خيارات ميقاتي بعد عزوفه عن الانتخابات وكيف سيتموضع؟

بعدما حسم رئيس الحكومة #نجيب ميقاتي عدم خوضه #الانتخابات النيابية المقبلة المقرّر إجراؤها بعد أقل من ستين يوماً، تُطرح الأسئلة عن خياراته، وهو بات رقماً صعباً في المعادلة الداخلية، وربما الاقليمية، في ظلّ مماشاته لتوجّه الرئيس سعد الحريري ورؤساء الحكومات السابقين.

يدرك رئيس الحكومة أن أمامه الكثير من التحدّيات ولا سيما أن المقارنة لا يمكن أن تنسحب كلياً اليوم على تجربته كرئيس حكومة في أيار عام 2005 يوم عزف عن الترشّح وقرّر أن تشرف حكومته على أول انتخابات بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما اكتنف تلك المرحلة الصعبة في تاريخ لبنان من تحدّيات مصيرية على أكثر من صعيد.




وإذ قرّر ميقاتي التخلي عن الترشّح، وإن كان يطمح لإبقاء “تيّار العزم” ضمن الندوة البرلمانية من خلال دعمه لمرشحين سواء ممّن كانوا على لائحته عام 2018 أو ممّن سيخلف بعض نوّابه ولا سيما النائب الراحل جان عبيد، فإن صاحب الصبر الطويل سيواجه صعوبات في كيفية مقاربة المرحلة المقبلة في ظل غياب الممثل الأقوى للسنة عن الساحة السياسية، وكيف سينسج الرجل علاقاته لمرحلة ما بعد الانتخابات وخصوصاً أنه بات من أبرز المرشحين لرئاسة حكومة ما بعد الانتخابات وذلك لاعتبارات جمّة.

تقول مصادر مواكبة للشأن الحكومي لـ”النهار” إن ميقاتي لن يكون في موقع الصدام مع أيّ مكوّن بعد الانتخابات وإن كانت علاقته مع “حزب الله” مرّت بقطوع عقب الردّ المباشر وغير المسبوق من رئيس حكومة على الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله خلال انتقاد الأخير للرياض، وتزامن ذلك مع ما عُرف بالمبادرة الخليجية التي وضعتها دول الخليج كشروط لإعادة العلاقات الى طبيعتها بين مجلس التعاون الخليجي ولبنان. وحينها لم يتأخّر ردّ الحزب عبر أبرز نوابه حسن فضل الله وما حمله ذلك الردّ من تباعد بين حارة حريك والسرايا الحكومية، الى أن هدأت الأمور وزار المعاون السياسي للأمين العام للحزب حسين الخليل ميقاتي وجرى “غسل قلوب بين الطرفين”.

المرشح التوافقي للحكومة

يُفترض أن رؤساء الحكومات السابقين أو على الأقل ثلاثة منهم، قد يسلّمون بعودة ميقاتي الى رئاسة حكومة ما بعد الانتخابات وذلك تماشياً مع قرار الحريري الابتعاد عن الحياة السياسية، ولاقى الأمر قبولاً على الأقلّ لدى الرئيس تمام سلام الذي كان أول من أعلن عزوفه عن خوض الانتخابات من خلال بيان صريح في الكثير من التصالح مع الذات ومع متطلبات المرحلة.

وأيضاً الرئيس فؤاد السنيورة لن يكون مرشّحاً توافقياً ولا سيما أن علاقة الرجل بقوى الثامن من آذار وخصوصاً “حزب الله” ليست على ما يُرام ولا يبدو أنها ستكون جيّدة في الفترة المنظورة. وبناءً على ذلك يبقى ميقاتي المرشح الأكثر قدرة على تدوير الزوايا ولا سيما في الأشهر الأخيرة من عهد الرئيس ميشال عون، عدا أن ميقاتي ليس في وارد تكرار تجربة السنيورة ولا سيما عامي 2006 و2008 إضافة الى أنه لن يقترب من منح نفسه دوراً قيادياً صدامياً في مرحلة تشهد الكثير من المتغيّرات داخلياً وإقليمياً وعالمياً.

وتضيف تلك الأوساط المواكبة أن ميقاتي لن يتطوّع لدور انسحب منه الحريري سواء بإرادته أو استجابة للمتغيّرات التي حاصرت زعيم التيّار الأرزق منذ 4 تشرين الثاني عام 2017. ولا يبدو أن رئيس الحكومة في وارد التخلي عن كتلة نيابية من 4 الى 5 نواب تكون سنده في البرلمان عندما يحتاج إليها ولا سيما أن معارضي الحكومة والسلطة سيكون لهم دور كبير في ظل تصاعد الأزمات المعيشية والاقتصادية والاجتماعية، والتربة ستكون خصبة إما للمطالب المحقة أو حتى للمزايدات الشعبوية التي حتماً ستصيب رئاسة الحكومة باعتبارها المسؤولة عن رسم السياسات العامة.

وأيضاً قد يكون من أسباب عزوف ميقاتي عدم وجود شخصيات وازنة انخرطت في المنافسة النيابية وإن كان الرجل يحتفظ بعلاقات متينة مع آخر رجالات السياسة الحاليين المحترفين وفي مقدمهم صديقه رئيس المجلس نبيه بري ونائبه إيلي الفرزلي.

وربّ قائل إن عدم خوض ميقاتي الانتخابات المقبلة سيعطي صدقية أكبر لتلك الانتخابات على خلاف الانتخابات الأخيرة حين كان رئيس الحكومة ووزير داخليته مرشّحين للانتخابات فيما بات المشهد اليوم مختلفاً، فلا رئيس الحكومة مرشح ولا وزير الداخلية مرشح، وبالتالي سيضفي ذلك صدقية أكثر للحكومة في إدارتها العملية الانتخابية.

وفي المحصلة اختار ميقاتي الحياد في الانتخابات وذلك الحياد الإيجابي في معركة مناهضة “حزب الله” من قبل من يقدّم نفسه كخليفة أو وريث للحريرية السياسية، مع تمسّك الرجل برفض الفتنة مهما كانت الأثمان التي سيدفعها وإن كان عام 2011 قد دفع ثمناً باهظاً وربما لا تزال تداعيات اليوم الأسود في 25 كانون الثاني من ذلك العام تلاحق ابن طرابلس.

كذلك يدرك ميقاتي أن تسمية رئيس الحكومة عادة ما تخضع لتوازنات البرلمان المقبل وتمثل القوى السياسية فيه مع وضوح التموضعات بين أكثرية وأقلية، وربما ستظهر كتلة وسطية قد يكون دورها حاسماً في الاستحقاقات المقبلة.

ومن نافل القول إن رئيس الحكومة المقبل سيكون صمام أمان لواقع البلد مع عدم وضوح صورة المشهد بعدما دخل العهد أشهره الأخيرة، وأيضاً ما لا يغيب عن بال ميقاتي أن تسمية رئيس الحكومة عملياً تخضع لوقائع غير منظورة أكثر منها للوقائع المنظورة.




النهار