الفقر يدفع اللبنانيين إلى العراك على التقاط النفايات “الثمينة”

توشك أزمة المخلفات أن تنفجر في وجوه اللبنانيين، حيث حذرت الشركة المتعاقدة مع الحكومة لجمع النفايات بأنها ستوقف عملياتها في القريب العاجل بسبب عجزها عن دفع أجور العاملين لديها، إلى جانب تعرضهم لمخاطر اعتداءات الأشخاص الذين يبحثون في مواقع دفن المخلفات عن أشياء يبيعونها.

وقال وليد بوسعد المدير المالي لشركة “رامكو” لإزالة المخلفات في مقر الشركة بشمالي بيروت “من المرجح أن نوقف عملياتنا في القريب العاجل، لأن الحكومة لم تسدد لنا مستحقاتنا المالية مقابل خدماتنا”.




وأضاف بوسعد أن مشكلات الشركة بدأت عندما بدأت الليرة اللبنانية تفقد قيمتها أمام الدولار في السوق الموازية عام 2019.

ومذ ذلك الحين عانت الحكومة التي تنقصها الأموال من عجز مالي، خاصة العملات الأجنبية.

العراك في مواقع مستودعات النفايات أحدث مثال على انهيار معظم الخدمات العامة وارتفاع معدلات الفقر

وأدى العجز إلى وقف دفع المستحقات إلى عدد كبير من الشركات المقدمة للخدمات العامة، من بينها شركة إدارة المخلفات التي تم التعاقد معها لجمع القمامة من بيروت والمناطق المحيطة بها.

ويشير تقرير للبنك الدولي إلى أن لبنان يعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم منذ أكثر من 150 عاما.

ومن معالم هذه الأزمة أن العملة الوطنية فقدت الآن ما نسبته 95 في المئة من قيمتها السابقة.

ويقول بوسعد “كيف يمكن أن نعمل وسط ظروف مثل هذه دون وجود أموال لدفع أجور العاملين، أو لشراء قطع غيار لعربات النظافة؟”.

وينفق بوسعد جل وقته في محاولات للحصول على الأموال المستحقة لشركته لدى الحكومة، ويقول إن كل ما يجنيه هو “وعود زائفة وأكاذيب”.

وتمثل المعاناة الاقتصادية للبنان ضربة قاسية لشركة “رامكو”، التي حصلت على أقل من 10 في المئة من الإيرادات التي نص عليها العقد مع الحكومة.

ويقول بوسعد “أخبرنا المجلس المحلي في خطاب أننا غير قادرين على الاستمرار في العمل حتى نهاية فترة العقد في 2023”.

وأقر ناصر ياسين وزير البيئة اللبناني بأن ثمة مشكلة، وقال إنه ووزارته يعملان على تخفيف الضغوط على شركة النظافة.

وأضاف ياسين “إننا أجرينا مناقشات ومفاوضات لا نهاية لها، من أجل استمرار العمل عند مستوى معين وحتى لا تتراكم القمامة في شوارع بيروت وغيرها من المدن الرئيسية”.

وأوضح أن المشكلات الحالية ترجع إلى حد كبير للأزمة المالية، التي تؤثر في جميع الخدمات العامة على مستوى الدولة، إلى جانب خدمة جمع وإدارة المخلفات.

وأشار إلى أنه يحاول إعادة بناء قطاع إدارة المخلفات، لجعله “أكثر شمولا وتكاملا ومحافظا على البيئة”.

ومع ذلك لم تنته مشكلات شركة “رامكو” بالوعود التي قدمتها الحكومة وبعمليات تأجيل سداد المستحقات.

وقال بوسعد إن الوضع في مواقع مدافن القمامة أصبح غير آمن تماما بالنسبة إلى العمال، بسبب تزاحم مجموعات من الأشخاص المستقلين الذين يبحثون وسط المخلفات عن أشياء يمكنهم بيعها.

وتم تدمير منشآت ومعدات تابعة لشركة تعمل في مجال فرز المخلفات خلال الانفجار الذي وقع بميناء بيروت في أغسطس 2020 والذي دمر مباني كثيرة في العاصمة اللبنانية.

واضطرت شركة فرز المخلفات إلى وقف أعمالها منذ وقوع الانفجار، وتقوم شركة رامكو بالتخلص من جميع المخلفات التي تجمعها في موقع دفن بالقرب من الساحل، حيث يتجمع المئات من الأشخاص كل يوم.

وعندما تصعد عربة تابعة لشركة “رامكو” التل المغطى بالطمي لكي تفرغ حمولتها من القمامة، يندفع ناحيتها العشرات من الشباب والأطفال ليحيطوا بها، على أمل العثور على قطع بلاستيكية ومعادن خردة يمكنهم بيعها.

وقال بوسعد إن المشاجرات تنشب من آن لآخر بين الساعين للحصول على أشياء ذات قيمة من بين النفايات، مشيرا إلى أن بعض الأشخاص اعتدوا على سائق بشركة “رامكو” بسكين ذات يوم.

وفي اللحظة التي تقترب فيها عربة محملة بالمخلفات من مقلب النفايات، يهرع العشرات من الأشخاص نحوها، وهم أساسا من الصبية والشباب المهاجرين من سوريا، غير عابئين بالخطر الذي قد يواجهونه.

وطلبت الشركة من السائقين أن يلتزموا الحذر عند التخلص من القمامة، غير أن العمال يجاهدون لإبعاد هؤلاء الأشخاص عن العربات بمسافة تكفي بما يساعدهم على تفريغ الحمولة من القمامة.

وصاح طفل سوري يبلغ من العمر سبعة أعوام، في سائق بعد أن طلب منه الابتعاد عن عربته، قائلا “يتعين علي أن أعمل هنا للحصول على نقود وأساعد أسرتي”.

وكان الطفل قد هرب من بلده الذي مزقته الحرب، وقام باللجوء إلى دولة لبنان المجاورة.

بينما قال طفل سوري آخر يدعى محمود ويبلغ من العمر 13 عاما “إننا نحتاج إلى كل قرش لكي نبقى على قيد الحياة”.

وتعد المشاجرات التي تندلع في مواقع مستودعات النفايات، حيث يتشاحن الأشخاص مع بعضهم البعض حول اقتناص المخلفات ذات القيمة، أحدث مثال على حالة القنوط الناتجة عن الانهيار الاقتصادي في لبنان وانهيار معظم الخدمات العامة وارتفاع معدلات الفقر.