هدنة انتخابية بين عون وبري بوساطة حزب الله

ذكرت أوساط سياسية لبنانية أن التيار الوطني الحر وحركة أمل يستعدان لخوض الانتخابات النيابية المقبلة بقوائم موحدة في عدة مناطق لهما فيها حضور شعبي وسياسي، في خطوة قالوا إنها تأتي بعد وساطة قادها حزب الله بين الحليفين الخصمين اللذين تصاعدت حدة التوتر بينهما مؤخرا بشأن عدة ملفات حكومية.

وقالت الأوساط إن الاتهامات والمناكفات السياسية المتبادلة توقفت فجأة مع اقتراب الانتخابات النيابية المزمع عقدها في مايو القادم، ما يؤشر على هدنة انتخابية عمل عليها حزب الله منذ فترة، للمحافظة على التوازنات النيابية بعد الانتخابات وتجنب خوضه تحالفات أخرى قد لا تخدم أجنداته.




ولطالما كان الخلاف مستعرا بين فريق رئيس الجمهورية ميشال عون السياسي، وفريق رئيس مجلس النواب نبيه بري، فالخلافات لا تنتهي بينهما وهما يتصارعان على الملفات كلّها منذ لحظة دخول عون إلى قصر بعبدا.

وعارض برّي تزكية عون رئيسا للجمهورية ودفع باتجاه تزكية سليمان فرنجية، لكن حزب الله حسم في نهاية المطاف الخلافات وزكى عون الذي يتماشى وجوده في قصر بعبدا مع أجندات الحزب السياسية.

ويعكس النزاع بين عون وهو مسيحي وبري وهو من الشيعة عداء شخصيا تعود جذوره إلى الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990. كما أنه يمس توازن القوى بين الطوائف في النظام السياسي اللبناني.

الهدنة بين عون وبري تصب في مصلحة حزب الله لأن في اتفاقهما انتخابيا مصلحة لتيار 8 آذار الذي يجمعهم كلّهم

وقد وصل التوتر إلى نقطة الغليان عندما وصف رئيس التيار الحر جبران باسيل، وهو صهر عون، بري بأنه “بلطجي”، في شريط فيديو تم تداوله على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي بين عشية وضحاها.

ورد أنصار بري الغاضبون قائلين إن باسيل تجاوز كل “الخطوط الحمراء”، واحتج مؤيدو حركة أمل بإشعال إطارات سيارات في بيروت.

وكان عون وبري، وكلاهما في الثمانينات من عمره، على طرفي نقيض إبان الحرب الأهلية. وقد انتهت الحرب في عام 1990 عندما أجبر الجيش السوري عون، الذي كان يترأس إحدى الحكومتين المتنافستين، على مغادرة القصر الرئاسي إلى المنفى.

وخرج بري من الحرب الأهلية كأحد أقوى الشخصيات في لبنان. وعاد عون إلى البلاد في عام 2005 عقب انتهاء فترة الهيمنة السورية، بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، والذي أدى إلى ضغط دولي على دمشق لسحب قواتها من لبنان.

وتصب الهدنة بين عون وبري في مصلحة حزب الله، لأن في اتفاقهما انتخابيا مصلحة لتيار 8 آذار الذي يجمعهم كلّهم، وللخط الذي يمثّلون ويؤمنون به في الداخل والمنطقة.

ولعل أبرز الملفات التي تسببت في خلافات عميقة بين الحليفين الخصمين، هو ملف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، إذ يؤاخذ القصر الرئاسي والتيار الوطني على بري حمايته لحاكم مصرف لبنان، ويعتبران ضمنيا أن بري من النواة الصلبة للمنظومة الحاكمة التي حكمت لبنان لعقود وأوصلته بقراراتها وإدارتها الخاطئتين، إلى الانهيار الشامل الذي يتخبط فيه.

وصوّب التيار سهامه مباشرة على بري إثر حوادث عين الرمانة – الطيونة الأخيرة. ووصف رئيس التيار وصهر عون جبران باسيل تصرفات حزب القوات اللبنانية وحركة أمل بالميليشياوية، متحدثا عن تواطؤ ضمني بين أمل والقوات لإسقاط الدولة والقانون والمؤسسات.

النزاع بين عون وهو مسيحي وبري وهو من الشيعة يعكس عداء شخصيا تعود جذوره إلى الحرب الأهلية

وتتهم حركة أمل التيار بالتواطؤ مع الفساد وحماية الفاسدين وعرقلة المشاريع الإصلاحية.

وتركّز حركة أمل دائما على ملف الكهرباء وتنتقد مباشرة، وغير مباشرة، بعنف تارة، وبلطف تارة أخرى، تعاطي وزراء الطاقة المحسوبين على التيار الحر مع القطاع، والخطط التي يقترحونها لإصلاحه.

وأواخر ديسمبر الماضي، رفض المكتب السياسي لحركة أمل “إعطاء سلفة إلى مؤسسة كهرباء لبنان، في ظل الفشل المستمر والمستدام في معالجة جذور أزمة الكهرباء دون أي خطوة إصلاحية جدية للقطاع بأكمله، خصوصا أن سياسة السلف هي الأساس في هذا الانهيار الاقتصادي والمالي، في ما حمّلته للدولة من أعباء دون أن تجدي نفعا، بل لم يتم تعيين الهيئة الناظمة للقطاع بعدُ ولم تطبق القوانين المرعية الإجراء، مما أدى إلى تحميل المواطن المزيد من الأعباء في ظل فاتورة عالية للمولدات الكهربائية الخاصة.

والأسبوع الجاري، أكد بيان المكتب السياسي للحركة أن “إقرار خطة الكهرباء المبدئية لا يستقيم من دون التنفيذ الجدي والالتزام بمندرجات قرار مجلس الوزراء، والإسراع في تعيين الهيئة الناظمة للقطاع، وتطبيق القانون 462، كأساس لمعالجة وضع الكهرباء بكل عناوينها”.

ويرى مراقبون أن التوافق المفاجئ بين الخصمين، جاء نتيجة الحسابات الانتخابية التي قد تضعف أحدهما، ما لم يتم تجاوزها قبل انطلاق الحملات الانتخابية، خاصة وأن التيار الوطني الحر يعاني من أزمة تراجع شعبيته داخل بيئته المسيحية والأمر ذاته بالنسبة لحركة أمل.

ويشير هؤلاء إلى أن المصالح الانتخابية لكلا الطرفين تفرض تهدئة الخلافات، وهو الدور الذي عمل عليه حزب الله منذ ديسمبر الماضي، وتوج مؤخرا بهدنة انتخابية.