من الرجل الذي يحرك جيش بوتين في أوكرانيا؟ تعرفوا على سيرغي شويغو الجنرال الذي أعاد هيكلة الجيش الروسي

وصلت قوات الجيش الروسي إلى كييف، في الـ25 من فبراير/شباط، بعد نحو 24 ساعة من إصدار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوامره بشن هجومٍ شامل. وقد كانت سرعة التقدّم العسكري مذهلةً رغم القوة النيرانية المتفوقة والهائلة لروسيا. لكن سرعة الهجوم سلّطت الضوء أيضاً على أمرٍ آخر: وهو مدى تحكم الجيش الروسي في جميع جوانب حملة الضغط على أوكرانيا بالكامل. ويأتي ذلك على النقيض من جهود موسكو السابقة، حيث لم يقُد جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) عملية الهجوم هذه المرة، كما يقول تقرير لمجلة Foreign Affairs الأمريكية.

ويُمكن القول إنّ بوتين قد عزّز التحوُّل الدراماتيكي في تسلسل الهرم الأمني للكرملين على مدار العقد الماضي، بمنح الجيش دوراً حاسماً في الأحداث. حيث لم يكن الجيش يُشارك في صنع السياسة الروسية في الماضي، كما ظلّ تابعاً للأجهزة الأمنية التي خرج بوتين نفسه من صفوفها، لكن الجيش بدأ يكتسب أهميةً جديدة في السنوات الأخيرة.




وقد قاد عملية التحوّل واحدٌ من أكثر الأفراد طموحاً في الدائرة المقربة من بوتين: سيرغي شويغو. وربما لم يحصل شويغو على اهتمامٍ كافٍ من الغرب، لكنه يُعتبر من أقدم المطلعين على بواطن الأمور داخل الكرملين، كما عُيِّن وزيراً للدفاع في عام 2012. وإذا أراد أي شخصٍ أن يفهم سبب استعداد بوتين لإرسال الجنود والدبابات والطائرات في هجومٍ شديد المخاطرة على أوكرانيا، فعليه أن ينظر أولاً للتحوّل الذي شهده الجيش الروسي في عهد وزير الدفاع القوي هذا، كما تصفه المجلة الأمريكية.

الجيش الروسي سابقاً.. بنادق بلا سلطة

لم يشارك الجيش الروسي في عملية صنع القرار السياسي إلّا نادراً على مدار نحو قرنين، رغم أهميته الكبيرة في المجتمع الروسي، لدرجة أن آخر مرة شارك خلالها الجيش بشكلٍ مستقل في السياسة كانت عام 1825 تقريباً أثناء انتفاضة الديسمبريين الفاشلة ضد القيصر، حين حاولت عدة أفواجٍ من النخبة إطلاق ثورة. وفي العهد السوفييتي كانت الحكومة تعي خطر حصول الجيش على سلطةٍ أكبر من اللازم، ولهذا أبقتهم الاستخبارات السوفييتية (KGB) تحت المراقبة اللصيقة.

وقد التزم بوتين بالتقليد السوفييتي القديم ومنح الأجهزة الأمنية سلطةً أعلى من الجيش، حين وصل إلى المنصب في البداية، باعتباره ضابطاً سابقاً في الاستخبارات السوفييتية، إذ أدار جهاز الأمن الفيدرالي حربه الأولى في الشيشان عام 1999. وقدموا الحرب في صورة عمليةٍ لمكافحة الإرهاب، وكان الجيش خلالها تابعاً للجهاز الأمني، وفي الوقت ذاته واصل بوتين اعتماده على جهاز الأمن الفيدرالي في السيطرة على النخب وقمع المعارضة، سواء داخل البلاد أو خارجها.

“بوتين كان يُفضّل الأجهزة الأمنية على الجيش”.. كان ذلك في الماضي

على الجانب المقابل، لم يتمتع الجيش بمكانةٍ مرموقةٍ كبيرة في السنوات الأولى لحكم بوتين، إذ كان الروس يتذكرون جيداً جميع إخفاقات أفغانستان والحربين الدمويتين والفوضويتين في الشيشان، حين حارب الجيش بعتادٍ عسكري عفى عليه الزمن من الحقبة السوفييتية. وقد بذلت أجيال الشباب قصارى جهدها لتجنب الخدمة العسكرية الإجبارية. ونتيجةً لذلك لم يفكر العديد من محللي الغرب في التركيز على الجيش الروسي كثيراً، حيث افترضوا أنّ فهم بوتين يتطلّب من المرء الإلمام بالخبايا الداخلية للأجهزة الأمنية، ولكن شويغو عُيِّن في منصب وزير الدفاع عام 2012، ليبدأ في تغيير حظوظ الجيش تدريجياً كما يقول تقرير فورين آفيرز.

إذ تمتع شويغو بمسيرةٍ حافلةٍ وبارزة بين أرفع دوائر السلطة داخل موسكو، باعتباره عضواً مخضرماً في النخب السياسية الروسية. حيث وصل إلى العاصمة من توفا، الواقعة على الحدود مع منغوليا في وقت انهيار الاتحاد السوفييتي. ولمع نجمه سريعاً في أوائل التسعينيات بصفته صاحب حلولٍ شاملة لمختلف المشكلات، ليصير بفضل ذلك وزيراً للطوارئ، وهو منصبٌ وزاري اخترعه بنفسه.

وخلال التسعينيات والعقد التالي رسم شويغو لنفسه صورة المسؤول الشجاع النشيط، إذ كان يتردّد باستمرار على مواقع الكوارث الطبيعية والتفجيرات الإرهابية مع فريق إنقاذ محترف من النخبة، لدرجة أنّه قاد بعض عمليات الإنقاذ بشكلٍ شخصي. حيث كان من غير المعتاد تماماً حينها أن يرتدي أحد أعضاء النخب السوفييتية زياً ميدانياً، ويتحدّث إلى ضحايا فيضانٍ في سيبيريا أو تفجيرٍ في موسكو، لكن شويغو كان يفعل ذلك، وكان فريق الاستجابة السريعة الذي يقوده يضم وحدةً محمولةً جواً من خبراء الإنقاذ، الذين كانوا مستعدين لصعود الطائرة والتوجُّه إلى أيّ بقعةٍ في العالم طوال الوقت، ما أكسبه شعبيةً بين أوساط القيادة الروسية والمواطنين العاديين على حدٍّ سواء.

سيرغي شويغو.. “الجنرال الذي يُبهج العامة ويملأ جيوب الأوليغارشية”

كان سجل شويغو الناجح وصورته العامة القوية من الأسباب التي حوّلته إلى حليفٍ محايد لبوتين، وسرعان ما وجد أن فائدتها في الكرملين تتجاوز حدود مهمات الطوارئ. إذ اختاره بوتين عام 1999 ليكون من قادة حزبه “روسيا الموحدة”، ما منحه فرصةً للسفر حول روسيا وبناء قاعدةٍ سياسية، لكن الصادم أكثر كان قيام بوتين بتعيينه وزيراً للدفاع في عام 2012، حيث كان شويغو مهندساً ولم يسبق له أن خدم في الجيش، ولم يكن يتمتّع حتى بسمعةٍ طيبة في التسلسل الهرمي العسكري، فضلاً عن أنّ أسلوبه الصريح في القيادة لم يجعله مقرباً من الحرس القديم.

ولنسلط الضوء مثلاً على نهج شويغو في التعامل مع الزي العسكري، إذ كان جاداً وواضحاً منذ اليوم الأول في رأيه بأن المسؤولين العسكريين يجب أن يُواظبوا على ارتداء الزي العسكري ويتخلوا عن البدلات الرسمية، ولم يتوقف عند هذا الحد، ففي عام 2017، أصدر قراراً بتغيير الزي العسكري للجيش ليصبح مشابهاً للزي السوفييتي في عام 1945، والذي يُعرف باسم الزي المنتصر. وأصبح التصميم الجديد هو زيه المختار أثناء تفقُّد العروض العسكرية في الميدان الأحمر، ما جعله يبدو عن قصدٍ أشبه بـ غيورغي جوكوف، القائد العسكري الميداني لستالين في الحرب العالمية الثانية، والذي يعتبر أعظم القادة العسكريين في القرن العشرين.

لكن الأهم من ذلك هو نهج شويغو في التعامل مع الاستراتيجية العسكرية والجاهزية الميدانية، إذ تبنّى الابتكار عالي التقنية، وشكّل قيادةً سيبرانية، ودمج القوات الجوية مع القوات الفضائية لتشكيل القوات الجوفضائية الروسية. كما رفع أجور ضباط الجيش، وجعل عملية تهرّب الشباب الروسي من الخدمة العسكرية أمراً شبه مستحيلٍ في الوقت ذاته. وقد أضاف إلى ذلك كله نجاحين عسكريين مبكرين ضمنا له سمعته داخل الكرملين، وساعدا على منح الجيش مكانته الجديدة داخل الحكومة.

سيرغي شويغو برهن على أن الجيش يمكنه أن ينجح حيث فشل جهاز الأمن الفيدرالي

من المثير للاهتمام أن أول نجاحٍ عسكري لشويغو جاء في أوكرانيا، فحين اندلعت ثورة الميدان الأوروبي ضد الرئيس الأوكراني المدعوم من روسيا فيكتور يانوكوفيتش في كييف عام 2014، اختار بوتين استخدام أداة أجهزة الأمن. ولهذا أرسل رجال جهاز الأمن الفيدرالي إلى كييف كما هو معتاد، وكان يُفترض بهم أن يُساعدوا القوات المحلية على قمع الانتفاضة، لكن جهاز الأمن الداخلي فشل في إيقاف المحتجين، كما فشل في منع يانوكوفيتش من الفرار من العاصمة. ونتيجةً لذلك اتجه بوتين إلى الجيش، الذي تمكّن من ضم شبه جزيرة القرم بسرعةٍ وكفاءة تحت قياد شويغو، وبهذا برهن شويغو على أنّ الجيش يمكنه أن ينجح حيث فشل جهاز الأمن الفيدرالي.

وسرعان ما ظهرت أمام شويغو فرصةٌ أخرى لاستعراض قوة الجيش، ولكن في صراعٍ ناءٍ هذه المرة، إذ بدا أنّ حليف روسيا بشار الأسد يخسر أراضيه بسرعة في المرحلة الأولى من الحرب السورية، كما أنّ دبلوماسيي بوتين لم يحققوا التقدم الكافي لإنقاذ النظام. ومرةً أخرى هبّ الجيش لإنقاذ الموقف بتنفيذ تدخلٍ عسكريٍّ حاسم، في سبتمبر/أيلول عام 2015. وتمكنت القوات الروسية بتكلفةٍ ضئيلة نسبياً من قلب موازين الحرب، وإعادة نظام الأسد إلى مسار النجاة والنصر في النهاية. وبدا الأمر وكأنّ وحدة التدخل السريع المحمولة جواً القديمة بقيادة شويغو هي التي سارعت لإنقاذ الموقف، رغم أنّها أصبحت الآن تحل مشكلات بوتين السياسية بدلاً من مساعدة الناس على الأرض.

وقد كان التدخل السوري ناجحاً وشهيراً، لدرجة أنّ الجيش الروسي أقام في عام 2019 معرضاً متنقلاً ضخماً من الدبابات، والبنادق، وغيرها من المعدات العسكرية الأخرى، التي جرت مصادرتها في سوريا. وانتقل المعرض بالقطار بين 60 محطة في مختلف أنحاء البلاد من موسكو إلى فلاديفوستوك، وحتى القرم. واستقبلت الحشود المعرض بالترحاب في العديد من المحطات، ويُمكن القول إن نجاحات القرم وسوريا كانت سبباً في نمو الدعم الشعبي للجيش بعدها.

وفي الوقت ذاته بدأ شويغو يتمتّع بميزانية عسكريةٍ أكبر وشهرةٍ أوسع داخل الكرملين، كما أنّ نجاحات القرم وروسيا كانت لها نتيجةٌ أخرى مهمة، حيث قرّبت الأوليغارشية من الجيش وساعدت في إطلاق مجمع صناعات عسكرية روسي جديد. ومن المفارقات أنّ هذا الأمر جاء مدفوعاً أيضاً بالعقوبات الغربية المفروضة على النخب الروسية بعد ضم القرم، إذ خسر الكثير من أفراد الأوليغارشية الأموال والعقود الغربية بسبب العقوبات، ما دفع الدولة الروسية إلى المسارعة بمساعدتهم عن طريق منح شركاتهم عقوداً عسكرية ضخمة، وبفضل هذا المزيج من الدعم الشعبي والعلاقات القوية مع النخب الروسية؛ برز الجيش في عام 2017 باعتباره أكثر المؤسسات نفوذاً داخل روسيا.

هل ينجح الجنرال شويغو بمعركة كييف؟

حين بدأ بوتين التخطيط لحملته في أوكرانيا على مدار العام الماضي، كان من الجلي أنّه لم يعُد يتطلّع إلى جهاز الأمن الفيدرالي لتوليته المسؤولية، بل وقع الاختيار على شويغو والجيش المُحدّث الجديد لقيادة الطريق. والجدير بالذكر أنّ رجال الجيش بدوا مقربين إلى بوتين أكثر من مسؤولي الاستخبارات بكثير خلال اجتماع مجلس الأمن الروسي الذي عُقِدَ عشية الهجوم، إذ تلعثم رئيس الاستخبارات الأجنبية بحثاً عن كلماتٍ ليقولها حين أعلن بوتين عن قراره الاعتراف بجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك المعلنتين ذاتياً، بينما تصرّف مدير جهاز الأمن الفيدرالي ووزير الداخلية وكأنهما آليون يتبعون التعليمات.

في حين بدا شويغو على الناحية الأخرى واثقاً ومستعداً لقيادة روسيا باتجاه المعركة، بعد أن قضى غالبية العقد الماضي في تحويل الجيش إلى قوةٍ سياسية نافذة.

وخلال الأسابيع التي سبقت الهجوم الروسي، شكّك العديد من المحللين في أنّ بوتين سيشن حرباً شاملةً اختيارية من هذا النوع، لكن عسكرة المجتمع الروسي وإعادة تصميم الجيش تحت قيادة شويغو منحا بوتين إغراءً لا يُقاوم، ولن يتباطأ بسبب المخاوف الاستخباراتية أو الاعتبارات الدبلوماسية. وبعد أن انطلق الهجوم العنيف الآن بدأت تداعياته على الاستراتيجية العسكرية الجديدة للكرملين في التجلّي بوضوح، إذ إنّها ليست مجرد حملةٍ صاغها جيشٌ يتبنّى الحرب علانية، بل هي تحت قيادة شويغو أيضاً، الرجل الذي لم يعرف سوى “طعم النجاح” حتى الآن.