لبنان بين عودة البخاري إليه وذهاب عون إلى طهران

أحمد عياش – النهار

في وقت واحد، تم الإعلان عن بدء عودة العلاقات بين لبنان ودول الخليج العربي الى أوضاعها الطبيعية، فيما جدّد رئيس الجمهورية #ميشال عون دفاعه عن سلاح “#حزب الله”. ربّما أتى تزامن الحدثين صدفة، لكن مدلوليهما ينطويان على تناقض، ما ينذر بأن لبنان ما زال عرضة لرياح التدخل الإيراني أكثر من أيّ وقت مضى.




إذن، انفتحت بالأمس الأبواب الموصدة بين لبنان ودول الخليج العربية عموماً، وبين لبنان والمملكة العربية #السعودية خصوصاً. وهذا هو التطوّر الأهم على هذا المستوى بعد الاتصال الهاتفي الذي تمّ بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الرابع من كانون الأول الماضي خلال اللقاء الذي ضمّ في ذلك الوقت وليّ عهد المملكة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي كان في زيارة رسمية للسعودية. وخلال هذا الاتصال، أبدى الرئيس ميقاتي “تقدير لبنان لما تقوم به المملكة وفرنسا من جهود كبيرة للوقوف إلى جانب الشعب اللبناني والتزام الحكومة اللبنانية باتخاذ كلّ ما من شأنه تعزيز العلاقات مع المملكة ودول مجلس التعاون ورفض كل ما من شأنه الإساءة إلى أمنها واستقرارها”.

من روحية هذه المواقف، أصدر الرئيس ميقاتي الاثنين الماضي بياناً، جدّد فيه “التزام الحكومة اللبنانية باتخاذ الإجراءات اللازمة والمطلوبة لتعزيز التعاون مع المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، والتزام لبنان كل قرارات جامعة الدول العربية والشرعية الدولية، ووقف كل الأنشطة السياسية والعسكرية والأمنية والإعلامية التي تمسّ سيادة المملكة ودول مجلس التعاون وأمنها واستقرارها والتي تنطلق من لبنان”، مؤكداً “التزام ما تضمّنته بنود #المبادرة الكويتية”، كما القيام بالإجراءات كافة لمنع تهريب الممنوعات وخصوصاً المخدرات إلى المملكة ودول مجلس التعاون، والتزام لبنان باتفاقية الرياض للتعاون القضائي وتسليم المطلوبين إلى المملكة العربية السعودية”، وشدّد على “أن الحكومة اللبنانية ستعمل على منع استخدام القنوات المالية والمصرفية اللبنانية لإجراء أي تعاملات مالية قد يترتب عليها إضرار بأمن المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي”.

في المقابل، وعلى طرف نقيض من بيان رئيس الحكومة الأخير، أطلّ الرئيس عون من روما، في اليوم التالي لصدور بيان الرئيس ميقاتي، بحديث خاصّ الى صحيفة “لا ربوبليكا” “La Repubblica” الإيطالية الواسعة الانتشار، مدافعاً عن سلاح “حزب الله”. فقد سأله الصحافي غابريللا كولاروسو الذي أجرى الحوار: “إن من أبرز اهتمامات المجتمع الدولي بالنسبة الى لبنان، ما يتعلق بوجود دولة ضمن الدولة: حزب الله مع كامل قدرته العسكرية. ما الأمور التي تقوم بها الحكومة لمعالجة هذه المسألة؟”، فأجاب الرئيس عون مدافعاً عملياً عن “وجود دولة ضمن دولة،” كما ورد في سؤال الصحافي الإيطالي، قائلاً: “ليس لحزب الله من تأثير بأيّ طريقة على الواقع الأمني للبنانيين في الداخل… إن حزب الله، حزب يملك السلاح وهو قام بتحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي “، من دون مناقشة ما قاله الرئيس عون، فقد بدا كلامه ممهّداً للزيارة المفاجئة لوزير خارجية إيران حسين أمير عبداللهيان للبنان غداً الجمعة.

أما بيان الرئيس ميقاتي، فهو أتى بدوره ممهّداً لعودة السفير السعودي وليد البخاري، وكذلك عودة السفير الكويتي عبد العال القناعي قريباً الى لبنان.

لا جدال في أن لبنان لا ينتظر مجيء رئيس الديبلوماسية الإيرانية، باعتبار أن طهران موجودة في بيروت من دون انقطاع من خلال “حزب الله” وبمبايعة مطلقة من العهد الحالي. لكن لبنان ينتظر بكلّ اهتمام رؤية السفيرين البخاري والقناعي وسائر سفراء دول مجلس التعاون، لأن انقطاع العلاقات الديبلوماسية بين بيروت وسائر عواصم دول الخليج العربي، كان ذروة الشؤم الذي حلّ بلبنان منذ أن تمكّنت إيران من إيصال مرشحها الى رئاسة الجمهورية اللبنانية عام 2016. وليس أدلّ على عودة الخير الى لبنان بالعودة الخليجية إليه، من بدء عمل الصندوق السعودي ‒ الفرنسي لدعم لبنان قريباً، الذي تقرّر في الاجتماع الذي عُقد بين وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الفرنسي جان إيف لودريان، بعدما تبرّعت المملكة بـ36 مليون دولار عبر مركز الملك سلمان للإغاثة، وستصرف المساعدات للمؤسسات الإنسانية غير الرسمية.

قبل أن يصل السفير البخاري الى بيروت، تطايرت التحليلات في وسائل محسوبة على “حزب الله” التي تعطي دلالات لهذه العودة السعودية الى لبنان. ومن بين هذه التحليلات، أنه “في ضوء الحرب الأوكرانية التي أظهرت محوراً للشرق قادراً على صناعة توازن دوليّ بوجه محور الغرب، عسكرياً واقتصادياً، ومشهد إقليمي جديد يظلله تسارع العودة إلى الاتفاق النووي بين دول الغرب وإيران، ما سيجعل المواجهات التي بدأتها السعودية في المنطقة، سواء في اليمن أو لبنان حروباً عبثية”.

وذهب تحليل آخر الى القول “إن الحركة العربية تتعلق بتغيير على مستوى السلطة الحاكمة في لبنان، يضمن وصول جماعتها الى الحكم بقوة أكبر ممّا هي عليه اليوم”. ويضيف التحليل: “عين واشنطن ليست على مجلس نيابي مختلف، بل على مجلس ينتخب رئيساً جديداً لا يكون من حلفاء حزب الله”.

في المعلومات، إن “حزب الله” بشخص أمينه العام السيد حسن نصرالله، مندفع الى معركة الانتخابات النيابية المقبلة بكل الإمكانات التي يتلقاها من طهران، كي تأتي النتائج في 16 أيار المقبل، مماثلة إن لم تكن أفضل من تلك التي انتهت إليها انتخابات عام 2018، والتي قال فيها قائد “فيلق” القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني “إن حزب الله فاز للمرة الأولى بـ74 صوتاً في البرلمان من أصل 128”.

هل من صورة أوضح لواقع لبنان اليوم، بين عودة السفير السعودي الى بيروت وبين ذهاب الرئيس عون بمواقفه الى طهران؟