السُنَّة واللعب على حافة الهاوية

طوني عيسى – الجمهورية

أما وقد سلكت الانتخابات طريقها- مبدئياً- فقد حان الوقتُ للكلام الجِدّي: مَن سيُمثِّل الطائفة السُنّية بعد خروج أركانها الأساسيين جميعاً من اللعبة؟ وأيُّ لُغزٍ يكمن وراء هذا الخروج المبرمج؟ وأياً يكن النواب السُنَّة الذين ستفرزهم الانتخابات، هل ستكون لهم مشروعية لتمثيل الطائفة؟




يمكن طرح السؤال معكوساً: ماذا لو، لأسباب معيّنة أياً كانت، قرَّر “حزب الله” وحركة “أمل” عدم خوض الانتخابات النيابية؟ بالتأكيد، كان يجب اللجوء إلى أحد خيارين: إما إقناعهما بالعودة إلى الانتخابات، وإما تأجيلها حتى معالجة الأسباب وتمثيل الطائفة الشيعية في شكل “دقيق”، ما يحفظ “الميثاقية الطوائفية”.

أيضاً، عندما فرضت الظروف تغييب القادة المسيحيين الأساسيين (عون، جعجع، الجميّل، شمعون…) عن المسرح السياسي في لبنان، بين مطلع التسعينات من القرن الفائت و2005، تعاطى المسيحيون مع كل طواقم الحكم التي مرّت في تلك المرحلة باعتبارها غير شرعية، واعتبروا أعمالها وممارساتها غير مشروعة ميثاقياً. وحتى اليوم، ما زالت قائمة ترسبات تلك المرحلة.

تعني هذه المقاربة أنّ المطلوب اليوم، وقبل أي أمر آخر، وتحديداً قبل الدخول في أي انتخابات، معالجة الأسباب التي أدّت إلى هذا المأزق الميثاقي. فأي طائفة لبنانية تقع في مأزق مماثل يجب مساعدتها للخروج منه، أياً كان حجم هذه الطائفة ودورها وموقعها الميثاقي. فكيف إذا كانت الطائفة السنّية، الأكبر عدداً في لبنان بموقعها الوازن ودورها التأسيسي؟ لا يعني هذا التحليل أنّ الطوائف مكرَّسة لزعمائها، فإذا غابوا بَطُل التمثيل الصحيح. وفي الواقع، إنّ غالبية زعماء الطوائف في لبنان فرضوا أنفسهم عليها بالطرق غير المشروعة. إما بالقوة والأمر الواقع العسكري، وإما بالوراثة السياسية أو العائلية. وغالبيتهم نماذج فاقعة للفساد، ووجودُهم هو الذي يتسبَّب بتكرار الفتن والمجازر الطائفية والمذهبية. والحلّ المناسب هو أن يُبَدَّل هؤلاء جميعاً.

لكن الخلل الذي يعتري الوضع السنّي حالياً هو من طبيعة أخرى. فغياب الزعماء الطائفيين السنّة يصبُّ في مصالح زعماء طائفيين من ألوانٍ أخرى، تحت وطأة الظروف الداخلية والإقليمية. ولو كان ابتعاد الزعماء السنّة يصبّ في مصالح قادةٍ يتمتعون بالنزاهة الوطنية والتجرُّد والثقة، لكان مناسباً قبولُ هذا الوضع واستثماره لإكمال عملية التغيير بحيث تشمل الطوائف الأخرى.

على أرض الواقع، إذا جرت الانتخابات النيابية وزعماءُ السنّة غائبون، فستقفز إلى الواجهة شرائح من المرشحين ذات حيثيات محدودة نسبياً في معظم الأحيان، وكثيراً ما تحرِّكها قوى طائفية أخرى، متنازعة أحياناً. وسيضطر الناخب السُنّي إما إلى الاقتراع لها، وإما إلى التمثّل بزعماء الطائفة المقاطعين، فيقاطع الانتخابات. وفي الحالين، ستكون هناك فجوةٌ في التمثيل السنّي. وبالتأكيد، هي تبرِّر الطعن بسلامة العملية الانتخابية ويمكن أن تنسف نتائجها.

ليس منطقياً أن يتجاهل القادة الطائفيون، المسيحيون والشيعة والدروز، غياب القادة الطائفيين السُنّة ويقفزوا فوق المآخذ والاعتراضات التي دفعتهم جميعاً إلى الاستنكاف. ولتتذكَّر كل طائفةٍ أنّ دورها مرَّ ذات يوم أو أنه سيمرُّ، وأنّ الظروف التي تتحكّم بالبلد ستتبدّل أو تنقلب حتماً، ومن الحكمة وطنياً أن يحفظ الجميع خطوط العودة… هذا إذا كان يُراد للبلد أن يبقى موحّداً ولطوائفه أن تتعايش!

ولعلّ السؤال الأكثر غباءً أو استغباءً هو الآتي: مَن أجبر زعماء السُنّة على الابتعاد؟ ولماذا لا يعودون ويفرضون أنفسهم على الساحة، ما دامت القوى الطوائفية الأخرى جميعها ترحِّب بوجودهم؟

فالجميع يعرف المناخات التي فرضت على القوى السنّية هذا الموقف، بتشجيع من الرعاة الإقليميين. وهل يحتاج الأمر إلى التذكير بأنّ الخلل المتمادي في أساس الواقع السياسي والطائفي والمذهبي هو الذي أوصل إلى الحائط المسدود؟

في أي حال، تبدو الاحتمالات التي يطرحها نائب رئيس تيار “المستقبل”، الدكتور مصطفى علوش، في موقعها تماماً. يقول: “نحن في انتظار متغيِّرات كبرى ستأتي حتماً. فلنتخيَّل أننا ذهبنا إلى مؤتمر دولي، وطني، تأسيسي، أو سوى ذلك… ونِصفُ نواب السنّة هم أعضاءٌ في كتلة لـ”حزب الله”، فما معنى ذلك”؟ ويحذّر علوش من أن يؤدي الانكفاء السنّي إلى زيادة حجم “الحزب” في المجلس النيابي، فترتفع الغالبية التي يقودها من 72 نائباً إلى 86، أي الثلثين. “وفي هذه الحال، هو لن يحتاج إلى تغيير الدستور، إذ سيتمكن من حكم البلد بالدستور الحالي، فيأتي برئيسٍ للجمهورية هو دميةٌ جديدة، وكذلك برئيسٍ للوزراء وقائدٍ للجيش”.

طبعاً، يطرح علوش هذه الهواجس على مستوى توازنات القوة بين المحاور السياسية، أي إنّ محور إيران سيمتلك القدرة على حسم المعركة داخلياً وإسكات أي صوت معارض. ولكن، على مستوى التوازنات الطائفية والمذهبية، ستكون الطائفة السنّية قد “هُزِمت” بالمعنى الميثاقي أمام طوائف أخرى.

السؤال الأول هنا: هل القرار بابتعاد الزعماء السنّة عن الانتخابات دُرِس جيداً، بحيث لا يقود إلى إضعاف الطائفة بشكل خطير لمصلحة طوائف وقوى سياسية أخرى؟ وهل سيكون سهلاً إرجاع حجم الطائفة إلى طبيعته ذات يوم؟ وأما السؤال الثاني فهو: هل هناك أمرٌ يخبّئه ذوو هذا القرار؟ وهل يكون مبرراً لإظهار أنّ الطائفة السنّية لم تشارك في بالانتخابات وما سينتج عنها، أو إنّ هؤلاء يملكون معلومات مفادها أن لا انتخابات نيابية في الموعد المحدَّد؟ سيكون مناسباً الانتظار لتتبلور الصورة. ولكن، أياً يكن الجواب، فالخروج الدراماتيكي لزعماء السنّة عن خشبة المسرح، في ظل المعطيات الراهنة، يبقى من نوع اللعِب على حافة الهاوية.