لماذا يتمهّل ميقاتي في موقفه من الانتخابات؟

ابراهيم بيرم – النهار

يسير رئيس الحكومة #نجيب ميقاتي بخطى فيها قدر كبير من التوازن في الساحة السنية، التي تبدو حافلة بالارباك والالتباس بعد قرار الرئيس سعد الحريري العزوف سياسيا والمقرون بتجميد نشاطات “تيار المستقبل”، وما تلا ذلك من حالات اعتراض داخلي على هذا القرار.




فميقاتي يتحفظ، وفق محيطين به، عن الإقدام على خطوات يستشف منها انه راغب في تقديم نفسه على انه وريث “الحريرية السياسية” التي باتت في نظر كثيرين مهدَّدة بالتشظي بعد “تمرّد” رموز محسوبة عليها أو نمت في ظلها، وهو في الوقت عينه لايريد اطلاقا اخلاء الساحة والانسحاب منها نهائيا إنْ عبر رفض الترشح شخصيا على رأس لائحة انتخابية على غرار سلوكه في الانتخابات الماضية، أو عبر الامتناع عن دعم لائحة او اكثر تتقدم الى الانتخابات مدعومة منه او مسمّاة على اسم “تيار العزم” الذي اطلقه منذ زمن.

ومع دنوّ موعد انتهاء فترة الترشح للانتخابات، فان المحيطين بميقاتي يبدون قاصرين عن ابلاغ متصلين بهم استنتاجا حاسما ينمّ عن رغبة ميقاتي في الإقدام على الانتخابات بأي صورة من الصور، او الإحجام عنها نهائيا.

وعلى رغم الحاح هؤلاء على سؤال اركانه الاساسيين، فان خلاصة ما يخرجون به ويبلغونه الى المتصلين بهم: ان كل الاحتمالات ما زالت واردة لديه، وكل الامور قيد الدرس والتمحيص عنده لان الظروف العامة والساحة السنية هي بكل المقاييس استثنائية.

ليس الامر عند هؤلاء تجسيداً لحال “ضياع وحيرة وارباك” كما قد يحلو للبعض استنتاجه، اذ يملك ميقاتي من الجرأة والقدرة ما يتيح له البوح بموقف او قرار ويشرع تاليا بالتفاعل معه او التصدي لاحتمالاته، وفوق ذلك ليس في عنقه “بيعة” لأحد وهو ينطلق من حسابات طرابلسية ووطنية محضة ويضعها فوق أي اعتبار. ويقر هؤلاء بان ثمة من المحيطين بالرئيس ميقاتي من “يزيّن” له حسن الإقدام تحت ذريعة انه المؤهل الاكبر لملء الفراغ الحاصل في ساحته. وثمة بطبيعة الحال من يحذره من مغبة التراجع والانكفاء وترك الساحة بعد كل ما بذله من جهود في النيابة او في رئاسة الحكومة التي آلت اليه ثلاث مرات متتالية. وحيال كلا الرأيين فان اجابة ميقاتي تتلخص بهاتين الاجابتين:

الاولى انه ومنذ ان درج لاعباً في حلبة السياسة لم يكن يوما طامعا بمزاحمة احد او الغاء جهة سبقته الى الحضور لانه لم يكن يوما من المؤمنين بـ”الغاء” الآخرين، لان مثل هذا التفكير ارتد دوما على اصحابه وحاملي لوائه.

الثانية ان الايام اثبتت له بالبرهان والتجربة ان ميزان الوسطية والاتزان هو الميزان الانجع والانجح في بلد مثل بلدنا مشرع على هذا الكمّ من الصراعات وتضارب المصالح وكثرة الحسابات.

وعليه، يضيف هؤلاء ان الرئيس ميقاتي كان يدرك ما ينتظره منذ قبوله بتولّي مهمة تأليف الحكومة، وهو لم يقبل بالتصدي لهذه المهمة الا بعدما زان الامور بميزان الذهب وايقن تماما ان وجوده على رأس الحكومة في هذه المرحلة انما هو مغامرة كبرى وليست نزهة صيفية. وعندما تناهى الى علمه ان سلفه في رئاسة الحكومة سعد الحريري سيستقر على ما استقر عليه اخيرا وهو العزوف، ايقن عندها ان ذلك لا يعني بالضرورة ان ثمة فرصة سنحت له وان عليه المسارعة الى تلقفها واستغلالها، بل كان من الذين ايقنوا ان هذا التطور سيجعله وجها لوجه امام مزيد من المهمات الصعبة، لذا بادر منذ البداية الى معارضة طروحات من نوع “الدعوة الى مقاطعة سنية للانتخابات” او المجاهرة بنوع من “العصيان السياسي”، محذرا من عواقب الجنوح اليها.

وهو في الوقت عينه رفض الانصياع الى أصوات هامسة تدعوه الى استغلال الفرصة، فهو لم يكن يوما “تلميذا في مدرسة الانتهازية والاستغلال”.

واكثر من ذلك، ابلغ الرئيس ميقاتي انه ليس بمقدوره ان يحمل شعارات “التطرف والقطيعة ومعاداة الآخرين ” التي يراها البعض جسر عبور الى زعامة منشودة.

وعليه، وامام استحقاق ان على ميقاتي ان يقول كلمته الفصل في شأن موضوع الترشح الى الانتخابات بشكل مباشر او غير مباشر، وامام “اغراء” ان السياسة والفراغ لا يجتمعان اطلاقا على ساحة واحدة، فان هؤلاء يرون ان الرئيس ميقاتي يفضل الحديث عن امر آخر ودور اهم يتجسد في تجربته في رئاسة الحكومة الحالية، اذ يسوؤه كثيرا ان ثمة من يحاول التشكيك في انجازات تحققت خلال اشهر هذه التجربة ويحاول النيل من جهود غير عادية بذلت لوقف الانهيار، خصوصا اذا ما انعقدت مقارنة بين مناخات ايام التأليف والفترة الحالية وما تخلل تلك المسافة الزمنية القصيرة نسبيا من عقبات وتطورات لم تكن في الحسبان، سواء في لحظة مقاطعة فريق وازن لأعمال الحكومة والتي انتهت بفضيلة الصبر، مرورا بموضوع الاعتراض المبالغ فيه على مشروع الموازنة العامة، وصولا الى تأثيرات الحدث الاوكراني وما بينها جميعا من تجميد حقيقي للانهيار المالي والاقتصادي الى معالجات باللحم الحيّ لنتائج الانهيار غير المسبوق.

ومن خلال كل ذلك يبدو الإقدام على الانتخابات عند ميقاتي امرا له اهمية كونه استحقاقا ديموقراطيا، ولكنه يبقى بالنسبة اليه “تفصيلاً وتحصيلاً حاصلاً”.
وهو في كل الأحوال لن يترك الساحة الطرابلسية سواء ترشح شخصيا على رأس لائحة او اذا بادر الى دعم لائحة تألفت او انه ترك هذه الساحة تتفاعل “متحررة” من اية تأثيرات كبرى، ليثبت من يريد ان يثبت حضوره وان يأخذ موقعه من خلال صندوق الاقتراع.

وما يرفض المحيطون بميقاتي ان ينسب اليهم مباشرة اعتقادا فحواه ان انكفاء الحريري وتياره هو تجربة استثنائية ستترك تأثيرها وصداها على مجمل الحياة السياسية والانتخابية في الشمال خصوصا والساحة السنية عموما، وعليه صار لازما انتظار النتائج لكي يبنى على الشيء مقتضاه. فلماذا اطلاق هذا الكمّ من التهويل والترهيب؟ فصناديق الاقتراع كفيلة بان تنقل نبض الشارع الذي يبدو مضطربا ومتحركا ان لم يكن شغوفا الى التغيير والتجديد تحت مبرر ان تجربة الاعوام الخوالي انطوت على ثغر وحملت تصدعات.

واذا كان البعض قد اثار حفيظته المصطلح الذي استخدمه الرئيس ميقاتي لحظة اعلانه عن انتهاء نقاشات الموازنة العامة والذي قال فيه “ان علينا ن نتحمل بعضنا بعضا”، فمن باب اولى ان على الجميع من معارضين وموالين ومن داعين الى التجديد ومحافظين ان يتحملوا بعضهم بعضا في انتظار فرز اصوات الناخبين بعد ان تقفل صناديق الاقتراع يوم 15 أيار المقبل.