باسيل يسبح عكس التيار!

عماد مرمل – الجمهورية

وسط الانشغال اللبناني بالحرب بين روسيا وأوكرانيا والهموم الاقتصادية والانتخابات النيابية والحدود البحرية، أطلّ رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل سابحاً عكس تيار الاحداث، ليُطلق مشروع «لبنان المدني» المرتكِز على بنود اصلاحية عدة، من بينها العودة إلى اقتراح لافت في مضمونه وتوقيته يقضي بانتخاب رئيس الجمهورية من الشعب على مرحلتين، علماً انه سبق للعماد ميشال عون أن طرحه قبل وصوله الى رئاسة الجمهورية.




لم يتأخر خصوم باسيل في الهجوم على سلة الاقتراحات التي عرضها، خصوصاً ما يتعلق منها بالانتخاب الشعبي لرئيس الجمهورية، معتبرين انّ طرحه ليس سوى ترف سياسي في هذه المرحلة الصعبة، ويرمي الى تحقيق الأهداف الآتية:
– محاولة التغطية على إخفاقات العهد وتياره عبر الهروب الى الامام وإطلاق شعارات تُدغدغ الناس.
– السعي الى تجميل الصورة والخطاب استعداداً للانتخابات النيابية بعد الإفراط في التطرف الطائفي تحت شعار استعادة الحقوق.
– تضخيم نقاط الضعف في النظام وتجاهل سياسات التعطيل المتعمّد للمؤسسات والاستحقاقات، بغية تبرير الانقلاب على اتفاق الطائف.
– التملّص من مسؤولية العهد والتيار عن الوصول إلى المأزق الحالي، ثم العجز عن معالجته، بسبب خياراتهما وتحالفاتهما السياسية، وإلقاء التبعات فقط على مكامن الخلل الدستورية.
لم تتفاجأ قيادة التيار بالردود السلبية على باسيل، معتبرة انّ هناك من ينطلق في مقارباته من أحكام مسبقة تصدر عنه حتى قبل أن يسمع الآخر ويدقّق في موقفه.

وتلفت اوساط قيادية في التيار الى انّ المطالبة بانتخاب رئيس الجمهورية من الشعب مباشرة إنما تهدف الى توسيع حيّز الديموقراطية وتحرير الاستحقاق الرئاسي من الضغوط الخارجية التي غالباً ما تحصل عبر التدخل لدى النواب الذين يتولّون اختيار الرئيس، في حين يصعب إخضاع الناس – الناخبين الى هذه الضغوط. وتتساءل الاوساط: لماذا نُبقي هوية الرئيس رهينة التجاذبات الخارجية، بينما بالإمكان لَبننة هذا الاستحقاق بالكامل عبر منح حق الانتخاب الى اللبنانيين مباشرة، بعيداً من الوسيط النيابي الذي قد يتأثر بالمداخلات من هنا أو هناك؟

وتوكد الاوساط انّ اقتراح باسيل يأخذ في الحسبان ضرورة تحصين الانتخاب الشعبي ضد احتمال طغيان إرادة اكثرية من لون طائفي محدد على الأقلية، «ولذا لا صحة ولا مبرر لخشية البعض من تحكّم المسلمين بوجهة الانتخاب، علماً انّ هذه المخاوف تعكس عدم الإحاطة الكافية بما طرحه باسيل».

وتشير الاوساط الى انّ مشروع باسيل يلحظ انتخاب الرئيس على مرحلتين: في الأولى يختار المسيحيون حصراً إسمين (الأول والثاني) من ضمن مجموع المرشحين الى رئاسة الجمهورية فيكون كلاهما حائزاً على مشروعية البيئة التي ينتمي اليها. وفي المرحلة الثانية ينتخب المسلمون وكذلك المسيحيون بطبيعة الحال واحداً من هذين المرشحين الاثنين. وتستغرب الاوساط اتهام التيار بأنه يقفز فوق الاولويات الراهنة المُلحّة ويولي الاهتمام لمسائل غير آنية ولا تتعلق بجوهر المعاناة الحالية، مشددة على أنّ الانهيار الذي وقع، وما سبقه وسَيليه من تحديات سياسية واقتصادية، ليس سوى نتاج لمأزق النظام الذي لا يفرز بطبيعته وتركيبته غير الازمات، «وبالتالي فإنّ تغييره او تطويره ممر إلزامي لمعالجة اصل المشكلة حتى لا نظل نتلهّى بالقشور».

وتنبّه الاوساط الى انّ النظام الطائفي هو الذي أفرز المحميات السياسية والاقتصادية التي تتحمّل جزءا كبيرا من مسؤولية دفع البلد نحو الهاوية، «وإذا كان التدقيق الجنائي المالي أمراً حيوياً لكشف دور الأرقام في الانهيار فإن التدقيق الجيني السياسي كفيل بكشف دور تلك المحميات».

وتلفت الاوساط البرتقالية الى ان باسيل طرح سلة إصلاحية متكاملة، تشكل كلّاً لا يتجزأ للوصول إلى الدولة المدنية التي تحقق المواطنة المتحررة من القيد الطائفي، الى جانب مراعاة هواجس الطوائف عبر تثبيت المناصفة في مجلس الشيوخ.
وتدعو الاوساط الآخرين الى تلقّف مبادرة باسيل والبناء عليها، «أما إذا قوبِل بآذان صماء فلا يلومنّه أحد إن استشرَس في الدفاع عن حقوق المسيحيين وصلاحياتهم، ما دامت قواعد النظام واللعبة على حالها».

وتلفت الاوساط الى انّ التيار خاضَ اساساً معركة تثبيت الحقوق لتحقيق الشراكة الوطنية، «بينما غيرنا اعتمَد مقولة الدفاع عن الحقوق لفسخ تلك الشراكة كما فعلت القوات اللبنانية على سبيل المثال خلال الحرب حين رفعت شعار أمن المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار».

ووفق الاوساط إيّاها فإنّ المشروع الذي اعلن عنه باسيل هو «نقلة نوعية وشُجاعة في خطاب التيار وسلوكه، ونحن نعلم ان المؤسسة الكنسية والاقطاع السياسي ليسا مسرورين به كثيراً».

وتنفي الاوساط ان يكون ما طرحه باسيل يُضمر انقلابا على اتفاق الطائف، مشيرة الى انه يقترح الذهاب في اتجاه إلغاء الطائفية من خلال خطة منهجية، «وليس إلغاء الطائفية السياسية حصراً لأنّ من شأن ذلك أن يؤدي إلى هيمنة فئوية».

واذا كانت حماسة التيار للامركزية الادارية والمالية الموسعة قد تسببت في «نقزة» شملت بعض الحلفاء، فإنّ اوساطه تشدد على أنّ اللامركزية التي ينادي بها لا تنطوي على اي نزعة انفصالية او تقسيمية، «بل هي تسمح للمناطق بأن تطوّر قوتها الاقتصادية المنتجة وتنقلها بالشراكة والعدوى الى المناطق الأخرى»، متسائلة: اذا كنا من دعاة الانفتاح على الجوار الاقليمي وصولاً الى بناء اقتصاد مشرقي يربط لبنان بسوريا والاردن والعراق، فكيف لنا أن نكون في الداخل من أنصار الانغلاق والتقوقع؟