ماذا تغير في 15 عاما؟.. صحيفة “الحالة العقلية” لفلاديمير بوتين

في عام 2014، عندما احتلت روسيا شبه جزيرة القرم، واندلعت حرب مميتة في شرق أوكرانيا، وصف السياسي الروسي المعارض، بوريس نيمتسوف، الرئيس فلاديمير بوتين بأنه “غير متزن عقليا”، وكان مصيره القتل بالرصاص بعد ذلك.

ورغم ذلك، ظل بوتين يوصف بالبراغماتية وبأنه زعيم يستطيع أن يقدر المكاسب والخسائر من مغامراته المتتالية.




لكن بعد سبع سنوات من 2014، شن بوتين حربا جديدة غير مبررة أدت إلى توحد القوى العالمية ضده وفرض عقوبات غير مسبوقة على بلاده.

هذا الأمر طرح تساؤلات عما إذا قد حدث تحول في سلوك بوتين، وأصبحت هذه القضية محط اهتمام الخبراء والمحللين بل والاستخبارات الأميركية التي بات تعتبر هذه القضية “أولوية قصوى” لها، وفق مصادر تحدثت تحدثوا إلى شبكة “سي أن”.

فقد أثارت كلماته وأفعاله خلال الأسابيع التي سبقت الغزو، وفي الأيام القليلة بعد الهجوم، مخاوف الجميع، خاصة بعد أن هدد بالسلاح النووي ردا على العقوبات الغربية.

ويقول ستيفن بيفر، خبير الأمن الأوروبي، الذي عمل سفيرا للولايات المتحدة في أوكرانيا في تصريح لموقع الحرة”: “إننا نشهد فلاديمير بوتين مختلفا عما كان عليه قبل 10 أو 15 عاما. يبدو الآن عاطفيا أكثر عندما يتعلق الأمر بأوكرانيا”. ويضيف أن بوتين “يخاطر بالغزو أكثر بكثير مما كان يتوقعه أي شخص في وقت سابق”.

وتعتقد المحللة المختصة بالشأن الروسي، آنا بورشفسكايا، أن سلوك بوتين تغير بشكل أساسي، مشيرة إلى أن خطابه الأخير كان “مروعا”.

وتقول لموقع “الحرة” إنها “لم تر بوتين يتصرف بهذه الطريقة من قبل، وهو ما يطرح أسئلة بشأن طريقة تفكيره في الوقت الحاضر، وتضيف: “بوتين ذهب بعيدا بهذه الحرب.. هذا تغيير كبير في طريقة تعامله مع العالم”.

وكتب مارك غالوتي، الخبير في الشؤون الروسية في تغريدة بعد وقت قصير من بدء الغزو أن بويتن بدا “منفصلا عن الواقع”.

وغرد مايكل كوفمان، خبير الشأن الروسي، بأن الحملة العسكرية الروسية “تبدو مروعة” لأن الافتراضات الكامنة وراءها “كانت جنونية”.

وكتب كادري ليك، زميل المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن تركيز بوتين على استعادة السيطرة على أوكرانيا بعد ثلاثة عقود من الانهيار السوفيتي، يبدو أنه تسبب في فقدان بصيرته أو صرف عينيه بعيدا عن رفاهية بلاده”.

هذا الأمر أيضا وصل أروقة الكونغرس ودائرة صناعة القرار في الولايات المتحدة.. السناتور الجمهوري، نائب رئيس لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ، ماركو روبيو، قال إن لديه معلومات استخباراتية سرية تشير إلى حدوث تغير لدى بوتين.

ونقلت “سي أن أن” عن مصادر القول إن أجهزة الاستخبارات الأميركية تقيم الصحة الذهنية للرئيس الروسي وقد أعطت ذلك أولوية قصوى.

وتشير “سي أن أن” إلى أن أحد التقارير الاستخباراتية الأخيرة التي اطلعت عليها تشير إلى أن سلوك بوتين أصبح “مقلقا للغاية ولا يمكن التنبؤ به”.

لكن الاندفاع المفاجئ إلى الحرب أعطى بعض مسؤولي الاستخبارات شعورا بأن القرار كان “خارجا عن طبيعته”، ربما بسبب ما تشير إليه بعض التقارير الاستخباراتية السابقة بأنه العزلة المطولة أثناء جائحة كوفيد-19.

ويتفق ستيفن بيفر، الذي شغل منصب نائب مساعد وزير الخارجية في مكتب الشؤون الأوروبية والأوروأسيوية، في تصرحيه لموقع” الحرة” مع ذلك ويقول: “يجب أن نتساءل عن تأثير العزلة التي عاشها وعمل فيها خلال العامين الماضيين بسبب كورونا”.

وكانت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، كوندوليزا رايس، قد قالت في مقابلة إن الرئيس الروسي “غير متزن” وحذرت من أنه قد يفكر في مهاجمة دول أخرى بعد أوكرانيا.

وكشفت رايس، التي التقت بوتين عدة مرات من قبل أن لديه “توهم عميق باستذكاره التاريخ.. دائما كانوا يشعرون بأنهم ضحية لما حدث لهم، والآن يتم إلقاء اللوم على لينين بشأن (ما جرى في) أوكرانيا.. لذا فهو (بوتين) ينحدر إلى شيء لم أره شخصيا من قبل”.

وسلط سفير أميركي سابق، عمل في روسيا قبل 8 سنوات، التقى خلالها الرئيس الروسي بانتظام الضوء على “التصرفات غير العقلانية لبوتين” وقال في مقابلة حديثة: “عندما يتم إزاحته من نظام سويفت، وبعد ذلك يقف أمام جنرالاته ويقول: “نحن بحاجة إلى الاستعداد للحرب النووية” هذا لا يبدو عقلانيا جدا بالنسبة لي”.

وذكر الدبلوماسي الأميركي السابق مايكل ماكفول أن بوتين، الذي ظل في السلطة لنحو 22 عاما “لا يستمع إلى مساعديه، وحتى عندما كنت سفيرا قبل ثماني سنوات، كان يرفض بشدة أي شخص من حوله.. لم يعد يخرج إلى الناس كثيرا، وتحت ظروف كورونا، كان أكثر عزلة”.

وتابع: “جلست معه في غرفة واحدة لمدة خمس سنوات عندما كنت أعمل في إدارة أوباما. أتحدث الروسية. لقد استمعت إليه، وأعرف ما يقوله. إنه منفصل بشكل متزايد عندما يتحدث عن النظام”.

ولسنوات، أعرب بوتين عن رغبته في إخضاع أوكرانيا لسيطرة موسكو، ووضع خططا للغزو وحشد القوات على حدودها، وبينما كان العالم يراقب بقلق هذا الوضع، كان هناك شعور بأنه سيتراجع في النهاية لكن الأمور سارت عكس ذلك.

وفي الخطاب الذي ألقاه في 21 فبراير الماضي، استدعى بوتين تصوراته السابقة بأن أوكرانيا دولة غير شرعية لا تستحق السيادة، واتهم حكومتها بارتكاب “إبادة جماعية” في دونباس.

وفي 25 فبراير، أي بعد يوم من بدء الغزو، وصف حكومة الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، بأنها عصابة من “مدمني المخدرات” و “النازيين الجدد”، وحث الجيش الأوكراني على الاستيلاء على السلطة، متجاهلا مستوى الروح المعنوية التي ارتفعت بشدة في أوساط الشعب الأوكراني.

يتصرف بعقلانية.. ولكن

وجاء في تحليل لموقع “راديو أروبا الحرة”، حول الموضوع أن تفسيرا آخر هو أن بوتين “يتصرف بعقلانية، بطريقة ما، ولكن بناء على مجموعة معيبة للغاية من الادعاءات أو المعتقدات أو الافتراضات”.

وقد يكون قد اتخذ قرار الحرب بتشجيع من الدائرة النافذة حوله، التي نقلت له دعاية تروق لتصوراته عن العالم.

وقال مسؤول أميركي لشبكة “سي أن أن” إنه لا يوجد تقييم شامل يشير إلى تغيير معين في صحة بوتين العامة، وأن من المحتمل أن تكون استراتيجية بوتين هي إظهار عدم الاستقرار، في محاولة لدفع الولايات المتحدة وحلفائها لمنحه ما يريد، خوفا من أن يفعل ما هو أسوأ.

وتقول بورشفسكايا لموقع “الحرة”: “عندما تكون ديكتاتورا، وتحيط به تلك الدائرة الصغيرة من الأشخاص الذين يخشون إخبارك بالحقيقة، عندها يمكنك أن تتعثر في عالمك الخاص”.

وتضيف أن بوتين” أخطأ في تقدير ما سيكون عليه هذا الغزو. اعتقد أنه سيكون سريعا وسهلا كما كان في عام 2014. أعتقد الآن أنه يحاول فهم الخطأ الذي حدث”.

عقيدة قديمة

وتشير المحللة إلى عقيدة قديمة لدى بوتين، وهي أنه “لم يغفر للولايات المتحدة أنها كسبت في الحرب الباردة، وما يريد أن يفعله الآن هو تحقيق نهاية مختلفة وفرض نظام عالمي جديد. يريد أن يرى عالما توجد فيه قوى عظمى مثل روسيا والصين يمكنها التصرف مع الإفلات من العقاب”.

وتشير إلى أن هذه الفكرة كانت موجودة دائما لديه بشكل أساسي، ثم نمت شيئا فشيئا وأصبح أكثر جرأة على مر السنين”، وهو ما “تؤكده تدخلاته العسكرية السابقة، في جورجيا وأوكرانيا وسوريا وأوكرانيا وفي شبه شبه جزيرة القرم والآن أوكرانيا”.

واستنتج بوتين من التجارب أن الغرب “أصبحا أكثر ضعفا مما يعطيه فرصة للإفلات من تدخلاته. وأصبحت خطواته أكثر جرأة”.

وتضيف المحللة أنه يؤمن بنظام عالمي “مختلف تماما عن النظام الليبرالي القائم على القواعد الذي تقوده الولايات المتحدة. وهو يعتقد أن الدول الصغيرة، مثل أوكرانيا، ليست دولا حقيقية تتمتع بسيادة” ولا تعتقد أنه سيتراجع عن موقفه الآن، متمسكا بهذه العقيدة.

وفي كتابه: “من الحرب الباردة إلى السلام الساخن.. سفير أميركى في روسيا بوتين”، يشرح السفير الأميركي السابق، مايكل ماكفول، الذي عمل خلال إدارة الرئيس الأسبق، باراك أوباما، وشارك في صياغة سياسة “إعادة ضبط العلاقة” مع روسيا، أن هناك “صراعا أيديولوجيا جديدا بين روسيا والغرب، ليس بين الشيوعية والرأسمالية ولكن بين الديمقراطية والأوتوقراطية “.

ويروي الكتاب القصة الكاملة للعلاقات الأميركية الروسية، من منظوره، من سقوط الاتحاد السوفيتي إلى الصعود “الجديد للرئيس الروسي المعادي والمصاب بجنون العظمة”.

كان ماكفول إيجابيا بشأن علاقة صحية أكثر بين الولايات المتحدة وروسيا عندما بدأ مهامه في موسكو. وساعد في صياغة سياسة الولايات المتحدة التي دعت إلى تعاون جديد وغير مسبوق بين الخصوم القدامى.

لكنه وجد بعد ذلك أن بوتين لا يؤمن بالديمقراطية، وأنه وقف ضد الدعم الأميركي للربيع العربي وقمع المتظاهرين في الداخل، وقال “إنه للفوز بإعادة انتخابه في عام 2012 وتهميش خصومه المحليين، احتاج بوتين إلى رسم الولايات المتحدة كعدو مرة أخرى”.

كتب ماكفول: “لقد رفض أي تعاون أعمق معنا ونتيجة لذلك، اتجهت إدارتنا إلى سياسة أكثر تصادمية بعد أن رفض بوتين محاولاتنا للتعامل معه”.

وكشف تقرير سابق لموقع الحرة، عن تاريخ العلاقات بين بوتين والرؤساء الأميركيين، أن هذه العلاقات بدأت هادئة مع كلينتون وجورج بوش الابن، ثم توترت رغم الانفتاح الأميركي على روسيا من أجل خفض مخزونان الأسلحة النووية والتعاون الاقتصادي.

ويقول أرشي براون، أستاذ السياسة بجامعة أكسفورد ومؤلف كتاب “صعود الشيوعية وسقوطها”، إنه “بقدر ما تمتلك روسيا أيديولوجية، فهي تنتمي إلى القومية الروسية والإيمان بالدولة القوية. يمكننا تسميتها “روسيا أولا”. بحكم التعريف، أي عقيدة من هذا القبيل ليس لها جاذبية دولية. لم يعد لدى روسيا نموذج سياسي اقتصادي مميز مثل النظام الشيوعي” أثناء الحرب الباردة”.

لكن وفق المحللة الروسية ، آنا بورشفسكايا، فإن الرئيس الروسي يريد استعادة التاريخ “ويرغب في نهاية مختلفة للحرب الباردة”.



الحرة