أوروبا واللاجئون الأوكرانيون – محمد كريشان – القدس العربي

مع الحرب الروسية على أوكرانيا وجدت أوروبا نفسها أمام تحدٍ غير مسبوق، ليس فقط بالمعنى الاستراتيجيي والعسكري وإنما أيضا بالمعنى الإنساني والمجتمعي مع هذا التدفق الكبير والمتواصل للاجئين الأوكرانيين نحو دولها المختلفة.

وسائل الإعلام الأوروبية انشغلت منذ بداية الحرب بتطوراتها الميدانية وانعكاساتها المحتملة على مستقبل القارة ثم سرعان ما التفتت أيضا إلى معاناة مئات الآلاف الذين حلّوا بينهم، مع تساؤلات عديدة حول المدى الزمني الذي يمكن أن تصله إقاماتهم واستحقاقات ذلك.




من وصل من هؤلاء اللاجئين يتجاوز بعشرة أضعاف من كان وصل عام 2015 من أفغانستان وسوريا والعراق وهو ما حدا بوزراء داخلية دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين لأول مرة في التاريخ إلى تفعيل نظام “الحماية المؤقتة” الذي كان تم إقراره في أعقاب حرب تفكك يوغسلافيا السابقة أواسط التسعينيات وما صاحبها من موجة هجرة واسعة هربا من حرب إبادة عرقية كريهة. وضع هذا النظام عام 2001 حتى تكون أوروبا جاهزة، وبتنسيق كامل بين دولها، للتعامل السريع والناجع مع أي مشهد مشابه في المستقبل.

“مع اللاجئين الأوكرانيين وجد الأوروبيون معنى الاستقبال” هكذا كتبت “لوموند” الفرنسية فوفق هذا النظام الذي لم يجرّب من قبل بإمكان الأوكرانيين دخول دول الاتحاد حتى دون وثيقة سفر، والبقاء فيها بترخيص إقامة طويل المدى، دون الحاجة إلى التقدم رسميا بطلب لجوء، مع السماح لهم بالعمل والتمتع بالخدمات الصحية والتعليم، وإمكانية الحصول على المساعدات المالية والاجتماعية من الحكومة، وكذلك الانتقال بين مختلف دول الاتحاد دون تأشيرة لفتح المجال لتوجه عدد هام إلى المناطق التي توجد فيها جاليات أوكرانية أكبر من غيرها.

اللافت أن بعض المسؤولين الأوروبيين سارعوا إلى الاصداع بحقيقة مواقفهم من مثل هذه الهجرة، حتى قبل أن تزداد اتهامات المعايير المزدوجة الموجهة إليهم كثافة وحدة، فهذا الوزير الأول المجري القومي المتشدد فيكتور أوربان يمضي شارحا الفرق بين تعامل بلاده الحالي مع اللاجئين الأوكرانيين وبين تعاملها عام 2015 مع اللاجئين السوريين والأفغان فيقول “نحن نعرف الفرق بين مهاجر ولاجئ. المهاجرون نوقفهم أما اللاجئون فنقدم لهم كل المساعدة التي يحتاجونها” ثم إن المجر التي يستحيل فيها تقريبا التقدم بطلب لجوء على أراضيها هي نفسها من أقرت مؤخرا مرسوما لحماية آلية للأوكرانيين.

وفي مقال جريء لها مضت “لوموند” في استعراض مفارقات أخرى لعدد من الدول الأوروبية فالتغير الذي طرأ على الدنمارك مثلا كان لافتا، فمع أن رئيسة الوزراء الاجتماعية الديمقراطية مته فريدريكسن حددت “صفر لاجئ” هدفا لها إلا أننا رأينا وزير الهجرة في حكومتها يصدر سلسلة قرارات تسمح للأوكرانيين بمجرد وصولهم بالحصول على حق العمل وتعليم أولادهم وتلقي مساعدات في وقت تم فيه في الأشهر الماضية إلغاء إقامات مهاجرين سوريين وطرد لاجئين أفغان فضلا عن سن قانون جديد يعقّد إجراءات اللجوء أكثر.

أما في اليونان، فترصد الصحيفة مفارقات أخرى، فقد دعت وزيرة الهجرة إلى التضامن مع “اللاجئين الحقيقيين” في نفس اليوم الذي عثر فيه على جثث ستة أشخاص كانوا يحاولون دخول البلاد عبر شاطئ جزيرة لاسبوس، كما أن اليونان نفسها هي من ألغت عام 2019 مساعدات الإسكان للاجئين رسميين مسجلين لديها مع حرص على تصنيف كل راغب في اللجوء على أنه “لاجئ اقتصادي” لا تتعامل معه الجهات المسؤولة بمنطق ما إذا كان يستجيب لمعايير اللجوء أم لا وإنما بمقاربة أخرى تحرص على معرفة ما إذا سيكون اللاجئ في خطر أم لا لو جرى ترحيله إلى تركيا التي غالبا ما يكون قد جاء منها.

هذه المرة تجد أوروبا نفسها أمام تحد غير مسبوق، مع أنها كانت مستعدة له، فقد بات واجبا عليها، وليس منّة أو تفضلا، أن توفر لكل اللاجئين الأوكرانيين كل مقومات الحياة الكريمة، ولهذا لن نسمع في نشرات الأخبار عن معسكرات لجوء أو مخيمات رثة في ظروف طبيعية قاسية أو تعطل إجراءات دخول وطوابير انتظار ولا غير ذلك. وفوق ذلك، ستجد الدول الأوروبية نفسها أمام رهانات غير معلومة للتجاوب مع “وضعية غير متوقعة وتزداد توسعا مع الأعوام” حسب تعبير القناة التلفزيونية الفرنسية الإخبارية (بي أم أف) لأنه إذا استمرت الحرب فقد “تتحول هجرة اللجوء الحالية إلى هجرة عمل وإقامة دائمة”.

“أوروبا تقف بجانب كل من يحتاج إلى حماية”. هكذا صرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وأن “كل من يهرب من قنابل السيد بوتين مرحب به في أوروبا”. إلى حد الآن تبدو أوروبا ناجحة في رفع التحدي الإنساني الذي فرضته حرب أوكرانيا لكن من الصعب الجزم من الآن ما إذا كانت ستنجح في امتحان تحمل استمرار هذا الوضع لسنوات طويلة مقبلة، ويكفي هنا أن نستحضر عدد المدارس التي على الدول الأوروبية توفيرها، وعدد المدرّسين الواجب توظيفهم، حتى يستمر أطفال أوكرانيا في تعليمهم.