مصارف لبنان تدخل متاهة تسوية نزاعات أصحاب الودائع

عكس قرار محكمة بريطانية بإلزام أحد أبرز البنوك اللبنانية بالإفراج عن وديع ضخمة لأحد زبائنها عن حجم المتاهة التي سيدخلها القطاع المصرفي في حال تتالت الأحكام القضائية التي تجبرها على الامتثال لمثل هكذا قرارات.

ودخلت مجموعة من منظمات المجتمع المدني والنقابات والمودعين والشركات منذ عدة أشهر في معركة لاسترداد الودائع المجمدة لدى البنوك المحلية في ظل عدم اكتراث السلطات بحل هذه المشكلة جذريا بينما تشكو فيه الدولة من أسوأ أزمة مالية على الإطلاق.




واعتبر بنك عودة وهو أحد أكبر بنوك لبنان في بيان أن الامتثال لأمر محكمة في لندن يطالبه وبنك سوسيتيه جنرال لبنان بدفع أربعة ملايين دولار لأحد المودعين من الأموال المحبوسة في النظام المصرفي اللبناني سيؤدي إلى تضرر مودعين آخرين.

وأمرت المحكمة البنكين الاثنين الماضي بدفع الأموال التي تبلغ نحو 1.1 مليون دولار و2.9 مليون دولار على الترتيب، إلى المدعي فاتشيه مانوكيان بحلول الرابع من مارس الجاري.

4 ملايين دولار المبلغ الذي أجبرت محكمة بريطانية بنك عودة وسوسيتيه جنرال دفعه لأحد المودعين

وقال جراهام شير وهو محامي مانوكيان لرويترز إن “هذه هي أول قضية تتعلق بالأزمة المالية اللبنانية يتم رفعها بنجاح في المملكة المتحدة”. وأوضح أن القرار أقر “بالحق القانوني لموكله في تحويل أمواله إلى خارج لبنان”.

ورجّح شير أن يكون هذا القرار موضع اهتمام للأفراد الآخرين المقيمين في إنجلترا والاتحاد الأوروبي الذين لديهم أموال مودعة في البنوك اللبنانية.

وفي ظل غياب أيّ قانون لمراقبة رأس المال في لبنان، بدأت البنوك في فرض قيود غير رسمية على عمليات السحب والتحويلات إلى الخارج مع انهيار النظام المالي في البلاد في عام 2019 بعد سنوات من الفساد والهدر وتطبيق سياسات مالية غير مستدامة.

وحتى الآن لم يتم إضفاء الطابع الرسمي على هذه الضوابط من خلال إقرار تشريعات وتم الطعن عليها أمام المحاكم المحلية والدولية، وكانت النتائج متباينة.

وتصاعدت مزاعم سوء السلوك المالي ضد أعضاء النخبة في أعقاب الانهيار المالي للبلاد في عام 2019 عندما فرضت البنوك قيودا صارمة على حسابات العملة الصعبة لمعظم المدخرين ومنعت تحويل النقود إلى الخارج.

لكنّ منتقدين يقولون إن بعض الأشخاص من ذوي النفوذ كانوا قادرين على الوصول إلى الأموال بحريّة أكبر.

وبعد أشهر من تلك الإجراءات بدأ المودعون في رفع دعاوى قانونية متهمين المصارف بالإهمال والاحتيال وسط مخاوف من تبدد مدخراتهم. لكن البنوك نفت ارتكاب أيّ مخالفات وأكدت مرارا أن الودائع في أمان.

وفرض القطاع المصرفي طيلة أشهر قيودا متصاعدة على سحب الأموال، حيث لا يمكن للزبائن في بعض البنوك سحب أكثر من 800 دولار شهريا.

وامتدت القيود بعد ذلك حتى على سحب الليرة التي يشكل فك ارتباطها بالدولار كابوسا للمسؤولين نظرا لكونها شريان الحياة بالنسبة إلى نشاط المصارف.

ولم يتمكن أصحاب الودائع بالدولار إجراء سحوبات نقدية إلا بتحويلها إلى الليرة وبسعر صرف أدنى بكثير من المتداول به في السوق السوداء.

وعمقت التدابير التي فرضتها السلطات لمكافحة الجائحة الأزمة القائمة في بلد يشهد فيه المودعون تهاوي قيمة مدخراتهم بسبب ارتفاع الأسعار وضعف العملة المحلية وفرض قيود وصلت في بعض الأحيان إلى السماح بسحب 100 دولار في الأسبوع فحسب.

ورغم أن بنك سوسيتيه جنرال لم يصدر تعليقا على قرار المحكمة، لكن بنك عودة أكد أنه سيمتثل لذلك، وأنه سينظر في خياراته بشأن الاستئناف.

القطاع المصرفي اللبناني كان قد فرض قيودا على سحب الأموال، حيث لا يمكن للزبائن في بعض البنوك سحب أكثر من 800 دولار شهريا

وقال بنك عودة إن “كثرة الدعاوى القضائية المقدمة من قبل المودعين ضد البنوك أمام المحاكم اللبنانيّة والأجنبية، هي نتيجة مباشرة لسوء إدارة الأزمة اللبنانية منذ أكتوبر 2019”. وأرجع ذلك إلى “العجز عن إصدار قانون لضبط التحويلات المالية إلى الخارج”.

ويأمل نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي في أن تتم الموافقة قريبا على مشروع قانون معروض على البرلمان منذ فترة في هذا الصدد.

ونسبت رويترز إلى الشامي قوله إن “هناك مسعى متجددا لإقرار قانون رأس المال حتى قبل صدور حكم المحكمة الأخير لأن هناك حاجة ماسة إليه”.

وقال بنك عودة إن الأمر يعني أن “المودعين المتمولين المقيمين في المملكة المتحدة (يمكنهم) الحصول على ودائعهم كاملة، وذلك على حساب سائر المودعين الذين لا يتمتعون بحق أو بإمكانية إقامة الدعاوى في الخارج”.

وأضاف “سوف ينتج عن هذا الواقع تدني جذري في الأموال المتوافرة لهم”.

ويشكل إصدار قانون لمراقبة رأس المال مطلبا أساسيا يتعين على لبنان تلبيته لإحراز تقدم في محادثات صندوق النقد الدولي للحصول على حزمة من المساعدات.

وتأتي هذه الوضعية بينما تمارس الولايات المتحدة ضغوطا على لبنان لإجراء تحقيقات فيما وصفته بانتهاكات داخل النظام المصرفي من قبل أعضاء النخبة السياسية والاقتصادية.