نصرالله في مواجهة السنيورة: الانتخابات لتكريس السلاح

أحمد عياش – النهار

إطلالة الأمين العام لـ”#حزب الله” السيد حسن نصرالله مساء الأربعاء للإعلان عن انطلاق الحزب في خوض الانتخابات النيابية في منتصف أيار المقبل، رفعت منسوب الحماوة في الاستحقاق، الذي ما يزال يتأرجح بين احتماليْ إنجازه وتأجيله حتى اليوم. لكن في ضوء إعلان الحزب رسمياً انخراطه في السباق، لم يعد خافياً أن طرفَي المواجهة الحقيقية في هذه الانتخابات هما بين شعارين: الأول، “سلاح المقاومة أكبر بكثير من قصّة أغلبية أو أكثرية”. والثاني “لا دولة مع سلاح حزب الله”.




صاحب الشعار الأول، هو نصرالله، وقد أعلنه بنفسه في المقابلة التلفزيونية مع قناة “العالم” الإيرانية في التاسع من شباط الماضي. أما صاحب الشعار الثاني، فهو الرئيس السنيورة، الذي أطلقه في مؤتمره الصحافي في 23 شباط المنصرم.

لماذا توجيه الأنظار الى نصرالله والسنيورة وحدهما دون سواهما، علماً بأن هناك كثيراً من القوى الوازنة انتخابياً، وفي مقدّمها “القوات اللبنانية”، تضع نصب أعينها مسألة سلاح الحزب الذي يتعارض مع سيادة الدولة ويتناقض مع الدستور وقرارات الشرعيتين العربية والدولية؟
من البديهي القول، إن نصرالله يُعدّ اللاعب الأكبر في الانتخابات المقبلة، وهو ما زال حتى الآن، في المرتبة الأولى في ميزان القوى الداخلي. أمّا من يحتلّ المرتبة الثانية، والذي يبدو بعيداً عن نصرالله، فهو من أطلّ فجأة ليأخذ على عاتقه استنهاض الطائفة السنيّة التي بدت كأنها ذاهبة الى الانكفاء كليّاً مع مغادرة زعيم تيار “المستقبل” الرئيس سعد الحريري المسرح الانتخابي في كانون الثاني الماضي.

حتى الآن، ما زال “حزب الله” يبدي ثقة لا تضاهى بقوّته الانتخابية. لكن بدأت تظهر في أوساطه علامات الترقب لما ستؤدّي إليه تحرّكات السنيورة التي تعني، إذا حالفها التوفيق، أنها ستكون خصماً للحزب على امتداد لبنان. ولعل ما يحسب له الحزب الحساب، هو أن رئيس الحكومة الأسبق لا ينطلق من حسابات شخصية، بل على العكس، يتصرّف من منطلق جمع الكلمة التي ستعني أن تطوراً كبيراً سيحدث في السباق الانتخابي سيغيّر دفة الأحداث التي بلغت ذروة الانحدار في الانتخابات السابقة عام 2018.

ينقل زوّار السنيورة الأسبوع الماضي لـ”النهار” قوله: “المعركة الآن هي بين من يريد سيادة الدولة وبين من يريد خلاف ذلك”. ويسأل: “ما القضيّة هنا؟” ويجيب: “القضية الآن ليست قضيّة مرشّحين، بمن فيهم أنا شخصياً. فقد عملت وزيراً، كما عملت رئيساً للوزراء. وكذلك عملت رئيساً لكتلة نيابية، ما يعني أنه لم يعد هناك من مزيد لكي أطمح إليه. إذن، المشكلة ليست هنا، بل هي فعلياً في مكان آخر. إن قضيّتنا لم يعد هناك من مجال لمعالجتها بالمراهم، وبالحلول العابرة”.

ويسأله الزوّار عن الغبار الذي يثار حول تعارض موقفه مع موقف زعيم “المستقبل”، فيجيب السنيورة بلا تردّد: “ليس هناك من انقلاب على سعد الحريري، كما يتوهّم البعض. فسعد الحريري له مكانته، وهو من يقرّر متى يعود ويقوم بدوره، الموضوع الآن أكبر من الأشخاص”.
وعندما يسأله أحد الزوار عن تفسيره لردة فعل الأمين العام لتيار “المستقبل” أحمد الحريري السلبية على مؤتمره الصحافي الأخير، يجيب مبتسماً: “هناك زرّ في الكمبيوتر يدعى delete”، كي يشير الى أن الأمر أصبح من الماضي.

ويشدد على أن “العمل الجماعي فكرة ما زالت قائمة” وهي ستتظهّر أكثر قريباً. ولفت الى أن هناك “رأياً عامّاً يتكوّن”، وقال: “وصلنا الى خيارين: إما إعلان الهزيمة المنكرة وإما المواجهة”. ويخلص السنيورة الى الاستشهاد بمثلين: الأول ما حصل لامرئ القيس عندما وقعت مؤامرة على أبيه وقتل وتمّت السيطرة على الملك، فذهب الى إمبراطور القسطنطنية مستنجداً، وهو ينشد:

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبكِ عينك إنما
نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا

أمّا المثل الثاني، وهو بالانكليزية:
Stand up to be counted
أي “قف كي يُحسب لك حساب”.

في المقلب الآخر، لم يتأخر نصرالله في اللجوء الى الحرب الروسية على أوكرانيا، ليستنتج منها مثل “السلاح،” خلال كلمة له في مؤتمر لمناسبة مرور ثلاثين عاماً على سقوط الأمين العام السابق لـ”حزب الله” عباس الموسوي، فقال: “من جملة العبر في ما يجري حالياً، هذه عبرة من يسلّم سلاحه للآخرين ‏ويتّكئ على ضمانات تعطى من هنا وهناك، ثم إذا وقعت المعركة “الحقوني” ‏وأرسلوا إليّ السلاح”.

هي إذن، مواجهة بين شعارين: حماية سلاح “حزب الله” الذي له وظيفة إيرانية تمتدّ من بحر قزوين الى البحر المتوسط، وبين شعار نزع هذا السلاح لتبقى وحدانية السلاح بيد الدولة.

من المؤكد أن “حزب الله” لا يضع في حسابه مباشرة الرئيس السنيورة، لا بل يرى في طرح هذا الموضوع على هذا النحو “استفزازاً” له و”استهانة” بحجمه. لكن ماذا لو كان السنيورة هو “رأس جبل الجليد” الذي يعني أن زمن المساومات على موقف السنّة قد ولّى، وجاء الوقت لتقول هذه الطائفة كلمتها الوطنية في الانتخابات المقبلة؟

إنها مسألة أيّام فقط، ليتضح بعضها “الخيط الأبيض” في القيادة الجماعية لهذا الطائفة، من “الخيط الأسود” الذي يريد أن يبقي كل خصوم “حزب الله” في الماء العكر للخصومات الشخصية.