لبنان.. أوكرانيون في قلب الحرب

أسرار شبارو – الحرة

بدأت روسيا هجومها على أوكرانيا قبل أسبوع تقريبا، مهددة أرواح الملايين من الأوكرانيين الذين وجدوا أنفسهم فجأة محاصرين بقذائف وصواريخ حرب فرضت عليهم، فيما عدد كبير منهم خارج البلاد يعيشون حالة قلق وإحباط على أحباء لهم باتوا تحت النيران.




في لبنان، تتابع الجالية الأوكرانية بصدمة ما يدور في وطنها، لاسيما بعدما نفى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، على مدى أشهر نيته غزو أوكرانيا، وإذ به يرسل قواته عبر الحدود، حيث أرخت الأنباء المتسارعة عن الاجتياح الروسي بظلالها الثقيلة على يوميات الأوكرانيين في لبنان.

قبل أيام، نظّم أفراد الجالية الأوكرانية في لبنان وقفة احتجاجية أمام سفارة روسيا في بيروت، للمطالبة بوقف العدوان على بلدهم، مردّدين شعارات مندّدة بالرئيس الروسي، في وقت استنكر السفير الأوكراني في لبنان، إيهور أوستاش، الغزو، مشدداً على ضرورة وحدة الشعب الأوكراني في مواجهة موسكو.

دعوة لتضامن الأحرار مع أوكرانيا.

كما شاركت أوكرانيات وروسيات في قداس الأحد في كنيسة مار نقولا للروم الأرثوذكس في صيدا القديمة جنوب لبنان، حيث صلّين لانتهاء الحرب ووقف إراقة الدماء.

السكرتير الأول للشؤون السياسية والاقتصادية في السفارة الأوكرانية، فياتشيسلاف تشوبرينسكي، أكد لموقع “الحرة” أنه “لا يمكن لبلد واحد أن يحارب العالم، فكل الدول تدعم أوكرانيا وتقف إلى صفها، لذلك من المؤكد أن روسيا ستهزم، نعم الوضع دقيق لكن سنفعل كل ما في وسعنا كي ننتصر، نحن لم نتعد على أحد، ومنذ ما يزيد عن الـ 300 سنة وروسيا تحاربنا، وفي النهاية أخذنا استقلالنا”، مؤكداً وقوف السفارة الأوكرانية إلى جانب جالية بلدها، قائلاً “نتابع أوضاع أفرادها ونقدم لهم كل الدعم الذي يحتاجونه”.

صدمة الغزو

على الرغم من كل التهديدات وقرع طبول الحرب قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، فإن طبيبة المفاصل والروماتيزم، ألّا أيكو، لم تتوقع أن يشن الرئيس الروسي هجوماً موسعاً بهذا الشكل.

واعتقدت، كما قالت لموقع “الحرة”، أن الأمر سيقتصر على منطقة دونباس مسقط رأسها, بهدف ضمها إلى روسيا، قائلة “نعاني من قصف روسي متقطع منذ ثماني سنوات، من هنا كان التصور أن يكثف ضرباته لا أن يوسع نطاقها لتشمل كل أوكرانيا”.

منذ الهجوم الذي شنّه بوتين، وألّا تتابع لحظة بلحظة ما يجري في بلدها سواء عبر التليغرام أو اليوتيوب أو السوشيل ميديا، وقالت “لا أحبّذ المحطات الناطقة باللغة العربية، أفضل سماع الأخبار باللغة الأوكرانية كما أتابع الإعلام الروسي لأعلم ما يخططون له، كذلك أنشأنا مجموعات عبر الواتساب تضم أوكرانيات في لبنان نتبادل الأخبار والتعليقات على ما يدور في بلدنا”.

تتواصل ألّا التي تسكن في لبنان منذ 23 سنة، (متزوجة من لبناني ولديها ثلاثة أبناء) بشكل مستمر مع أهلها في كييف “أطمئن عنهم وفيما إن اقترب القصف من مسكنهم، حتى الآن لا زال بعيداً، لكن لا نعلم ما تخبئه الأيام”.

وأضافت “لا يستحق الشعب الأوكراني ما يحصل له، فهو شعب طيب ومن حقه أن يعيش حياة طبيعية وهادئة”، تسكت قليلاً قبل أن تضيف بغصة “بلدي جميل، الخضار يغطي مساحات كبيرة منه، وإذ فجأة يقرر بوتين تدميره”.

واعتبرت ما يحصل ليس منطقياً، قائلة “يمكن للرئيس الروسي تدمير كل أوكرانيا لكنه لن يتمكن من البقاء فيها، فأوكرانيا بلد كبير شعبها يكره بوتين منذ زمن طويل، لذلك أسأل ماذا سيستفيد مما يرتكبه؟”.

وعبّرت عن فخرها بالرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، قائلة: “هو أول رئيس في تاريخ هذا البلد الذي نال استقلاله منذ 31 سنة يثبت بالفعل أنه لا يخاف، وقف إلى جانب شعبه ولم يهرب، لا يبالي بحياته، يواجه الموت من أجل الدفاع عن وطنه ونحن نقدر له ما يفعله”.

وشددت “على ضرورة مشاركة كل من يستطيع من الشعب الأوكراني في الدفاع عن أرضه “هذه بلدنا، ولا أحد يمكنه أن يرتاح سوى في وطنه”.

متابعة على مدار الساعة

وكانت وزارة الخارجية اللبنانية دانت، في بيان، اجتياح روسيا للأراضي الأوكرانية، داعية موسكو إلى وقف العمليات العسكرية فوراً، وسحب قواتها منها والعودة إلى منطق الحوار والتفاوض، “كوسيلة أمثل لحلّ النزاع القائم بما يحفظ سيادة وأمن وهواجس الطرفين، ويسهم في تجنيب شعبي البلدين والقارّة الأوروبية والعالم مآسي الحروب ولوعتها”.

موقف الخارجية اللبنانية جاء نتيجة، وفق البيان، “إيمان لبنان بوجوب حلّ النزاعات كافة التي قد تنشأ بين الدول بالوسائل السلمية، أي عبر التفاوض، ومن خلال آليات الوساطة التي يلحظها القانون الدولي، الذي ينبغي أن يبقى الملاذ الأوحد للدول تحت مظلّة الأمم المتّحدة”.

وعبّرت إيرنا كليمنكو عن قهرها لما يجري في بلدها، مؤكدة أنها على تواصل دائم مع أهلها وأصدقائها، لاسيما وأن القصف يطال منطقة سومي حيث يسكنون.

وقالت: “منذ أن بدأ بوتين هجومه لم تغمض لي عين، أتصل طوال الوقت بأهلي وأقاربي وأصدقائي، فإذا تمكنوا من الرد أطمئن عنهم، وإلا أتوقع وجودهم في الملجأ”، لافتة إلى أن “عدداً كبيراً من معارفها قصدوا أوكرانيا من لبنان بهدف زيارة أهلهم وإذ بهم يجدون أنفسهم وسط النيران”.

كما تتابع إيرنا الأخبار لحظة بلحظة عبر محطة أوكرانية وكذلك عبر الانترنت، مؤكدة “لم نتوقع أبداً أن يشن بوتين حرباً شاملة ومفاجئة على أوكرانيا، اعتقدنا أن الأمر سيحّل بالسياسة، ولهذا السبب لم يغادر أهلي البلد، الوضع صعب جداً حيث يسكنون، أصلّي كي لا يصيبهم والشعب الأوكراني أي مكروه”.

تقيم إيرنا في لبنان منذ 29 سنة، فهي متزوجة من لبناني ولديها ولدان، وقد توجهت إلى بوتين بالقول “يجب أن توقف الحرب فوراً، عليك التوقف عن قتل الأطفال والعجز والأبرياء، الحرب لا توصل إلى نتيجة، وأوكرانيا بلد لا تحب الظلم ولا الحروب”، لافتة إلى الاعتصامات التي نفذها الأوكرانيون في لبنان لإيصال صوتهم الرافض لما يفعله الرئيس الروسي في بلدهم.

ويوم الأحد الماضي، أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن أكثر من 368 ألف شخص فروا من أوكرانيا جراء الغزو الروسي على البلاد، الخميس.

وقالت المفوضية، في تغريدة على تويتر، “بات العدد الإجمالي حاليا 368 ألفا ويواصل ارتفاعه”، مضيفة أن العدد الجديد مبني على “بيانات قدّمتها السلطات الوطنية” لكل دولة استقبلت اللاجئين الأوكرانيين.

جرح عميق

ولدت أمل الحر من أم أوكرانية وأب لبناني، عاشت طفولتها في أوكرانيا قبل أن تستقر في لبنان، لتستمر في زيارة البلد الذي طالما أحبته، وإذ تصدم بخبر الهجوم عليه وقتل شعبه وتدميره.

وقالت: “كنت أتابع تهديدات بوتين ومع ذلك استبعدت الحرب كلياً، وعندما بدأ هجومه صعقت، انقلبت حياتي رأساً على عقب، أشعر وكأني وسط ما يدور، أخشى كثيراً على أقاربي لاسيما وأني لست بقربهم لأعلم وضعهم وما يواجهونه”.

في بوريسبيل يعيش أقارب أمل، وقالت “يحاولون طمأنتنا بأن القصف بعيداً عنهم، لكن ما نسمعه في الأخبار مغاير لما يحرصون على إيصاله لنا، فمنذ الهجوم لم أغلق التلفاز، كذلك أتابع ما يجري عبر الانترنت، أحزن جداً عندما أشاهد القذائف والصواريخ تنهمر على بلدي الجميل وشعبه الطيب”.

لكن لماذا لم يغادر أهلها أوكرانيا إلى حين انتهاء الهجوم، عن ذلك أجابت “الأمر ليس سهلاً كما يبدو، كييف أكبر من لبنان والوصول إلى الحدود صعب، كما أنهم لن يتركوا بيوتهم وأرضهم فريسة للغرباء”.

وأشادت بالرئيس الأوكراني الذي انتخبته قائلة “سيكتب التاريخ وقفته ودفاعه عن وطنه وشعبه، نحن نضع آمالنا عليه ونتمنى من الله أن يحميه”.

موقف لبنان الرسمي من الاجتياح الروسي دفع السفارة الروسية لدى لبنان إلى التعبير عن “دهشتها”، معتبرة في بيان أن الخارجية اللبنانية “خالفت سياسة النأي بالنفس واتخذت طرفاً ضد طرف آخر في هذه الأحداث”.

وأكدت أن “روسيا لم توفر جهداً في المساهمة بنهوض واستقرار الجمهورية اللبنانية”، مضيفة “روسيا لم تشن حرباً، بل هي عملية خاصة تهدف إلى حماية مواطنين روس وبناء على طلب جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك بعد اعتراف الرئيس فلاديمير بوتين باستقلالهما”.

زوجة الطبيب الجراح علي دغيلي، أوكرانية من ضواحي مدينة خاركوف، وهو كذلك يحمل الجنسية الأوكرانية، تحدث لـ”الحرة” عن وضعها الصعب ومدى الحزن التي تعيشه، وكيف توقفت عن متابعة حياتها وأصبح كل وقتها مكرّساً لمتابعة أخبار بلدها والاطمئنان على أهلها الذين تضرر منزلهم نتيجة القصف.

وقالت “للأسف انقطع الانترنت عن المدينة، وخدمة الاتصال العادي رديئة من هنا زاد توترها وقلقها على أحبائها”.

تفاجأت زوجة الدكتور دغيلي “بالهجوم على بلدها، اعتقدت بأن الأمر سيقتصر على مدينتي دونباس ولوغانسك الحدوديتين وإذ تصعق بأن الحرب شاملة”.

ولفتت إلى أن “تداعيات الحرب لا تقتصر على الخراب والدمار والخسائر الاقتصادية والاجتماعية، بل على الجرح داخل البيت الواحد، فالعديد ممن أعرفهم هم من والدة أوكرانية ووالد روسي أو العكس، وكذلك على سبيل المثال شقيقيَ متزوجان من روسيتين، يعني أن التداخل العائلي كبير بين الروس والأوكران، ومنذ اندلاع الحرب زوجتي وزوجتا شقيقاي يبكين طوال الوقت”.

يعيش الدكتور دغيلي مع زوجته في لبنان منذ 32 سنة، ولديهما ثلاثة أبناء يحملون الجنسية الأوكرانية، وقال “نتمنى أن تقف الحرب، فلا شيء يحل القضايا العالقة سوى الجلوس إلى طاولة واحدة، وإلى حينها نعمل ما بوسعنا عبر نادي خرجي جامعات ومعاهد أوكرانيا لمساعدة الطلاب اللبنانيين العالقين في البلاد بالتنسيق مع السفارة الأوكرانية في بيروت والسفارة اللبنانية في كييف، كما سنطلق حملة تبرعات عينية ومادية لإرسلها إلى أهلنا هناك”.