كيف ينظر “حزب الله” إلى الواقع المضطرب للساحة السنّية؟

ابراهيم بيرم – النهار

كما كلّ المعنيّين من قوى وشخصيات مشتغلة بالشأن العام وبمستقبل البلاد السياسي ، يقف “#حزب الله” موقف الراصد لحال الاضطراب الذي تشهده الساحة السنّية بعد إشهار الرئيس #سعد الحريري قراره الشهير والمدوّي بالعزوف عن أيّ فعل سياسي وانتخابي ترشيحاً أو تزكية أو دعماً لأيّ لوائح، والمقرون مباشرة بقرار تجميد أنشطة تيّار المستقبل.




والحزب حسب مصادر على صلة بدوائر القرار فيه ينفي ما يشيعه البعض من أنه يبدي شماتة بمآلات “التشرذم” التي فعلت فعلها في عجالة في مكوّن أساسي من مكوّنات المشهد اللبناني الطائفي والسياسي، ولايكتم أنه لم يكن من الأساس يرغب في معاينة هذا المشهد المنطوي ضمناً على مزيد من عناصر التفتّت لكلّ المشهد السياسي اللبناني الذي تعوزه أكثر ما يكون عناصر الثبات والتماسك والتقاط الأنفاس بحثاً عن حلول وتفتيشاً عن تسويات تعيد توازنه وتنقذه من حائط الانسداد الذي بلغه في الآونة الأخيرة.

وبناءً على ذلك فإن القيادة السياسية العليا في الحزب قد استشعرت مبكراً، وفق المصادر عينها، كلّ تلك المخاطر الكامنة وراء قرار العزوف الذي هو عملياً أشبه ما يكون بـ”إضراب سياسي”. وبمعنى أوضح استشعرت أن ثمة من سينبري بطبيعة الحال ليضيف تلك الأزمة الفارضة نفسها بقوة على الساحة السنية، الى جملة الأزمات التي تعصف بالبلاد ويسارع كثر الى تحميل تبعاتها ونتائجها للحزب ونهجه حصراً.

وبناءً على هذا، كان الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله أول المبادرين الى الإعراب علانية عن أسفه لقرار الحريري الاعتزال والعزوف وقرن ذلك بإطلاق نداء إليه للتراجع عن قراره هذا والعودة الى ساحته قائداً وفاعلاً.

ولم يكن ذلك الموقف من منطلق “مزايدة أو تبييض وجه أو استثمار سياسي” بقدر ما كان منطلقاً من مصلحة سياسية وواقعية يجد الحزب ترجمتها الموضوعية في استمرار الرئيس الحريري بما يمثله لاعباً أساسياً على ساحته. وذلك من خلال اعتبارين أساسيين:
الأول أن الرئيس الحريري مذ عاد الى بيروت بعد فترة غياب استمرّت ما يفوق عامين، شرع في فتح أبواب الحوار مع الحزب وقد تجسّد ذلك عملياً في جلسات الحوار الطويلة التي شهدتها أروقة عين التينة. وقد أقبل الحزب على المشاركة فيها. ورغم أن الحريري جعل لها شعاراً سلبياً هو “ربط النزاع” فإنها في خاتمة المطاف أرست أسس تجربة شراكة جديدة ولو من موقع الضدّ والنقيض خصوصاً أن هذا الفعل الانفتاحي من جانب الحريري قد اقترن مع كلام أدلى به في مجالسه الخاصّة ومفاده أن من غير العقلاني أن أحداً يريد أن يعمل سياسة في لبنان ويظلّ على هذا المستوى من القطيعة والعداوة مع الحزب.

ولذا بادر الحزب الى الرد على التحيّة الآتية من صوب بيت الوسط بأحسن منها وتحديداً على شكل تفاعل وتجاوب، وعلى ذلك ثمّة شواهد وأدلة معلومة، منها ما ورد على لسان الحريري نفسه.

الثاني: أن في تقييم الحزب الداخلي أن وجود الرئيس الحريري حاضراً وفاعلاً في ساحته هو بشكل أو بآخر عنصر من عناصر شبكة الأمان التي ينشدها الحزب له ولكي يستقيم المشهد السياسي في لبنان عموماً.

لذا فإنه بناءً على كل تلك المقدّمات لا يخفي الحزب تقييماً ضمنياً عنده فحواه أن من العناصر والعوامل التي سرعت في الدفع القسري للحريري الى الخروج من المشهد هو انفتاحه على الحزب ومبارحته لنهج مناوشة الحزب وهو النهج الذي سلكه بعد اغتيال والده.

وفي تقديراته الضمنية للأسباب التي حدت بالحريري أخيراً الى الخروج من ساح الفعل السياسي على هذا النحو ومن ثم محاولات لملء الفراغ المدوّي بذلها البعض ممّن هم أصلاً من “حاشية” الرئيس الحريري، سببان:

الأول أن الحريري يريد أن يثبت لمن يعنيهم الأمر في الخارج والداخل على حدّ سواء، أنه هو الآمر الناهي في ساحته سواء كان في قمّة السلطة أو خارجها.

والثاني: أن هذا الخروج المتلازم مع قطع الطريق أمام “أقوياء” آخرين مؤهّلين لأداء دور زعاماتي أو العمل على وراثة الزعامة الحريرية وإن على نحو موقت وترك الفوضى والضعف سيدة هذه الساحة، من شأنه أن يفتح الباب لاحقاً أمام التشكيك في القوة التمثيلية لأيّ مجموعة نواب سنّة جدد واستتباعاً بنتائج الانتخابات المرتقبة وهو ما يمكن اعتباره لعبة استخدام ورقة استراتيجية في إطار خدمة أهداف تكتيكية داخلية، وهي قد تقود لاحقاً الى التلويح بورقة فقدان الميثاقية، وهي تالياً تؤدّي الى جعل الساحة السنّية واقعاً وتمثيلاً تحت سيف التشكيك.

وهذا الاستنتاج الاحتمالي يفسّر برأي المصادر تلك حملة الضغوط الشعواء التي بلغت حدّ التهديد بإنزال الحرم الذي مورس في الأيام القليلة الماضية خصوصاً على الرئيس فؤاد السنيورة وحال دون ترشّحه في اللحظة الأخيرة خصوصاً أن الرجل كان قد هيّأ لمعركته شعاراً جاذباً وهو منع الحزب والآخرين من استغلال الفراغ للنفاذ الى فناء الساحة السنّية من جهة والقبض على ناصية الأكثرية النيابية من جهة أخرى.

وبلاغة الأمر أن تلك المصادر تقرّ ضمناً بأن “انتفاضة” الرئيس الحريري هي رسالة مشفرة موجّهة الى الخارج والجهات التي تعمل منذ زمن على إقصائه، لذا فإن أحداً لا يجوز له أن يحمّل الحزب أو أيّاً من حلفائه المسؤولية عن هذا المآل لهذه الساحة وما حلّ فيها من “اضطراب”.

أما هل المخاوف التي يطلقها البعض ويعظّمها البعض الآخر من أن يكون غياب الحريرية السياسية والدعوة المقنّعة لمقاطعة سنّية لصناديق الاقتراع وخفض منسوب المقترعين، باباً لدخول الحزب وقوى أخرى الى هذه الساحة، ففي الأمر نوع من الترهيب والتهويل لأن الحزب ما عمد يوماً الى فرض مرشّحين على هذه الساحة، فجلّ ما أقدم عليه سابقاً واليوم هو التحالف الانتخابي مع قوى وشخصيات سنّية لها حيثيتها وتاريخها وحضورها النضالي قبل أن يولد الحزب، وهو حق مشروع أقدمت عليه كل القوى.

ومع ذلك فإن الحزب لا يخفي رغبته في الحصول مع مكوّنات حلفه ومحوره على أكثرية نيابية، فذلك حق سبق أن مارسته قوى 14 آذار مرتين وحققت فيها أكثرية مريحة. وفي كل الأحوال تختم المصادر عينها أنه يوم كانت الأكثرية بيد هذا الفريق واجه الحزب ومحوره بصبر، وعندما آلت إليه الأكثرية في الانتخابات الماضية لم يصبه جنون العظمة ولم يجهد لإلغاء الآخرين.