هل تستخدمها في أوكرانيا؟.. أسلحة روسيا الكيماوية وعنصر “فتاك” يثير المخاوف

ازدادت المخاوف في الفترة الأخيرة من إقدام روسيا على استخدام أسلحة كيماوية في أوكرانيا، بعد الإخفاقات التي تعرضت لها في حربها التقليدية التي تخوضها، خاصة أنها لديها سوابق تاريخية في استخدام مثل هذه الأسلحة.

ويلفت محللون إلى أن المحاولات السابقة لروسيا لاستخدام السلاح الكيماوي كانت مرتبطة بحملة علاقات عامة لإنكار تورطها واتهام أطراف أخرى بالتهم ذاتها، وهو ما يحدث حاليا حيث تتهم روسيا الولايات المتحدة والغرب باتهامات مماثلة.




والأسلحة الكيماوية، بموجب معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية هي “جميع المواد الكيميائية السامة، والمواد المتفاعلة المستخدمة في إنتاجها والتي يمكن استخدامها للتسبب في الوفاة أو الأذى المتعمد”.

وتعتمد طريقة إيصالها على طبيعة المادة الكيميائية ومدى سرعة انتشارها.

وفي سياق ساحة المعركة، يمكن استخدام الذخائر، مثل قذائف المدفعية أو القنابل لتسليح المواد الكيميائية، مقل غاز السارين و”في أكس” والخردل والكلور.

وحذرت إدارة الرئيس الأميركي، جو باين، عدة مرات مؤخرا من أن تعثر روسيا في أوكرانيا قد يدفعها لاستخدام الأسلحة الكيماوية، ضد القوات الأوكرانية أو القادة السياسيين، أو حتى المدنيين العاديين، في محاولة لاستعادة الزخم والاستيلاء على المدن الرئيسية.

وحذر وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، روسيا من استخدام الأسلحة الكيماوية أو البيولوجية في النزاع، قائلا إنه سيكون هناك “رد فعل قوي من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي”.

وعبر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ينس ستولتنبرغ، عن قلقه من إمكانية أن تشن موسكو عملية سرية، تنسبها إلى غيرها، بأسلحة كيماوية”، مذكرا بأنها استخدمتها سابقا “ضد معارضين سياسيين”.

ويرى الرئيس البولندي، أندريه دودا، أن استخدام موسكو لتلك الأسلحة في أوكرانيا “سيبدل قواعد اللعبة” وسيدفع حلف شمال الأطلسي لإعادة التفكير في النزاع.

هل لديها أسلحة كيماوية؟

يقول موقع تابع للبرلمان البريطاني إنه أثناء الحرب الباردة، كان لدى الاتحاد السوفييتي أكبر مخزون من الأسلحة الكيماوية في العالم، بلغ، وفق منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، 40 ألف طن متري. وشمل ذلك غاز الأعصاب “في أكس” والسارين وغاز الخردل والفوسجين و”نوفيتشوك”.

ومع انتهاء الحرب الباردة، اتفقت روسيا والولايات المتحدة على التخلص من أسلحتهما البيولوجية والكيماوية بموجب معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية، وشرعا في تنفيذ هذا الاتفاق تدريجيا.

ودمرت موسكو 40 ألف طن متري من الذخائر الكيماوية (وهو ما بدا ظاهريا كل ترسانتها الكيميائية) في محارق خاصة ساعدت الولايات المتحدة في بنائها.

وفي سبتمبر 2017، أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية أن روسيا دمرت مخزونها من تلك الأسلحة بشكل يمكن التحقق منه. وظهر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في احتفال لتدمير آخر رأس حربي كيميائي.

لكن منذ ذلك الحين، اتُهمت روسيا بعدم الامتثال الكامل للمعاهدة بعدم تقديم إعلان كامل عن مخزونها إلى المنظمة.

وكان تقييم وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي أي إيه) أن روسيا لنم تعلن عن كامل مخزونها، وفق تقرير لصحيفة واشنطن نشر مؤخرا حول الأسلحة الكيماوية في روسيا.

وأكد مسؤولون حاليون وسابقون في الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي للصحيفة أن روسيا تمتلك منذ فترة طويلة مجموعة من هذه الأسلحة رغم التصريحات العلنية بأنها تخلصت منها.

وتبين أن المعامل العسكرية التي أنتجت غازات الأعصاب مثل “نوفيتشوك” استمرت في العمل، مستغلة ثغرة في المعاهدة تسمح بإنتاج كميات صغيرة من الأسلحة الكيماوية لأغراض دفاعية.

“نوفيتشوك”.. امتداد للحقبة السوفييتية

واستمرت روسيا في تطوير “نوفيتشوك” الذي اعتبر أكثر غازات الأعصاب “فتكا وسر دولة يخضع لحراسة مشددة” وأدخلت تحسينات عليه قبل استخدامه في محاولتي اغتيال معارضين بارزين اثنين على الأقل.

وتقول واشنطن بوست إن “نوفيتشوك” بمثابة جسر بين برنامج الأسلحة الكيماوية السوفييتي القديم وطموحات الكرملين المتطورة في القرن الحادي والعشرين، فهو “سلاح قتل مثالي في محاولات الاغتيال السرية من قبل أجهزة المخابرات الروسية”.

وفي سوريا، لعبت روسيا دورا غير مباشر بدعم قوات الرئيس السوري بشار الأسد، الذي استخدم الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين، وعرقلت محاولات في الأمم المتحدة لمعاقبته.

محاولة اغتيال سكريبال

في مارس 2018، اتهمت ابريطانيا روسيا بشن هجوم بالأسلحة الكيماوية على أراضي المملكة المتحدة ضد الجاسوس الروسي السابق، سيرغي سكريبال، وابنته يوليا.

وأصيب سكريبال وابنته بشدة وكذلك ضابط شرطة محلي، لكن الثلاثة تعافوا جميعا بعد العلاج المكثف.

في ذلك الوقت، عثر المحققون على قارورة عطر تحتوي على هذه المادة التي قالوا إنه تكفي للقضاء على بلدة صغيرة.

وقالت رئيسة الوزراء آنذاك، تيريزا ماي، إن المادة المستخدمة هي  “نوفيتشوك”، تم توجيه تهم إلى ثلاثة من عملاء المخابرات العسكرية الروسية، لكن موسكو نفت تورطها.

تسميم أليكسي نافالني

وفي أغسطس 2020، تورطت روسيا  للمرة الثانية في تسميم  زعيم المعارضة، أليكسي نافالني، باستخدام “نوفيتشوك” بعد إدخال تحسينات عليه.

وأعلنت بريطانيا والولايات المتحدة وحلفاء آخرون أنه لا يوجد تفسير معقول لعملية التسميم “إلا تورط روسيا ومسؤوليتها”، ودعت الكرملين إلى الإعلان عن برنامج نوفيتشوك لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية. لكن الحكومة الروسية نفت مرة أخرى تورطها.

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية في أبريل 2021 إن كلا الهجومين “يوضحان أن روسيا تحتفظ ببرنامج أسلحة كيماوية غير معلن عنه”.

وخلال اجتماع لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية في لاهاي في نوفمبر الماضي، قال المدير العام للمنظمة، فرناندو أرياس، إن روسيا تشكل “تهديدا خطرا” للجهود المبذولة عالميا للقضاء على تلك الأسلحة ، مضيفا أن “استخدام أسلحة الكيماوية على أراضي روسيا الاتحادية (في إشارة إلى استهداف نافالني) يشكل تهديدا خطرا للمعاهدة”.

هل تستخدمه في أوكرانيا؟

وأعرب قادة عسكريون غربيون عن قلقهم من أن تلجأ روسيا إلى استخدام الأسلحة الكيماوية في أوكرانيا، مع فشل الحملة في تحقيق أهدافها بسرعة.

ويشير تقرير واشنطن إلى أن لدى روسيا القدرة على تصنيع كميات كبيرة من الأسلحة الكيماوية بسرعة، إذا قررت ذلك.

وقال جون غيلبرت، الذي أشرف على فرق التفتيش الأميركية في روسيا: “يمكنهم صنع مئات الكيلوغرامات من غاز الأعصاب بسرعة إلى حد ما”.

وقد اتُهمت القوات الروسية بالفعل باستخدام الذخائر العنقودية والصواريخ الحرارية وقذائف الفوسفور الأبيض ضد أهداف مدنية في أوكرانيا.

“ذريعة للهجوم”

وتسعى موسكو، وفق مسؤولين،  لخلق ذريعة لاستخدام هذه الأسلحة، ويدلل على ذلك اتهامها أوكرانيا بتطوير أسلحة كيماوية وبيولوجية، بمساعدة الولايات المتحدة، وعقدت جلسة لمجلس الأمن لمناقشة ذلك، وهي اتهامات وصفها الأمين العام لحلف الناتو بأنها “سخيفة” وأعرب عن قلقه من أن “موسكو قد تشن عملية تتضمن أسلحة كيماوية”.

وتقول واشنطن بوست إن “كل محاولات روسيا المعروفة لاستخدام الأسلحة الكيماوية كانت مصحوبة بهجوم علاقات عامة. وبعد هجومي سكريبال ونافالني، أرسلت موسكو كبار المسؤولين الروس إلى الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الكبيرة مسلحين بإنكار قوي وقصص ملفقة سعت إلى إبعاد اللوم. ثم تكررت الروايات الكاذبة على وسائل الإعلام”.

وفي تصريح لواشنطن بوست، قال أندرو سي ويبر، وهو أحد كبار مسؤولي حظر انتشار الأسلحة النووية في البنتاغون خلال إدارة أوباما وخبير برامج أسلحة الدمار الشامل الروسية: “استخدمت روسيا الأسلحة الكيماوية، في زمن السلم في بلد أجنبي. إن الاعتقاد بأنهم قد يستخدمون الآن أسلحة كيماوية في أوكرانيا أمر منطقي تماما “.

ويعتقد الخبير في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية الفرنسية، أوليفييه لوبيك، أن استخدام أسلحة كيماوية في أوكرانيا لن يكون له “أهمية عسكرية كبرى إنما بُعد نفسي هائل”.

ويعتقد في تصريح لفرانس برس أن أي انتهاك روسي لبنود المعاهدة “سيكون إشكاليا” لأن ذلك سيعني أن موسكو كذبت منذ أعوام بشأن عدم امتلاك ترسانة كيماوية، “حتى لو كنا لانزال نطرح أسئلة بشأن حقيقة هذا الالتزام بعد محاولتي نافالني وسكريبال”.

ويقول إن ما حدث في سوريا يؤكد أنه سلاح “قد لا تكون له أهمية عسكرية كبرى إنما بعد نفسي هائل”، فقد استخدم لترويع السكان المدنيين وليس لتشجيع تقدّم هجومي للقوات العسكرية.

ويقول هاميش دي بريتون غوردون، وهو عسكري بريطاني متقاعد  إن “روسيا استوعبت درسا قويا حول كيفية استخدام الأسلحة الكيماوية لهزيمة حتى خصم كبير في المناطق الحضرية”.

وأضاف: “إذا لم تكن لديك أخلاق أو وازع، فستستخدم المواد الكيماوية.. عندما تقاتل وسط الأنقاض، يكون تأثير القنابل والرصاص محدودا، لكن الغاز قصة مختلفة”.

ويعتقد مسؤولون وخبراء تحدثوا لواشنطن بوست أن روسيا قد تحاول شن هجوم كيماوي سري، فبدلا من استخدام  “نوفيتشوك” قد تلجأ إلى الكلور لإبعاد القوات داخل المدن عن الحواجز، مثلما فعل نظام الأسد ضد معارضيه.