الموقف التركي من الغزو الروسي لأوكرانيا – توران قشلاقجي – القدس العربي

ها هو الغزو الروسي لأوكرانيا يدخل أسبوعه الثالث، وها هي تركيا تُظهر سياستها منذ 24 فبراير، عندما بدأت روسيا غزو أوكرانيا، بأنها ستظل في وئام وتنسيق مع الغرب وحلف شمال الأطلسي، لكنها لا ترغب في المخاطرة بعلاقتها الاقتصادية العميقة مع دولة روسيا الاتحادية، ورغم أن تركيا طبقت اتفاقية مونترو ومنعت المزيد من السفن الحربية الروسية من العبور إلى البحر الأسود، إلا أنها لا تنوي فرض عقوبات على روسيا، كما فعلت دول أخرى، وأنها ستبذل قصارى جهدها لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع موسكو من أجل حل مشكلة عدم الاستقرار، وهذا ما لاقى ترحابا كبيرا من قبل الغرب.

بدأت العلاقات بين تركيا وأوكرانيا مع استقلال أوكرانيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 وتعد أوكرانيا دولة مشاطئة لتركيا من جهة البحر الأسود، وأولى الأتراك أهمية خاصة لشبه جزيرة القرم، فقد حكم العثمانيون معظم الأراضي الأوكرانية الحالية لفترة طويلة، تلك الحدود التي وصل إليها العثمانيون منذ حكم محمد الفاتح عام 1470 وحتى عشر سنوات، ثم توالى عليها السلاطين، وقد اعتبرت جزءا من أرض السلطنة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، حيث تشمل أيضاً كما هو اليوم جميع المقاطعات الجنوبية لأوكرانيا، التي تتكون من أوديسا ونيكولايف وإكسرسون وزابوروجي ودونيتسك، حتى أنه في بعض الخرائط تشمل مقاطعتين كبيرتين في وسط البلاد مثل دنيبروبيتروفسك وكيروفوغراد.




كانت مراكز المقاطعات الساحلية في جنوب أوكرانيا مثل، أوديسا وإكسرسون ونيكولاييف، تتبع ادارياً مدينة زاباروجية عام 1780 وحتى 1790، وتباعاً بدأت تسقط الواحدة تلو الأخرى في الحرب الروسية التركية في القرن الثامن عشر. وفي الفترة التي أعقبت الحروب الروسية التركية، وبحساب تقريبي، نجد أن العثمانيين حكموا تلك الأراضي، لأكثر من 300 عام، وعلى الرغم من هذه الفترة الطويلة فإن القطع الأثرية التاريخية العائدة للعثمانيين في أوكرانيا ليست كثيرة، كما هو الحال في البلقان وكانت خانية القرم، التي حكمت القرم بين 1441-1783، دولة تتارية تركية وتعتبر خانية القرم إحدى الورثة المهمين للإمبراطورية العثمانية. ودعت تركيا اليوم إلى احترام وحدة أراضي أوكرانيا ووحدتها السياسية، منذ بدء العملية التي وصفتها روسيا بـ»العملية العسكرية الخاصة» وأعلنت رفضها للهجوم الروسي.

وأوضحت تركيا، التي لم تعترف بغزو روسيا لشبه جزيرة القرم وضمها عام 2014 بأنها ستستمر في العمل جنبا إلى جنب مع الرأي العام الدولي في هذا الموقف الذي اتخذته. وفي الآونة الأخيرة أيدت تركيا أيضا نص القرار الذي يدين روسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة. موقف أنقرة واضح للغاية، فهي تريد انسحاب القوات الروسية وتدعم استقلال أوكرانيا ووحدة أراضيها، وأيضاً الاستمرار للتعاون مع أوكرانيا في الصناعات الدفاعية، وتواصل تقديم SİHAs المسيرات التركية. نعم تركيا أغلقت المضيق في وجه الطرفين المتحاربين، لكنها لا توافق على موضوع العقوبات على روسيا وشيطنة بوتين، فهذا يختلف مع العزلة الهائلة الممارسة ضد روسيا، بل تريد إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع الجميع وإيجاد مناخ وجو من الثقة مع موسكو وكييف في الوقت نفسه، وهذا الموقف سيكون مهم لجميع الأطراف (روسيا وأوكرانيا وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي) للخروج من الأزمة.

باختصار وخلاصة الكلام، سنجد روسيا تستعد لتكثيف حصارها على المدن الأوكرانية واحدة تلو الاخرى قدر المستطاع، خاصة كييف ورغم المفاوضات التي جرت من أجل وقف إطلاق نار جزئي، إلا أنه لم يحرز أي تقدم بسبب اقتراحات «فتح ممرات إنسانية عبر روسيا أو بيلاروسيا» وعلى الرغم من العقوبات الاقتصادية الشديدة التي فرضت على روسيا إلا أنه ليس من المتوقع أن يتوقف الرئيس الروسي بوتين، قبل الاستيلاء على كييف، وحسب بوتين، فإن «العملية» تسير كما هو مخطط لها، ولم يعد الأمر يتعلق بتقييمات بوتين العقلانية أو المجنونة بعد الآن، بل يتعين على بوتين بيع النصر للعالم والرأي العام الروسي في هذه الحرب، لقد راهن بوتين على حياته السياسية بأكملها في هذه المرحلة، وطبعاً من المهم إنشاء ممرات إنسانية وإجلاء المدنيين من المدن المحاصرة، ومن المتوقع أن يتزايد القصف الروسي العنيف وتصبح الاشتباكات داخل المدن.