قرار ياسين جابر بالعزوف عن الترشح طوعي ام قسري؟

ابراهيم بيرم – النهار

سواء كان النائب #ياسين جابر قد خرج طوعا من العمل النيابي او ان ثمة من طلب منه فعل الخروج رغما عنه ، فان مسيرة وصول هذا الرجل الى النيابة اساسا ومن ثم خروجه منها ، سيرة تنطوي على ابعاد ومعان لها صلة بحاضر العمل السياسي على الساحة الشيعية وبمستقبله في ظل “استحواذ ” الثنائي الشيعي على حركات هذه الساحة وسكناتها منذ #الانتخابات النيابية التي قيض لها ان تجري بعد انطواء صفحة الحرب الاهلية السوداء.




معلوم انه في اول انتخابات اجريت على اساس اتفاق الطائف عام 1992 كانت الكلمة الفصل في الساحة الشيعية الجنوبية تحديدا لحركة “امل” ولرئيسها الرئيس نبيه بري .عهدذاك رسم الرئيس بري خريطة الامساك بمجامع هذه الساحة باعتبارها “عرين ” زعامته التي كانت في كامل عنفوانها ، في حين كان “حزب الله” متواضعا الى اقصى الحدود في مطالبه ومطامحه السياسية .لذا اعطى بري نائبين فحسب للحزب ثم استرضى كل القوى التقليدية (ال عسيران والزين والخليل والاسعد ) فوهب لكل منهم حصته وارضى قوى اليسار والتوجه القومي التي كانت الى ذلك الحين محافظة على بقايا قواعد ارتكاز موروثة من عهود سلفت فاتى بالنائبين السابقين حبيب صادق ( اطال الله عمره ) واحمد سويد .ومثل الاغتراب الشيعي الذي كان دائما ممثلا منذايام علي عرب ثم يوسف حمود (جو حمود ) بالنائب احمد عجمي.

واللافت في الامر انه ترك لعائلة جابر الوارفة الحضور في الجنوب عموما وفي النبطية وقضائها خصوصا ( يقدر عديد اصواتهابنحو عشرة الاف صوت ) مقعدا اعطي يومها للنائب الراحل قبل فترة قصيرة عماد جابر.

وفي دورة الانتخابات التالية (1996 ) حدث ان استبدله الرئيس بري بقريبه وابن بلدته (النبطية )وهو النائب العازف لتوه ياسين جابر الذي تتقاطع فيه اكثر من خصوصية ومزية لاتتوفر بسلفه ، فهو (ياسين ) ابن رجل اعمال وشقيق رجل اعمال ناجحين واصحاب مشاريع ممتدة وهو ايضا خريج جامعات بريطانيا بشهادة عليا في الادارة والاقتصاد وهو الى ذلك يحمل جنسية هذا البلد.

وفوق ذلك هو الوجه الشيعي الليبرالي وغير المتزمت والذي لاعلاقة حزبية له بطرفي الثنائي الشيعي .وعموما اعتبر بري انه عبر الاتيان بهذا الرجل الدمث والعارف بلغة الارقام وبنظريات الاقتصاد والسوق قد استكمل كل خطوط والوان اللوحة التي يجد الجميع انفسهم فيها كيفما نظروا اليها وتمعنوا فيها.

بدا الرئيس بري في المرحلة الاولى مسرورا ب”التنويعة ” الجديدة وكان برهان الاعجاب تسميته ياسين جابر وزيرا للاقتصاد في حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في النصف الثاني من التسعينات .ولكن ثمة تحولات وتبدلات في الاوضاع وفي المزاج العام حصلت خصوصا بعد حدث اغتيال الرئيس الحريري ، ما جعل من “اقامة ” جابر بين ظهراني الثنائي اقامة قلقة وغير مريحة وخصوصا بعد ان سرى بعد انتخابات عام 2005 بان ثمة تداولا ضمنيا خلف الاضواء في الاوساط ذات الصلة بمناخات الغرب مفادها سعي لاستبدال الرئيس بري باخر وان الاوساط عينها طرحت اسم ياسين من الاسماء المرشحة لاسباب متعددة ابرزها انه في سلوكه وفي خطابه لاينتمي الى الثنائي .وثمة من ذكر ان الرجل خضع لامتحان على هذا الصعيد. وقدازداد قلق جابرفي اقامته بعد ان ورد في وثائق ويكليكس المسربة فجاة الى الاعلام فحوى محادثة جرت بين جابر وديبلوماسيين اميركيين قال فيها كلاما معاديا ل”حزب الله “.

وزادت مسافة ابتعاد جابر عن طرفي الثنائي عشية بدء ازمة الانهيار الاقتصادي والمالي وغداتها فهو من الذين اطلقوا السنتهم باكرا عن “حالات الفساد ” المعشعشعة التي من شانها ذات يوم ان تودي بالاقتصاد والمالية العامة الى التهلكة .لدرجة ان الرجل يتندر في لقاءاته برواية مفادها ان الرئيس بري ساله بعد تصريح حاد له في مجلس النواب : نريد ان نعرف هل انت معنا ام لا؟.

وعليه وبناء على سردية العلاقة المتوترة والقلقة دوما بين الرجل والثنائي كان ثمة من استشرف باكرا ان لامكان لهذا الرجل بينهما وفي ملعبهما الذي لايحتمل ترف وجود لاعب شيعي يتمتع باستقلالية ولو نسبية.

دورة انتخاب بعد دورة يتقلص عدد النواب غير الحزبيين في صفوف الكتلة النيابية الشيعية .ففي اول انتخابات بعد اتفاق الطائف تشهد الوثائق انه كان هناك اكثر من نصف هذه الكتلة (27 نائبا ) من غير المنتمين الى الحركة والحزب والان وبعد اكثر من ثلاثين عاما صار عديد النواب الشيعة غير الملتزمين يعادل صفرا.

ولئن كان ثمة من المحللين من يجد في هذا السلوك التراجعي لدى الشيعية السياسية سلوك الخائفين او سلوك غير الواثقين باي شيعي من خارج عباءة هذين الفريقين فان الامر يسري ايضا وان بدرجة اقل على كل الوان الطيف الطائفي والمذهبي اللبناني ، وان كان ثمة اعتراف بان الشيعية السياسية كانت السباقة وان عدوى تخوفاتها قد انتقلت الى باقي الساحات.

وفي كل الاحوال وبعيدا عن التبرير المقتضب الذي قدمه جابر فجاة لاعلان عزوفه فالثابت لدى معارفه والمتصلين به انه ما باح لهم يوما برغبة تتملكه في “التقاعد السياسي ” بل انه ابلغ قبل فترة الى متصلين به انه عازم على المكوث في الجنوب دوما ليخوض على طريقته معركة العودة الى مقعده في مجلس النواب للمرة السادسة اي انه لم يكشف يوما عن زهده او تبرمه من التجربة النيابية وهي عموما كانت تجربة على قدر من التمايز.

واللافت ان نبا عزوف جابر اقترن وتزامن مع نبا يقول ان الرئيس بري انطلق في رحلة البحث عمن يخلفه ولكن من دون ان يكون المطروح اسما حزبيا ما يعني وفق تفسيرات ان الرئيس بري يحافظ ضمنا على روحية تفاهمه مع “حزب الله” وتقاسم المقاعد المحسوم سلفا.