35% من المضمونين عالقون بين الضمان والمستشفيات… ودراسة إلى وزارة الصحّة تقترح زيادة التعرفة بين 600 و700%

ليلي جرجس – النهار

الدولة مفلسة، القطاع الصحّي نحو انهيار خطير، المواطن يدفع ثمن حقّه الاستشفائيّ الملايين أو يمتنع عن العلاج لأنّه عاجز ماديّاً. يواصل الانحدار السريع للحصول على الخدمات الطبية، فإمّا أن يبيع المواطن ممتلكاته أو الاستدانة حتى يتمكّن من تحمّل تكاليف الاستشفاء أو العلاج، وإمّا عليه التسليم بأمره والبقاء في منزله من دون علاج. الواقع مرّ، والخلاف بين الضمان ّو#المستشفيات أشبه بالمدّ والجزر، فالضمان في انتظار الدولة، والأخيرة في انتظار دعم خارجيّ وإلّا على الدنيا السلام.




الجميع يعرف أنّنا وصلنا إلى القعر الصحّي، المستشفيات تُحمّل مرضاها الفروقات الماليّة بعد زيادة التعرفة ورفع الدعم، في حين تتنصّل الدولة من مسؤوليّاتها ويبقى المواطن عالقاً في مقصلة اقتطاع راتبه ومدّخراته التي تبخّرت.

منذ أيّام، قرّرت المستشفيات الضغط أكثر بسبب عدم تسديد الضمان السلفات الشهرية للمستشفيات، والتهديد بعدم استقبال المرضى. اللعب بالنار للحصول على الحقوق، يحقّ للمستشفى أن تهدّد ويحقّ للدولة أن تتناسى مسؤولياتها تجاه مواطنيها، ولكن لا يحقّ للمريض أن يشتكي من واقعه. الإجرام الصحّي وما يعانيه المواطنون من ذلّ ووجع في المستشفيات يفوق كلّ إجرام، وتبقى الوعود وعوداً والتعويل “على الشحادة الخارجيّة” قائماً كحلّ وحيد لانتزاعنا من هذه الأزمة.

وفي محاولة للوقوف على آخر المستجدّات مع مدير #صندوق الضمان الاجتماعيّ محمّد كركي، إلّا أنّه لم يردّ على اتّصالاتنا.

ولكن لماذا رفع سقف التهديد اليوم؟ وما الذي قد ينقذ المواطن من كارثة صحّية؟

يشرح رئيس لجنة الصحّة النيابية عاصم عراجي في حديثه لـ”النهار” أنّه “كان من المفترض أن يوافق مجلس الضمان على تكملة هذه السلفات الشهرية منذ بداية العام الجديد، إلّا أنّه لغاية اليوم لم يصدر قراره بعد لأسباب كثيرة وعلى رأسها المشكلة المادّية. وأدّى هذا التأخير إلى إرباك كبير، وبدأت المستشفيات تهدّد بالتوقّف عن استقبال مرضى الضمان. هناك أزمة كبيرة بين الضمان والمستشفيات وسيكون المواطن ضحيّة هذا الخلاف.

فبعد أن كان الضمان الاجتماعي يدفع شهريّاً سلفاً للمستشفيات قادرة على تغطية 30-40 في المئة من رواتب الموظفين، لم يقرّ مجلس الضمان برغم مرور شهرين أي سلفة جديدة، في حين تطالب المستشفيات بها، لأنّها بحاجة إلى سيولة لتدفع بعض مستحقّاتها. وبالتالي أصبحنا أمام معضلة جديدة: توقيف السلف من الضمان والمستشفيات توقف بدورها استقبال مرضى الضمان أو 35 في المئة من الشعب ال#لبناني الذي يستفيد من خدماته.”

تشهد القاعات المقفلة على اجتماعات كثيفة لحلّ هذه الإشكالية، وإيجاد حلّ وسط حتّى لا يدفع المواطن ثمناً أكبر من الذي يدفعه اليوم نتيجة الفروقات الباهظة في القطاع الاستشفائيّ. باختصار ستصبح الطبابة للأغنياء فقط وسنشهد على انهيار المؤسّسات الضامنة تباعاً في حال لم يُعالج الموضوع.

يعوّل عراجي على الوعود الذي تلقّوها خلال اجتماعهم أمس الأول والتماسها حقيقة في جلسة الموازنة، ويرى أنّ “على الحكومة أن تعطي الضمان بعض أمواله المتراكمة، خصوصاً أنّ الضمان له 5 آلاف مليار على الدولة اللبنانيّة. وبعد أن كانت هذه المستحقّات تُقسّط لمدّة عشر سنوات، جرى التوافق مؤخّراً على تقسيطها على 3 سنوات حتى يتمكّن الضمان من الدفع بدوره للمستشفيات.”

وشدّد على أنّنا “أمام مشكلة حقيقيّة، فالمريض المضمون يدفع 95 في المئة من جيبه في حين يغطّي الضمان نحو 5 في المئة، وانعكست الآية بعد أن كان المضمون يدفع سابقاً 10 في المئة والضمان يدفع 90 في المئة. إذ إنّ المريض الذي يضطرّ إلى الدخول إلى المستشفى يدفع على سعر صرف الدولار أي عشرين ألف ليرة، في حين أنّ الضمان ما زال يغطّي على ليرة 1515. وعليه المشاكل التي نشهدها اليوم في المستشفيات تعود إلى العامل المادّي نتيجة تعذّر دفع المبالغ المطلوبة والفروقات الكبيرة من قبل المؤسسات الضامنة بعد الأزمة الاقتصادية”.

وعن إمكانيّة رفع التعرفة من قبل الجهات الضامنة، يستبعد عراجي حدوث ذلك كثيراً لأنّ الدولة لا تملك المال، والحلّ الوحيد سيكون بتأمين تمويل خارجيّ ومساعدات خارجيّة، وعلى الدولة أن تدفع للضمان مستحقّاته التي تبلغ 5 آلاف مليار، وإلّا نحن مقبلون على كارثة صحّية لا محالة”.

في حين أعلن عضو كتلة التنمية والتحرير النائب فادي علامة في تغريدة له بعد احتماع لجنة الصحّة النيابيّة العالقة بين المستشفيات والضمان، “توافقنا على ضرورة تأمين دعم ماليّ للضمان بالوسائل المتاحة، وبحث في إمكان ذلك مع الدول المانحة في سبيل تخفيف الكلفة الاستشفائية على المواطن المستفيد من تقديمات الضمان الاجتماعيّ”.

لكنّ هذه التمنّيات هل تنعكس واقعاً ملموساً تساند المواطن، أو أنّ الوعود تبقى وعوداً في ظلّ إفلاس الدولة الماليّ وضغوط المستشفيات التي يدفع ثمنها المواطن وحده من صحّته،ّ وربما حياته نتيجة عدم قدرته على تلقّي العلاج.

يؤكّد نقيب المستشفيات الخاصّة الدكتور سليمان هارون الذي رفع الصوت مهدّداً بوقف استقبال مرضى الضمان في حال لم تسدّد السلفات الشهريّة للمستشفيات. يشرح لـ”النهار” أنّ “الضمان الاجتماعيّ كان يدفع شهريّاً نحو 50 مليار ليرة شهريّاً، وبما أنّه لم يدفع منذ شهرين، فإنّ قيمة السلفة ارتفعت إلى 100 مليار ليرة. علماً أنّ الفروقات التي تدفعها المستشفيات والمواطن أكبر بكثير من التعرفة التي ما زالت الجهات الضامنه تغطيها برغم من الأزمة الاقتصاديّة الراهنة.

ونعرف جيّداً أنّه يصعب على الضمان بموارده الموجودة اليوم على تصحيح ورفع التعرفة، وفي هذا الصدد أعددنا دراسة جديدة لأسعار التعرفة وقدمّناها إلى وزارة الصحّة لدراستها وتعميمها على الجهات الضامنة، إلّا أنّنا لا نتأمّل خيراً لأنّ هذه الأخيرة في وضع ماليّ صعب. وتتحدّث هذه الدراسة عن أسعار تتضاعف بين 6 إلى 7 مرّات عمّا كانت عليه سابقاً، ونتيجة تعذّر تحقيقها سيبقى المأزق قائماً، إلّا في حال الحصول على دعم خارجيّ”.

في انتظار ما سيؤول إليه اجتماع مجلس الضمان المقرّر عقده اليوم، إلّا أنّ هارون يؤكّد أنّه “تلقّينا وعوداً بإقرار هذه السلفات. لأنّه مع انهيار الوضع الاقتصاديّ الماليّ باتت النتائج كارثيّة، فنحن نتحدّث عن ارتفاع 600-700 في المئة، خصوصاً أنّ المستشفيات تتكبّد هذه الزيادة بعد رفع الدعم عن المستلزمات الطبيّة وبعض الأدوية التي تضاعفت أسعارها 3-4 مرّات وحتى 10 مرّات عمّا كانت عليه سابقاً. وفي ظلّ هذا الواقع، يستحيل المضي من دون دعم خارجيّ”.

وعن الفروقات التي يدفعها المواطن، يشدّد نقيب المستشفيات الخاصّة على أنّ “المشكلة كبيرة خصوصاً عند المرضى مثل مرضى السرطان وغسيل الكلى. إذ يتعذّر علينا إيجاد بعض الأدوية السرطانية، كما أنّ هناك بعض المستشفيات غير قادرة على استقبال مرضى السرطان لأنّها ملزمة بدفع ثمن الأدوية نقداً عند التسليم.

فعلى سبيل المثال تتراوح كلفة العلاج للجلسة الواحدة لمريض السرطان بين مليون و 25 مليون ليرة لبنانية حسب أنواع الأدوية المستعملة.

في حين يدفع مرضى غسيل الكلى نحو 500 ألف ليرة على كلّ جلسة، في حين تتكبّد المستشفى نحو مليون و600 ألف ليرة وفق الدراسة التي أجريناها، ومع ذلك لا يأخذ المستشفى فروقات من المرضى لأنّ وضعهم خاصّ جدّاً. لكنّنا اليوم نحذّر من هذا الواقع لأن لا قدرة للمستشفيات على الاستمرار بتحمّل هذه الفروقات وسيضطرّ المستشفى إلى تحميل هذه الفروقات للمريض.