُتأصّلة، علماً بأن غالبيّتها أي الأموال تبقى في الجيوب أيضاً. وهذا أمرٌ لم يكن يوماً سرّاً. وقد بدأ ينفضح رسميّاً باتّهام بعض النوّاب الذين سيصبحون سابقين رؤساءهم السياسيّين أو الحزبيّين بالتخلّي عنهم والسعي وراء أصحاب الرساميل الماليّة.