سمير عطا الله

الحروب مدافن كبرى – سمير عطالله – النهار

ليس للبحر شفقة ولا معنى”
تشيكوف

“لم يكن هناك موت معلن اكثر من هذا”. هكذا يبدأ غابرييل غارسيا ماركيز روايته القصيرة “وقائع موت معلن سلفاً”. فقد اعتدى سانتياغو نصار على شرف عائلة فيكاريو، عندما قضى وطره من الأبنة انجيلا، ولما اكتشف عريسها الشرعي ذلك العار في الليلة الأولى من شهر العسل، اعادها الى امها، التي ضربتها، واوكلت قتل سانتياغو الى ابنيها التوأمين. ولما كان التوأمان جزّارين في مسلخ الخنازير، فقد اعد كل منهما سكينه الخاصة.




فلاديمير فلاديموروفيتش اعلن موت اوكرانيا، وبعدها بدأت التفاصيل. أو الفصول. كل يوم فصل آخر، لكن المنطلق لا يتغير: اوكرانيا هي التي اعتدت على #روسيا. هي التي لوثت شرفها. هي التي تحرك الأسلحة النووية. ولذا اقتضى احتلالها. الباقي “وقائع موت معلن مسبقاً”. مضت عمليات التأديب السابقة في الحوض الروسي القديم، على نحو خاطف وفي كلفة لا تُذكر. لكن الرجل الذي يعرف تاريخ الجوار، وتاريخ تاريخه، اظهر ان التقارير التي ترسل إليه للاطلاع، إما انها خاطئة وإما أنه لم يطّلع عليها. فقد سئم بعد كل هذه السنين، من هذه المهمة المقززة. ادغار هوفر، مدير الـ اف. بي. آي الشهير اكتشف علاجاً مضاداً لسأم الرؤساء من وضاعة التقارير. فصار، يدس بين تقارير الحرب الباردة، حكايات مارلين مونرو: اين تناولت العشاء، وكيف خرجت من الباب الخلفي في منزل المضيف. وقصص أخرى. الذي لم يكن يعرفه جون كينيدي، ان التقارير التي لم ترسل اليه، كانت عنه. وعن مارلين مونرو.

بدأ بوتين “العملية العسكرية في اوكرانيا”، بتقريع حكومتها وحكمها: نازيون وعملاء. ودعا الجيش الى استلام الحكم. وإذا به يفاجأ، ومعه العالم اجمع، ان الجيش يهب للدفاع عن الحكومة النازية، وان الكوميدي السابق يعبىء الاوكرانيين في وجه الاشقاء الروس. كرت الأيام بالمفاجآت. حتى الغرب المترهل انتفض. وجو بايدن المرهف استنفر نفسه، وبدأ ايمانويل ماكرون معركته الانتخابية من بين اعمدة فرساي، في مواجهة الأبواب والحيطان الذهبية في الكرملين. وبعدما بدا صاحب الروسيا في اليوم الأول بطلا من حملة قلادة لينين، اعلن مع نهاية الاسبوع الثاني انه سوف يسر بمشاركة المتطوعين من سوريا في “العملية العسكرية”. هكذا فَرضَ على الاعلام الروسي تسمية ما يجري في المدن الاوكرانية وقراها، وهروب ثلاثة ملايين بشري الى اي مخرج عبر الحدود، بما فيها مولدوفا، حيث الناس تنام بلا عشاء. النوم بلا غداء غير محسوب.

منذ حوالى ثلاثة اسابيع والعالم يتفرج على نفسه. مجلس أمن جمعية عمومية. وحدة اوروبية، عقوبات مقاطعات الوزير بلينكن في كل مكان، وثلج ثلج عم تشتي الدنيي ثلج، وعراء وفقراء ولافروف مزداداً غضباً واكفهراراً، والنفط من تحت الأرض الى اعالي الفضاء، واسواق المال مثل الروبل من حضيض الى أحض. فجأة، بصيص. الرجل في الكرملين يعلن انه يمكن ان يلتقي الكوميدي الهارب منه في اقبية كييف.

لا تفاصيل اخرى. السيد النائب عزت الدوري كان قد اعلن في حربه على الكويت ان في امكان الشيخ سعد العبد الله ان يحضر المحادثات. برعاية الملك فهد، شرط ألا يتكلم. شرعة الأقوى. لكنها هذ المرة تصطدم، كما اصطدمت في الكويت، بأن الضعيف قرر المقاومة. وأما السياسة في حد ذاتها، فلا تغيير: مستنقع متعدد الأسن و “غموض بناء” كما قال منظر القتل الجماعي في القرن الماضي، هنري كيسنجر. والغموض البناء يبلغ ذروة اخرى في اوكرانيا 2022. رئيسها، اليهودي المذهب، يناشد يهود العالم مناصرة بلاده، بينما رئيس وزراء اسرائيل نفسه يؤيد بوتن. يُعقل؟ يعقلان يا مولاي، يعقلان. لا تنسَ ابداً حكمة غوار الطوشة: لكي تعرف ما يجري في البرازيل، يجب ان تعرف ما يجري في ايطاليا. الغموض بنّاء والسياسة في اي مكان، ليست اعلى من صراع الديكة الذي تشهده في لبنان. بكل تحولاته وتبدلاته والعيون البلقاء.

يا مولانا، اوكرانيا كارثة. حرب عالمية ثالثة. أوعلى الأدق حرب اهلية اسبانية أخرى، كما وصفها كبير الزملاء الاعزاء سليم نصار، في مقالته الاسبوعية يوم 5 آذار 2022. حركت الحرب بين الفاشية والجمهورية في اسبانيا اواخر الثلاثينات، القوى الاخلاقية والمتخلفة في انحاء العالم. كانت حرباً من اجل الحياة والحرية وعلى المفترق الأخير. لكن من كان “المتطوعون” الذين يفاخر بهم صاحب الكرملين الآن؟ كانوا ارنست همنغواي من اميركا، واندريه مالرو من فرنسا، وجورج اورويل من بريطانيا. من انتصر؟ انتصر الجنرال فرانكو عسكرياً، يسانده هتلر والدوتشي موسوليني. ظل يحكم اسبانيا مثل ثكنة، وظلت السيدة زوجته تشتري الفضيات كل احد من سوق الانتيكا، وظلت اسبانيا على صورته، مترهلة وعابسة وتخاف لعنة الابتسام. وفي النهاية، غاب كلعنة، وعادت اسبانيا تغني “اسبانيا حبيبتي”.

هناك صورتان لهذا العالم لا ثالث لهما، امس واليوم وغداً. من الحرب الأهلية الاسبانية الى “العملية العسكرية في اوكرانيا”: الأولى، صورة الجنرال فرانكو، رابضاً على تخلف الانتصار حتى الموت، وصورة خصومه: غارسيا لوركا، وبابلو نيرودا، وجون دوس باسوس، ومالرو، واورويل، وهمنغواي.

الحروب، على انواعها، مقبره كبرى، وليست حلاً. ولن يعرف احد كلفة حرب بوتين على اوكرانيا، أو عليه، أو على العالم. نحن نعرف ما قاله لنا ابوالعلاء، وهو يرى في بصيرته طباع وميول اهل هذا الكوكب فقال: “خفف الوطء، ما اظن اديم الأرض إلا من هذه الاجساد”.

تأمل المشاهد التي تأتيك من اوكرانيا بالبث المباشر: عتم وحرائق وبيوت خشبية قصفتها الميغ 29. ومنازل مدمرة على الطرقات، وعلى الطرقات عائلات مشردة واطفال لا يعرفون لماذا دفع بهم الكبار الى هذا الجحيم البارد الأبيض. تأمل جيداً ثم اسأل: لماذا كل هذا، السيد الرئيس؟ ما الذي يزعج خاطرك الى هذه الدرجة الفتاكة؟ الى درجة التلويح بالنووي وتشرنوبيل، واستعراض ملايين البشر يهربون من قرارك الأخير؟ هناك اسماء كثيرة لا نعرفها، وتاريخ كثير لا نعرفه، لكن هل يستحق كل ما نعرف، وما لا نعرف ان تسلح الغرباء في وجه الاوكرانيين؟ وأن تعلن، انت، صاحب الروسيا، انك ستقاتل دولة الضلع، بواسطة القادمين من الخارج؟ هل الروسيا في حاجة الى انصار، هي التي اعطت للعالم لينينغراد وستالينغراد وموسكو…غراد؟

تدافع السادة المحللون. نظام عالمي جديد. خريطة سياسية جديدة. الاتفاق مع ايران. تحركت مفاصل الأقليات. رئيس استراتيجي في الكرملين يقابله رئيس يغالبه النعاس في البيت الأبيض. الصين.. الصين. اين الجديد في الأمر؟ لا جديد على الاطلاق. التاريخ مجموعة حماقات بشرية تتكرر مرة في الشرق – مرة في الغرب. والشعوب مجموعة احقاد متهادنة. زرع السوفيات انسالهم في انحاء الاتحاد من اجل لحظة مثل هذه اللحظة. عشرات ومئات آلاف في دول البلطيق وآسيا الصغرى. لكن في اوكرانيا هم 8 ملايين من 44 مليوناً. ويهفون الى موسكو شرقاً، بينما يتشوق الآخرون الى اوروبا غرباً. لاحظ كيف تتوزع “وقائع” لبنان في هذا العالم، على طريقة سانتياغو نصار، الذي كان والده، للمناسبة، مهاجراً لبنانياً يدعى ابراهيم. أقصد منتشراً في لغة هذه الأيام. فالمغتربون كانوا اسماء مثل جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، وشفيق المعلوف. وهذا زمن الانتشار. وللمناسبة فإن ميخائيل نعيمة كان اول لبناني ينتشر في اوكرانيا يوم ذهب طالباً الى جامعة فولتافا. وهناك احب المرأة الوحيدة في حياته، قبل ان ينتشر الى اميركا للعمل مع اشقائه الذين انتشروا هناك قبله.

هذه اوكرانيا، بلاد الجامعات الكبرى التي درس فيها كبار الروس، وبلد اوديسا التي جاء اليها كبار ادبائهم. والآن ينتشر فيها المتطوعون.