نبيل بومنصف - النهار

“أهل السنّة”… حذارِ التقليد! – نبيل بومنصف – النهار

مع أن اتساع التركيز السياسي والإعلامي الذي صار أقرب الى استنفار فجّ حول “الساحة السنّية” في معرض المخاض الذي تعيشه حول الخيارات الانتخابية لم يكن مفاجئاً الى حدود بعيدة، فإن هذه الظاهرة بدأت تشكّل محاذير سلبية للغاية إن على مستوى أهل هذه الساحة أنفسهم وإن على المستوى اللبناني الشامل المتّصل بما ستؤدّي إليه الانتخابات إن لم يتمّ تطييرها. ذلك أن من المستغرب تماماً أن تضحي تحرّكات أقطاب ورموز أبرزهم الرئيس فؤاد السنيورة كأنّها حجر الرحى في الاستقطاب السياسي والإعلامي الانتخابيين لتكبير المجهر على المخاض السنّي عقب تعليق “تيار المستقبل” مجمل حركته السياسية والانتخابية، فيما تكاد تطمس تماماً وقائع أخرى في ساحات طوائف وأحزاب أخرى ويُختزل الاستحقاق الى حدود تصويره “استحقاقاً سنّياً”!

لسنا نستغرب حتماً رصد تداعيات تطوّر بحجم انكفاء زعيم الحريرية الرئيس سعد الحريري عن السياسة والانتخابات وما تركه قراره من ارتدادات زلزالية سنّياً ووطنياً. كما لا يمكن تجاهل معنى أن يحجم النخبوي الذي تكوكبت عليه آمال ثائرين ومنتفضين وإصلاحيين، نوّاف سلام، عن معترك الترشّح للدوافع الوجيهة والأكثر من موجعة والمعبّرة بصدق وعمق عن حال النخبويين الأصيلين في هذا البلد. ولكن فورة التركيز الآن على المخاض السنّي وحده باتت أبعد من مجرّد مواكبة طبيعية لمن يمكن أن يخوض غمار الانتخابات، لأن لدى ساحات أخرى مخاضات لا تقلّ مدعاة للانشداد والاهتمام ونراها مغيّبة تماماً عن الرصد الجراحي.




أكثر ما يستدعي الغرابة أن أحداً لا يستوقفه المدى المؤذي بقوة هائلة لإقفال باب أيّ متغيّرات في الساحة الشيعية ما دامت الأمور تقاس بالفرز المذهبي. في هذه الساحة أقفلت الانتخابات من الآن ولا حاجة لإجرائها حال اكتمال لائحتي الثنائي “أمل” و”حزب الله”. تمرّ منذ أكثر من عقدين هذه المعادلة المدمّرة للخيارات الديموقراطية ونرى الأفرقاء السياسيين من مختلف الاتجاهات حتى تلك المناهضة للثنائي الشيعي في صمت متواطئ حيالها من شأنه زيادة تطبيع هذا الاختزال للطائفة.

في المقابل، يحلو للمسيحيين في ساحتهم أن يصنّفوا كأهل المحورية الأكثر حيوية في العملية الانتخابية، ويعتبرون أن هذه السمة تكفيهم شرّ المساءلة عن قانون انتخابي أفادت منه القوى والتيارات الأساسية لديهم، فيما تُعزى معظم الكارثة التمثيلية الآتية في ظل الظروف السلبية الكارثية الى هذا القانون الذين عدّه مسيحيون مأثرة وطنية. نعني بذلك أن نسبة كبيرة تفوق التقديرات من الامتناع عن التصويت ستعيد بفضل القانون النافذ و”صوته التفضيلي” غالبية ساحقة من أفرقاء الطبقة السياسية نفسها التي تسبّبت بدفن لبنان تحت ركام انهياراته في ظلّ “العهد القوي”. فمن تراه يسائل من الآن عن هذا المآل الشديد الخطورة؟ أم تبقى “سقطة” السنّة في مخاض غير محسوب وحدها نقطة الجذب والاستقطاب؟

بذلك يتعيّن على “أهل السنّة” أنفسهم أن يضاعفوا التنبّه وفتح الأعين الى مزالق إضافية تتربّص بهم وتحمّلهم تبعة حماية الديموقراطية داخل صفوف الطائفة أولاً وعلى المستوى الوطني العام تالياً. إن أخطر المكامن التي تُنصب لهذه الفئة الركنية في قيام ميثاق الطائف هو انزلاقها الى انقسامات تجعلها ممزقة وفاقدة التأثير بما يسهّل النيل من بقايا المقاومة السيادية. ليس أسوأ من التخوين سوى استسهال الشراهة الى الوراثة، فكلاهما يترصّد الآن بساحة تعرّضت لتحوّل صنعته ظروف سبق للشركاء أن تعرّضوا لأسوأ منها أيضاً. فاحذروا التقليد!