الحسابات الموقّتة لتعويض غياب الحريري سياسيّاً

مجد بو مجاهد – النهار

ينطلق أكثر من حراك سياسيّ سنيّ منذ أسابيع من فكرة العمل على التعويض الموقّت لغياب الرئيس #سعد الحريري الظرفيّ عن الساحة السياسية. وتتّخذ المبادرات وجهة أساسية هادفة إلى ضمان تماسك القواعد الجماهيرية المحسوبة على المدرسة “الحريريّة” في العناوين الاستراتيجية الكبرى وضخّ أوكسيحين الاستمرارية في شرايينها. وتُرسَم مؤشّرات حول دورٍ تعويضيّ يتّضح أنّه يمتدّ لأربع سنوات مقبلة، بما يشمل المواكبة الحثيثة من رؤساء الحكومة السابقين للمنبر والمذياع السياسيّ السنيّ. ولا تقتصر الترتيبات التحضيرية المعمول بها على قيادات سنيّة كلاسيكيّة، في وقت تشير معلومات “النهار” إلى اتجاه نحو بروز وجوه جديدة ستحمل شعلة سياسية متوهّجة بنيران زرقاء مع الاضطلاع بدور شخصيّ بعيد عن معايير التكليف لمواكبة جانب الجمهور من خلال المواقف العامّة والندوة البرلمانية. ولا تعني هذه المقاربة اعتزام تيار “المستقبل” إدارة العملية السياسية من الخلف في قابل السنوات القليلة الآتية، بل إنّ ما يحصل أشبه بتبنّي بعض الشخصيات المعروفة على نطاق مجتمعيّ ومؤسّساتيّ مهمّة مواكبة المناصرين من تلقائهم. ولا يلغي ذلك معيار التجانس الموضوعي غير المنسّق في المضمون ما بين الوجوه التي ستتولّى تجذيف مسار العمل السياسي السنيّ المقبل والقيادة التي تُمثِّلها رئاسة “المستقبل”.




ولا يمكن التعبير عن تعارض مقبل بين مقاربة دار الفتوى ورؤساء الحكومة على الصعد السياسية والاعتبارات الكبرى المرتبطة بالرئيس الحريري، إذ ثمّة من يربط الأدوار المرتقبة في مواكبة القرار السنيّ على صعيد تشكيل الحكومات والمواقف والتموضعات الرئيسية بهامش تشاوريّ أو تجانسيّ للرؤساء السابقين مع التوجّهات العامة “المستقبلية”. ويشير مواكبون إلى أنّ الحراك السياسي – الانتخابي الذي يقوده الرؤساء، ينعطف طبيعياً على تقاطعات مشتركة تقليدية مع “المستقبل” حتى في غيابه عن الصورة السياسية. وفي وقت حطّت الطائرة التي تقلّ على متنها رئيسة كتلة “المستقبل” النيابية بهية الحريري في الإمارات العربية المتحدة، تأتي زيارتها إلى دارة رئيس “المستقبل” في سياق التواصل المستمرّ بين المكوّنين والبحث في عناوين سياسية وانتخابية. وتلفت معطيات “النهار” إلى أنّ موضوع عدم ترشّح بهية الحريري للانتخابات قد حُسم، لكن المداولات الجارية هادفة للتركيز على موضوع الناخبين المؤيّدين لتيار “المستقبل” واستطلاع كيفية مقاربة أوضاعهم على الصعد السياسية والانتخابية. ويبدو في العناوين العامة الطبيعية عدم تبلور أيّ اتجاه لدعم لوائح محسوبة على “الجماعة الاسلامية” أو أسامة سعد أو عبد الرحمن البرزي في صيدا.

وفي فكّ معالم الصورة التفصيلية التي من شأنها إيضاح معاني حسابات تعويض غياب “المستقبل” موقّتاً، يتظهّر مثال مدينة صيدا على نحو خاص بحيث تؤكّد المعلومات أنّ ثمّة أكثر من اسم رافق مسيرة الرئيس الشهيد رفيق الحريري واضطلع بأدوار مجتمعية وسياسية بارزة إلى جانب الرئيس سعد الحريري يستعدّ لاتخاذ معطى حاسم في مسألة إمكان الترشّح للانتخابات النيابية بصفة شخصيّة مرتبطة بقرار ذاتيّ، على أن يُحسم الإسم بعد مشاورات مناطقية على صعيد فعاليات المدينة في الأيام المقبلة قبل إقفال باب الترشيحات. وتتداول بعض الأجواء همساً بإمكان تولّي المرشّح العتيد مواكبة الجمهور “المستقبلي” في صيدا، لاعتبارات متعلّقة بالعلاقة الجيدة مع العائلات الصيداوية والثقة الائتمانية بالقدرة على مواكبة الجمهور الشعبي وعدم تشتّته وضمان تماسُكه في السنوات المقبلة. وفي مقابل حراك رؤساء الحكومة والمرشحين الشخصيين، تنضوي المشاورات التي لا تزال مستمرّة بين مجموعات مدنية والقاضي نواف سلام في إطار مختلف، ومرتبط بتوجهات قوى أساسية على صعيد الانتفاضة. ويعني ذلك ارتباط توجّهاته السياسية المقبلة في حال قرّر الترشح بمجموعات الانتفاضة، علماً أنّ هذا التوجه لم يحسم بعد. وتشير معلومات “النهار” إلى أنّ المداولات لا تزال مستمرّة بينه وبين المجموعات لترؤّس لائحة دائرة “بيروت الثانية”. وبعدما كان الاتّجاه النهائيّ لعدم الترشّح، حصلت مشاورات إضافية قد تبدّل المعطى خلال أيام.

وتجدر الإشارة إلى أنّه لم تتبدل مقاربة “المستقبل” الأساسية على صعيد عام، انطلاقاً من التعميم الذي أصدره “التيار الأزرق” محرّراً من خلاله كلّ من يريد الترشّح للانتخابات باعتبار أنّ عليه الاستقالة في حال انتسابه أو عدم استخدام اسم تيار “المستقبل” في حال تموضعه في خانة مقرّبة أو منضوية في الكتلة النيابية. ويُترك الخيار بالمشاركة الانتخابية من عدمه متروكاً للقاعدة الجماهيرية لجهة الاقتراع أو المقاطعة أو الاتجاه إلى وضع ورقة بيضاء. ولن يعمل على توجيه الناخبين لناحية الاختيار بين المرشحين في الدوائر بل يترك لهم بحسب الوضع، باعتبار أنه غير مشارك انتخابياً ولا يدعم أي مرشح. وتؤكد المعطيات أن قرار الحريري حاسم ونهائي ولم يتخذ للمناورة، بما يعني أن تعويل البعض على تبديل في المقاربة ليس في مكانه. ويتساءل مقربون وثيقون من حلقة رئيس “المستقبل” الضيقة: “لماذا نكون ملكيين أكثر من الملك، إذا كان قرّر عدم الترشح للانتخابات؟”. ويتأكد غياب صحّة إعطاء أي امتيازات أو “قبّة باط” لأيّ مرشّح من ضمن الذين يتولّون مهمّات داخلية في تيار “المستقبل”، علماً أنه ما من بطاقات حزبية على صعيد “التيار الأزرق”. ويخلص المقّربون إلى أن الأسباب الشاملة التي استعرضها الحريري في كلمة العزوف كافية للإشارة إلى مدى جدية قراره وعدم المناورة، مع إفساح المجال لأصحاب المشاريع الجديدة بتقديمها.