كيف ستنتهي الحرب في أوكرانيا؟ 5 عوامل قد تحول مجرى الأحداث

يبدو أن وعود الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بالانخراط في عملية عسكرية “سريعة” لن تتحقق في أي وقت قريب، ولا تسير وفقا لمخططات موسكو، بحسب ما ذكره محللون وخبراء في الاستراتيجيات العسكرية لصحيفة “وول ستريت جورنال“.

ويشير الخبراء إلى أن أداء الجيش الروسي حتى الآن نبه بوتين لما يمكن تنفيذه بالفعل في أوكرانيا. ويقول مايكل كلارك، المدير السابق لمعهد “Royal United Services Institute”، وهو مركز أبحاث مقره في لندن: “في كل يوم لا يخسر فيه الأوكرانيون، يفوزون سياسيا”، مضيفا أن بوتين يواجه “كلفة سياسية .. تزداد يوما بعد يوم”.




ورغم أن توقع مخرجات هذه الحرب لا يزال في هذه النقطة “أقرب إلى المستحيل”، وفقا للصحيفة، إلا أن الخبراء يؤكدون أن خمسة عوامل أساسية من شأنها أن تغير من مجريات الأحداث جذريا.

التنسيق الروسي

لم تقم روسيا بضم عدد كبير من القوات لغزو أي دولة/ منذ الاجتياح السوفييتي لأفغانستان عام 1979. وعبر الخبراء للصحيفة عن صدمتهم من سوء أداء القوات الروسية في الأيام الأولى من اجتياحها أوكرانيا، إذ كانوا يتوقعون أن جيشها قد تطور خلال أكثر من عقد وأنه كان من الممكن أن يمحو المقاومة الأوكرانية في المرحلة الأولى من الاجتياح.

ويقول كلارك: “صدمنا برؤيتنا أوجه الشبه بين الجيش الروسي الحديث والجيش الأحمر القديم، لا يوجد تدريب كاف ولا قيادة جيدة ولوجستيات ضعيفة، والذي قد يرجح إما فشلا ذريعا في التخطيط أو سوء تقدير للعدو”.

ويضيف كلارك للصحيفة أن روسيا قامت بتحديث قواتها الجوية والبحرية والنووية بشكل جزئي أو كلي، لكن الجيش يبدو وكأنه غير قادر على تخطي نقاط ضعفه السابقة.

ويقول ريتشارد شيريف، وهو نائب سابق لقائد قوات حلف شمال الأطلسي “الناتو”: “الروس سيتعلمون .. بالأسلوب الشاق، من خلال تعرضهم للقتل، (سيدركون) أنهم يجب عليهم التنسيق فيما بينهم”، في إشارة إلى تنظيم العمليات المختلفة.

ومن الممكن أن تكون موسكو قد قامت عن عمد بخفض عدد قواتها في بداية الحرب، وأنها توقعت مقاومة أقل مما شهدته، وقد تستخدم هذا التكتيك ذاته من أجل إرهاق المقاومة.

ويرجح بعض الخبراء العسكريين أن تقوم روسيا باستخدام قوة أكبر لتتعمق في الداخل الأوكراني ومن الممكن أن تحاصر مدنا أو توظف الأسلحة الثقيلة ضدها.

لكن ذلك “سيستدعي إطلاق بوتين لعنانه وأن يصبح عدوانيا بشكل كبير سواء في القصف العشوائي والمدفعي للمناطق السكنية وتسطيح المدن الأوكرانية، وهذا ستترتب عليه خسائر بشرية مروعة”، يقول شيريف.

القوات الأوكرانية

استفادت القوات الأوكرانية إلى الآن وبأقصى حد من أصولها العسكرية في مواجهة خصم أكبر وأكثر تقدما.

ويقول شيريف إن التقدم البطيء لروسيا هو “أولا وقبل كل شيء شهادة على شجاعة ومثابرة الجيش الأوكراني والمتطوعين الذين يقاتلون بشكل رائع، بشكل لا يصدق”. مضيفا أن الروح المعنوية تعد عاملا كبيرا في الحروب.

ويرى المحللون العسكريون في حديثهم لـ “وول ستريت جورنال” أنه كلما طال أمد الصمود العسكري الرسمي الأوكراني، زادت متاعب بوتين.

ويقول معظم المحللين إن الجيش الأوكراني سينهار عاجلا أم آجلا، فهو يقاتل بكل ما لديه من قوة بلا راحة، بينما يمكن لروسيا أن تعزز خطوطها الأمامية بقوات جديدة.

ويسود الافتراض أن موسكو ستسعى إلى تنصيب حكومة مطيعة في كييف، وتركها لتدير غرب البلاد، مع ضم جزء كبير من البلاد شرق نهر دنيبرو.

أحد الاحتمالات التي تطرحها الصحيفة بعد ذلك يشير إلى أن الجيش الأوكراني الرسمي سوف يتلاشى وتبدأ حركات تمرد بالظهور. وقال محللون إنهم توقعوا أن تدعم الدول الغربية مثل هذا التمرد، مثلما دعمت الولايات المتحدة مقاومة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان في الثمانينيات.

ويؤكد محللون أنه إذا تجسد تمرد قوي، فقد تحتاج روسيا إلى تكريس مزيد من القوات لمحاربته.

وترجح تقديرات الخبراء أن يصل عدد القوات التي ستحتاجها موسكو للسيطرة على أوكرانيا المتمردة إلى 500 ألف، ويضيف شيريف “بوتين ليس لديه ذلك”، مرجحا أن يعود سيناريو الوضع السوفيتي الأفغاني إلى الواجهة.

الرد الغربي

على الرغم من أن الغرب يحاول تجنب مواجهة مباشرة مع روسيا، وعوضا عن ذلك يوفر الدعم العسكري لأوكرانيا لتتمكن من الدفاع عن نفسها، إلا أن محللين قالوا للصحيفة إن موسكو قد تقترب من حدود بولندا، العضو في الناتو، لمنع تدفق الأسلحة من الغرب، وهنا قد تشهد الحرب تصعيدا ملحوظا.

وإلى الآن قامت كثير من الدول، على رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بفرض عقوبات شديدة طالت القطاع المصرفي الروسي وسط مخاوف من أن تصل قطاع الطاقة وأن ترد موسكو بقطع إمدادات الغاز لأوروبا.

ويستبعد المحللون أن يحدث تغيير في الموقف الغربي، حتى لو تولت حكومة قد تعينها روسيا السلطة في أوكرانيا، حيث قد تقوم برفع بعض العقوبات بشكل تدريجي، باستثناء المتعلقة بارتكاب جرائم حرب.

ردود الأفعال داخل روسيا

بالتأكيد بدأ الشعب الروسي بملاحظة التأثير الاقتصادي الذي خلفته العقوبات المفروضة على بلادهم، لكن ما إن كان ذلك سيغير رأيهم تجاه بوتين يظل مكانا للتساؤل، فحتى لو عارضوا من المستبعد أن يأخذ المسؤولون في موسكو برأيهم، حيث بدأت روسيا أصلا حملات لإسكات المعارضين للحرب على أوكرانيا، وفقا للصحيفة الأميركية.

وتضيف أن الشعب الروسي حتى ولو عارض الوضع الاقتصادي، فإنه سيلقي باللوم على الغرب، وليس بالضرورة على رئيسه.

وتشير إلى أن التحديات الاقتصادية البادية ستقلل من أساسات بوتين لتولي الرئاسة، بالأخص مع ادعاءاته بأنه أعاد الاستقرار لدولة عاشت في فوضى في التسعينيات في ظل رئاسة بوريس يلتسين.

إضافة لذلك، تقول الصحيفة إن الانخراط في حرب طويلة سيكلف روسيا العديد من أرواح جنودها، وهو أمر أثار حفيظة بعض الجماعات المحافظة في الأوساط الروسية، حتى تلك التي يحظى بوتين عادة بتأييدها.

ويقول لورينس فريدمان، بروفيسور الدراسات الحربية في جامعة “كينغز كوليدج” بلندن إن “بوتين ليس أمامه وقت لا متناه لحل هذا” الوضع، مضيفا “مع الصعوبات الاقتصادية التي بدت آثارها تنجلي، لا يمكنه أن يسمح باستمرار الوضع لأسابيع أو لأشهر، وهذا ما قد يتطلبه من الوقت شن حصار أو على الأقل عمل الحركات التمردية، لذا فإن الوقت يعد مشكلة كبيرة أمامه”.

محادثات السلام

رغم أن كييف وموسكو بدأتا عقد محادثات للسلام، إلا أن العديد من المراقبين غير متفائلين بالحصول على أي نتائج سريعة. فأي حل للسلم سيعني أنه يجب على الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أن يخسر أمام بوتين، وذلك لأن الأخير وصف نظام حكمه بـ “النازية الجديدة”، لكن الصحيفة تشير إلى أن أي حكومة تعينها روسيا، لن تحظى باعتراف بالشرعية، سواء داخل أوكرانيا أم خارجها.

ويقول المحللون للصحيفة إن المحادثات الأوكرانية الروسية تدور حول هدفين تسعى موسكو إلى تحقيقهما: الحيادية الأوكرانية والأراضي الأوكرانية.

ويشيرون إلى أن روسيا قد تعمد إلى الحصول على موافقة أوكرانيا على وضعٍ يشبه ما فعلته عام 2014 بضم إقليم القرم، وقد تسعى إلى الاستيلاء على المناطق شرقي نهر دنيبرو.

وتقول أنجيلا ستينت، المتخصصة في الأبحاث الروسية بجامعة جورج تاون لـ “وول ستريت جورنال” إنه من الممكن أن تحاول روسيا “تقسيم أوكرانيا لأجزاء، في حين قد تترك أوكرانيا الغربية وشأنها”، لكنها تستبعد حصول ذلك لأنه بالتالي ستظل الحكومة القائمة في كييف والتي “أعلن بوتين سابقا أنها غير شرعية”.

ويرجح المراقبون للصحيفة أن تقوم روسيا باعتماد دستور لأوكرانيا يمنح استقلالا واسعا لشرقي البلاد وفيتو روسيا على قرارات الحكومة الأوكرانية.

ويضرب كلارك مثالا على وضع قد تسمح به موسكو، ما حصل عندما انسحب السوفييت من النمسا عام 1955، مقابل ضمان دستوري بالحياد، وهو أمر لا يزال قائما إلى اليوم.

لكن آخرين يستبعدون أن يحصل ذلك، خاصة وأن المقاومة لن ترضى بسهولة للرضوخ أمام موسكو بعد استخدامها الحل العسكري.

ويقول فريدمان: “لا أتوقع من أوكرانيا وبعد كل ما حصل أن تقبل أن تصبح بلا حيلة”، ويضيف “يمكنهم أن يمنحوا ضمانات تخص القوات الأجنبية والصواريخ (لكن) لو كنتُ أوكرانيا لا أتوقع أني كنت سأقبل بذلك خيارا لمنعي من الانضمام للناتو”.