سمير عطا الله

رجل الثلج – سمير عطالله – النهار

“يجب أن تطيع القانون دائماً، وليس فقط عندما يمسكون بك من موضعك الحميم”
#فلاديمير بوتين

تبدأ القصة دائماً من المكان نفسه. الحكاية الرابعة عشرة في أساطير المسيو دو لافونتين: يعكّر الحَمَل اللعين مياه الجدول على الذئب. لكن الحمل يحاول ان يشرح: مولاي، انظر الى المياه، صافية مثل العين الباكية. أنا لم أعكر شيئاً. يردّ الذئب غاضباً: ربما ليس أنت. لكن بالتأكيد والدك أو أخوك أو ابن عمك، أو يقال الحيّ الذي تسكن فيه.




قرأ الرفيق فلاديمير فلاديموفيتش النص حرفياً من الفرنسي الذي تأثر بابن المقفع: عكّرت على #روسيا صفو حياتها. خططت لغزوها واحتلالها. مَن أنت، ومن يكون بلدك وشعبك؟ أنت صدفة تاريخية اخترعها فلاديمير ايليتش في لحظة تخلٍّ. أنت اختراع روسي رديء. مَن يكون شعبك لولا عطف الثورة البولشفية.

ساعة كاملة وهذا الرجل المذهَّب يقرِّع الشقيق المجاور، حليف الأمس ورفيق الدرب الاحمر. مكفهراً كالمعتاد، غاضباً لأنه لم يُترك له اليوم السابع لكي لا يولد العالم معوجّاً ومزدحماً بالاوكرانيين. خطأ وحدث. أو بالأحرى تكرر. هكذا ضاعت غلطة اليوم السابع من قبل على هتلر وموسوليني، والأخ معمّر وصدام حسين. قبل اجتياح الكويت، قرأ الرفيق صدام عدداً من الخطب، جميعها تبدأ بالقدس ثم الموصل وبغداد. وقد روى للسامعين كيف جفّف المعتدي الكويتي نفط العراق، وكيف اعتدى على اراضيه، وكيف ان المحافظة التاسعة عشرة اقتُطعت من أرض العراق وسُميت الكويت، في حين ان اسمها الحقيقي هو “الكوت”.

دائماً الحقيقة عند قويّها، كما قال الذئب للحمل في الحكاية الرابعة عشرة. وكما لا وجود للكويت، كذلك ل#أوكرانيا. صدفة حدودية من صدف الجغرافيا لكن بلا تاريخ، لذلك، اقتضى ضمّها. لكن قبل الضم لا بد من ازالة شرعيتها. فلاديمير طلب من الجيش تسلّم الحكم وإبادة الحكومة العميلة. صدام عيَّن الملازم علاء حسين الخفاجي، مجهول باقي الهوية والسكن، مكان الشيخ جابر الاحمد الجابر، أمير البلاد.

لم تكن تلك السابقة الأولى. يجب ان نتذكر دائماً المسيو دو لافونتين وذئبه وحمله. فقد دخل هتلر الى تشيكوسلوفاكيا من اجل حماية ألمانها في اقليم السوديت. ومن هناك اكمل رايح رايح حتى قَلَبَ العالم، بادئاً بالروس، تلك الدرجة الثانية من البشر. تماماً مثل أوكرانيي اليوم. يغيب عن بال المستقوي دائماً انه لم يعد من الممكن التهام الحمل من دون الإصابة بسوء هضم شديد. أو قاتل. تخرَّب العالم أجمع من حول هتلر، وتفتّت العراق والعالم العربي من بعد أبي المعارك، ووقف الحمل الاوكراني يقاوم على نحو هائل، جيوش بوتين وقاذفاته وصواريخه المنهالة مثل مطر شباط في موسكو.

دائماً ينسى المتغطرس في عربدته، العنصر الأكثر أهمية. بوتين نسي الروس، وأنهم شعب يكره ذكريات الحروب ولا يريدون ارسال ابنائهم الى القتال اكثر من الاميركيين، وذريعتهم النووية الكاذبة في العراق. ونسي الكولونيل بوتين انه أسكت الروس بأكثر مما يحتملون. والآن رماهم في العزلة السياسية والدمار الاقتصادي والحصار المعنوي، وجعلهم تحت تندُّر العالم، امام كوميدي سابق كان آخر افلامه “خادم الشعب”، وهو قصة استاذ مدرسة بسيط يُنتخب – مثله – رئيساً للجمهورية. عرضت اميركا على فولوديمير زيلينسكي نقله الى مكان آمن، فكان جوابه الساخر: “أنا في حاجة الى ذخيرة، لا الى توصيلة”. المسيح قبله قال: “أريد رحمة لا ذبيحة”.

هي، الرحمة، تُطلب في مكان آخر. هنا، يشاهد رجل الكرملين المذهَّب، مليون لاجىء يتركون منازلهم في حقول الثلج اللانهائي في اوروبا الشرقية، ويذكّرهم بيوم حرَّرهم ستالين من النازية. وكان ذلك صحيحاً. والصحيح ان ستالين حرر الروس ايضاً من مرض هتلر، لكنهم عادو فأمضوا السنين يحاولون التحرر من ستالين، ومن ذِكره. مثلهم مثل الألمان الذين يمنعون اسم ادولف على الهويات. ومثل نابوليون الذي أفنى الجيش الفرنسي من اجل ان يكون امبراطوراً. ومثل دونالد ترامب الذي لا يكفّ عن ارسال التحيات الى اصدقائه في هذا العالم، فلاديمير فلوديموروفيتش وكيم جون – أون وأسعد أبو خليل.

“العالم ليس عقلاً” قال المفكر عبدالله القصيمي، صاحب الصرخة الأخرى “العرب ظاهرة صوتية”. لكن من خلال الحكاية الرابعة عشرة للحكواتي والقوّال الفرنسي الطيب، المشكلة ليست في العقل وحده. إنها ايضاً في القلب. يقول الدكتور طلال الخزرجي (من العين، الامارات) ان الناس اعتادت القول، دعنا نحتكم الى المنطق. وهذه فظاعة. المنطق لا رحمة فيه ولا اتفاق عليه. لذلك لا ينقذ الإنسانية سوى ان يكون منطلقها الأخلاق في حل القضايا والمشاكل. فالخُلق الكريم لا يمكن ان يسوِّغ لرجل تدبَّر ان يكون حاكماً مطلقاً حتى العام 2036، أن يذلّ جميع جيرانه، ثم يقتحم الدولة الأقرب الى شعبه ويعتصرها بكل قواه العسكرية الطاحنة. كذلك قال الرسول: “جئت لأتمم مكارم الأخلاق” وليس اصول المنطق. فـ”المنطق” الدولي يسمح للرجل بوتين ان يبيد الشيشان وأن يشرّع ابادة اوكرانيا وأن يعربد في سماء العالم، أما الأخلاق فتقضي، أريد رحمة لا ذبيحة. أريد لياقة لا تحقيرا. أريد مساواة وليس ان تعامل الاوكرانيين كما عامل ادولف الروس، شتمهم، وحقَّرهم، وانقضّ عليهم لأن بلاده في حاجة الى ارض زراعية. احرقه أبطال الروسيا كما احرقوا نابوليون من قبله. لا شيء يبرر الطغيان، والعدوان واذلال البشر وتشريدهم وتجويعهم وقتلهم واحتلال عواصمهم. لا شيء. حتى خطاب بوتين، الذي دام ساعة كاملة، مملّة مضجرة سقيمة بليدة، وتشرشر دماً وموتاً ووعيداً واملاءات لا تشبه إلا “الديكتات” النازي.

لماذا سوف يفاخر الروس عبر التاريخ بستالينغراد ولينينغراد ويتقبلون همجيات اوكرانيا؟ طبعاً لن يقبلوا. لا يمكن للتاريخ الروسي تحمّل ستالين آخر. ألم ينقذهم منه الراعي الاوكراني نيكيتا سيرغيفتش خروشوف؟ ألم يرقص الروس ابتهاجاً – ومعهم العالم – يوم سقط جدار برلين الذي كان بوتين حارساً عليه، ورمزاً من رموزه؟

ثمة مشهدان الاسبوع الماضي: الرجل بوتين في أبّهة الكرملين، خالي المشاعر والمعالم، خالٍ من اي كلمة طيبة للناس، وجو بايدن يبلغ قتلاه (بوتين) وجائعيه ان العالم أجمع يصلّي من اجلهم. الشرق يعربد، والغرب يصلّي. وكان اوزالد شبلننغر، صاحب المرجع التاريخي “انحسار الغرب” يقول ان “الانسانية” تجليطة لا معنى لها. ما بين بورما وسوريا واوكرانيا وفنزويلا، شهد العالم اخيراً تشرد 30 مليون إنسان على الأقل، بينهم 300 الف في الرابع من آب.

تهيأ للعقيد بوتين، كما تهيأ من قبل للعقيد حسني الزعيم والعقيد معمر وعقداء اليونان أن اوكرانيا ما أن تسمع ازيز السوخوي حتى ترفع الرايات بيضاء. حتى هذه اللحظة ترفع الرايات حمراء، فيما يذهب صاحب الكرملين الى اللعبة الأكثر سماجة، معلناً تحريك الاسلحة النووية. ماذا حل بك يا رجل؟ المدن خلت والاطفال في الثلوج والعالم بأجمعه ينكرك لولا نجدة وهمّة مادورو في جنة فنزويلا، وفخامتك تحرك السلاح النووي. كل المسألة لا تحتاج الى اكثر من تحرك مشاعر إنسانية، والإنسانية تجليطة، كما أثبت أهل هذا الكوكب.