البنوك اللبنانية عالقة بين إكراهات الأزمة المالية وحقوق المودعين

تزايدت الضغوط على المؤسسات المصرفية العاملة في لبنان في أعقاب أوامر قضائية بتجميد أصول سبعة بنوك ضمن ثلاثة إجراءات قانونية منفصلة منذ منتصف هذا الشهر بسبب رفضها الإفراج عن الودائع.

ودفعت هذه القرارات البنوك إلى ممارسة ضغوط على الحكومة ومصرف لبنان المركزي من أجل الإسراع في حل هذه الوضعية المعقدة قبل أن تتجه إلى الأسوأ.




وكشف مصدر مصرفي كبير لوكالة رويترز ووسائل إعلام محلية الجمعة أن مصارف البلاد ستنظم إضرابا لمدة يومين بدءا من الاثنين المقبل لحث الحكومة على التحرك قبل فوات الأوان.

وكان فرنسبنك اللبناني آخر ضحايا التقاطعات حيث أصدرت محكمة في بيروت الأربعاء الماضي قرارا يقضي بتجميد أصول البنك عن قضية رفعها أحد المودعين كان يسعى للإفراج عن أموال محاصرة في النظام المصرفي منذ عام 2019.

وفي نهاية الشهر الماضي أمرت محكمة في لندن بنك عودة، وهو أحد أكبر بنوك لبنان، وبنك سوسيتيه جنرال لبنان بدفع أربعة ملايين دولار لأحد المودعين من الأموال المحبوسة في النظام المصرفي.

وأمرت المحكمة البنكين بدفع الأموال التي تبلغ نحو 1.1 مليون دولار و2.9 مليون دولار على الترتيب إلى المدعي فاتشيه مانوكيان.

ولا تزال أكثر من 100 مليار دولار حبيسة في نظام مصرفي مصاب بالشلل منذ أكثر من عامين، عندما انهار الاقتصاد اللبناني بسبب الإنفاق الحكومي غير المستدام والفساد والهدر على مدى عقود.

ومنذ ذلك الوقت لم يتمكن معظم المدخرين من الحصول على أموالهم، حيث فرضت البنوك قيودا على عمليات السحب والتحويلات إلى الخارج.

كما أغلقت البنوك العديد من الحسابات بالدولار في الدولة عن طريق إصدار شيكات لا يمكن صرفها. وبدلا من ذلك تُصرف في السوق بجزء بسيط من قيمتها الاسمية.

وتشير خطة حكومية كشفت عن تفاصيلها رويترز في فبراير الماضي أنها ستعيد 25 مليار دولار مقومة بالعملة الأميركية من بين نحو 104 مليارات دولار من الودائع بالعملة الصعبة إلى المودعين في غضون 15 عاما.

ومع فرض القطاع المصرفي طيلة الأشهر الماضية قيودا متصاعدة على سحب الأموال، لا يمكن للمودعين في بعض البنوك سحب أكثر من 800 دولار شهريا.

وامتدت القيود بعد ذلك حتى على سحب الليرة التي يشكل فك ارتباطها بالدولار كابوسا للمسؤولين نظرا لكونها شريان الحياة بالنسبة إلى نشاط المصارف.

ولم يتمكن أصحاب الودائع بالدولار إجراء سحوبات نقدية إلا بتحويلها إلى الليرة وبسعر صرف أدنى بكثير من المتداول به في السوق السوداء.

وعمقت التدابير التي فرضتها السلطات لمكافحة الجائحة الأزمة القائمة في بلد يشهد فيه المودعون تهاوي قيمة مدخراتهم بسبب ارتفاع الأسعار وضعف العملة المحلية وفرض قيود وصلت في بعض الأحيان إلى السماح بسحب مئة دولار في الأسبوع.

وكانت المصارف اللبنانية البالغ عددها 65 مصرفا تشغل 1045 فرعا مصرفيا بدأت العام الماضي في إجراءات تهدف إلى تقليص نفقاتها وإغلاق بعض فروعها بعد أن طلب المصرف المركزي منها زيادة رؤوس أموالها بنسبة 20 في المئة.

وفي ظل غياب أي قانون لمراقبة رأس المال في لبنان، بدأت البنوك في فرض قيود غير رسمية على عمليات السحب والتحويلات إلى الخارج مع انهيار النظام المالي في البلاد بعد سنوات من الفساد والهدر وتطبيق سياسات مالية غير مستدامة.

وحتى الآن لم يتم إضفاء الطابع الرسمي على هذه الضوابط من خلال إقرار تشريعات وتم الطعن فيها أمام المحاكم المحلية والدولية، وكانت النتائج متباينة.

ويشكل إصدار قانون لمراقبة رأس المال مطلبا أساسيا يتعين على لبنان تلبيته لإحراز تقدم في محادثات صندوق النقد الدولي للحصول على حزمة من المساعدات.

مع فرض القطاع المصرفي قيودا متصاعدة على سحب الأموال، لا يمكن للمودعين في بعض البنوك سحب أكثر من 800 دولار شهريا

ودعت البنوك الحكومة مرارا إلى إصدار قانون للرقابة على رأس المال، لكن في ظل غياب الضوابط الرسمية مُنعت إلى حد بعيد عمليات سحب الدولار وتحويلاته إلى الخارج، مما أثار العديد من الطعون القانونية التي تباينت نتائجها.

وكانت جمعية المصارف اللبنانية قد طالبت السلطات هذا الأسبوع باتخاذ كافة القرارات العاجلة اللازمة لوقف المخالفات القانونية واتخاذ التشريعات اللازمة للتعامل مع الأزمة المالية والنقدية الحالية وعلى رأسها قانون “الكابيتال كونترول”.

وقالت رئيس الجمعية سليم صفر في بيان إن مطالبها تأتي “انطلاقا من واجبها في المساهمة في حماية الأمن الاجتماعي والاقتصادي، ونتيجة لتمادي بعض الجهات في مخالفة القوانين والاستمرار في الممارسات التعسفية التي تؤدي إلى الفوضى القضائية”.

وتصاعدت مزاعم سوء السلوك المالي ضد أعضاء النخبة في أعقاب الانهيار المالي للبلاد عندما فرضت البنوك قيودا صارمة على حسابات العملة الصعبة لمعظم المدخرين ومنعت تحويل النقود إلى الخارج.

لكن البعض من الخبراء والمطلعين على كواليس النظام المالي في لبنان يقولون إن بعض الأشخاص من ذوي النفوذ كانوا قادرين على الوصول إلى الأموال بحرية أكبر.

وبعد أشهر من تلك الإجراءات بدأ المودعون في رفع دعاوى قانونية متّهمين المصارف بالإهمال والاحتيال وسط مخاوف من تبدد مدخراتهم. لكن البنوك نفت ارتكاب أي مخالفات وأكدت مرارا أن الودائع في أمان.