سلامة يُكمل ولايته… إلّا إذا “توفّقت” به القاضية عون!

سركيس نعوم – النهار

ملاحقة حاكم #مصرف لبنان #رياض سلامة تحيّر اللبنانيين، ليس لاقتناعهم ببراءته من الاتهامات الوازنة الموجّهة إليه، وأهمّها على الإطلاق المشاركة مع جهات رسمية وغالبية المنظومة السياسية والمنظومة المصرفية والمنظومة الاقتصادية في التسبّب بإفلاس البلاد وبانهيار شبه نهائي لقطاع المصارف ونهائي للعملة الوطنية، بل بالطريقة التي يتعامل بها معها المصرّون على حصر مسؤولية كل المذكور أعلاه به. فتارة “يتهيّجون” على محاسبته بإقالته من حاكمية المصرف المركزي، لكنهم يفشلون في تحقيق مبتغاهم فينكفئون. وطوراً يُصدرون بواسطة القاضية “الوحيدة” في رأيها المهتمة بإنقاذ لبنان من الفساد وبمحاسبة الفاسدين أمام القضاء وبإصدار أحكام بالسجن عليهم مع إلزامهم بإعادة ما تعتبره وأناساً كثيرين مالاً منهوباً من الدولة، ويصدرون أيضاً مذكّرات استدعاء للتحقيق مع البعض من هؤلاء، ثمّ مذكّرات إحضار في حال تمنعهم عن الاستجابة وتكليف جهاز أمني موثوق تنفيذها. طبعاً أحياناً تكون صفة المستدعى للتحقيق شاهداً رغم أن اللبنانيين كلهم يعرفون أن رأسه مطلوب، وأن صفة الشاهد هي لإقناعه بتلبية الدعوة الى الاستجواب. ذلك أن في إمكان القاضية الوحيدة المهتمة بإنقاذ لبنان نفسها تحويله بعد انتهاء الاستجواب متهماً أو مشتبهاً فيه وتالياً إصدار أمر بتوقيفه. وعندما تفشل هذه المحاولة أيضاً لأسباب متنوّعة يعود الهدوء على جبهة محاسبة رأس الفساد رياض سلامة، علماً بأن أحد رؤوسه الكبار لا بل أحد المنسّقين بين هؤلاء الكبار. قد يكون الهدف من التركيز عليه التخلّص منه ومن “خزنته” المعلوماتية الضخمة القادرة على توجيه ضربة قاضية الى عدد كبير من الكبار في لبنان، لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون هنا هو: هل الاحتفاظ بـ”الخزنة” يعني القدرة على فتحها وكشفها أمام الرأي العام؟ السؤال الآخر الذي يطرح أيضاً هو: هل لعارفي مقر هذه “الخزنة” ومحتواها أو حُماتها مصلحة في كشفها علانية؟ أم تكمن مصلحتهم في استخدامها مع كل الجهات التي تدينها المعلومات الموجودة فيها بهدف ابتزازههم ودفعهم الى قرارات وتصرّفات وممارسات تحميهم شخصياً وتفيد الممسكين بها والمطّلعين عليها.




هل يمكن تخليص اللبنانيين من الحيرة المشار إليها أعلاه في موضوع الفساد؟ ما جرى بعدما أصدرت القاضية العنيدة والصلبة مذكرة جلب بحق رياض سلامة، وكلّفت جهاز أمن الدولة تنفيذها ومبادرة الأخير إلى إرسال دورية لجلبه بالقوة إذا احتاج الأمر الى ذلك من أماكن إقامته، وبعد ما تردّد عن حؤول الأمن الداخلي دون نجاحها في ذلك بالتصدي لها و”الاختلاف” الجدي معها كشف عدم وجود إجماع داخل الدولة والحكم على قضيّة سلامة وربما على مسؤوليته الأحادية عن الانهيارات المتنوّعة. وكشف عدم استعداد المنظومة السياسية على تنوّعها وتناقضها لمكافحة الفساد جدّياً ومعه رغبة دفينة عندها في دفن محاسبة الفساد من طريق إيجاد “كبش محرقة”، وليس أفضل من سلامة لذلك، علماً بأنه ليس بريئاً على الإطلاق تماماً مثل الذين يطاردونه فعلياً. ومن الذين يحرّضون عليه بالكلام. ولعل الخوف من اشتباك بين الأجهزة التي صار ويا للأسف لكلّ منها مرجع طائفي أو مذهبي هو الذي لا يزال يحول دون نجاح القاضية عون والذين يقفون وراءها ويحمونها.

ماذا سيجري في ملف الفساد وتحديداً في “عنوانه الحالي” حاكم مصرف لبنان رياض سلامة؟ يعتقد متابعون جدّيون للجهات السياسية والحزبية والرسمية وغير الرسمية التي تتعاطى مع هذا الملف أن الحملة على الفساد، رغم عدم نجاحها حتى الآن، لا تزال غير شاملة، إذ إن شموليتها تحتاج الى دولة جدّية قضاؤها سليم من الفساد ومتماسك وغير مرتهن لقادة الطوائف والمذاهب والشعوب وللأجهزة الكثيرة الناشطة في البلاد، محليةً كانت أو خارجية. وتحتاج الى دولة أمنها المتنوّع سليم ووطني وواحد تحرّكه المصلحة الوطنية ومصالح الناس لا مصالح زعامات الطوائف والمذاهب التي قسّمت الشعب لاستخدامه أو ربما لحماية نفسها بواسطته سواء من المحاسبة والمساءلة أو من الأخطار المتنوّعة، داخلية كانت أو خارجية. وتحتاج الى دولة واحدة لا الى ثلاث دول لكل منها مرجعية طائفية أو مذهبية أو سياسية داخلية ومرجعية إقليمية ومرجعية دولية. ولعل انقسام المرجعيات بين حامٍ لسلامة ورافضٍ لمحاسبته دليل على أن الهدف ليس معرفة الحقيقة والمحاسبة الفعلية بل طمس الأولى وإقفال ملف الفساد لوجود ملفات أكثر أهمية منه وخطورة على البلاد لا بد من التصدي لها.

انطلاقاً من ذلك يرجّح المتابعون أنفسهم أن يستمر رياض سلامة حاكماً لمصرف لبنان حتى انتهاء ولايته، للأسباب المذكورة أعلاه، إلّا طبعاً إذا “توفّقت” به القاضية عون و”أمنها” وغطاؤها السياسي الرفيع وساقته مخفوراً الى التحقيق، علماً بأن ذلك إذا حصل لن يكون “ضربة حظ” كما يُقال بل نتيجة تواطؤ من أكثر من جهة هدفه لا فتح الملفات على مصراعيها لكشف الفاسدين كلهم بل إقفالها بالقبض على الرأس المنسّق والمدبّر والمرتّب ونجاة الشركاء وثرواتهم ومواقعهم. أما سبب استمرار سلامة حتى نهاية ولايته فقد يكون قرار الرئيس ميشال عون التوقّف عن الذهاب الى الآخر في هذا الملف موقتاً. وقد يكون أيضاً عدم قدرة رئيس الحكومة رغم تناغمه مع الرئيس عون على السير في قضية سلامة الى النهاية لأسباب داخلية وطائفية ومذهبية. وقد يكون ثالثاً رفض دول خارجية عربية وأجنبية هذا الأمر وأهمها فرنسا التي تحاول ترتيب أوضاع لبنان وهذه المرة بالتحاور والتفاهم مع إيران، فضلاً عن أن أميركا ترفض تسليم سلامة للقضاء أيضاً. الى هؤلاء كلّهم يشارك الرئيس نبيه بري “زميليه” في الرئاسة المثلثة عدم استحسانهما الذهاب بعيداً الآن في ملاحقة سلامة. وهو على رأس سلطة اشتراعية لا يمكن تجاهلها وتجاهل دور رئيسها. أخيراً يلفت المتابعون اللبنانيون أنفسهم الى أن سلامة حذّر مصارف ومعها الدولة بكل دويلاتها الرسمية وغير الرسمية قبل الانهيار المروّع عام 2019 بالقول: “ما بقي في مصاري أي دولارات. تعالوا نتفاهم على طريقة إنقاذية”. أبلغ ذلك أيضاً لأصحاب الأرصدة الضخمة ولعدد من السياسيين أصحاب الأوزان الثقيلة. لكن أحداً من هؤلاء كلهم لم يُصغِ. وبدلاً من العمل معاً لإنقاذ الوضع المالي الذاهب نحو الانهيار وبالتواطؤ مع المصارف حوّل الجميع الذين تلقوا التحذير من سلامة أرصدتهم “الدولارية” الى الخارج (علماً بأن ذلك مسموح به قانوناً في لبنان).