على الأرض وفي السماء.. تقرير يكشف مشكلات آلة الحرب الروسية في أوكرانيا

يؤكد محللون أن القوات الروسية تواجه معضلة عسكرية في أوكرانيا، في حين يشكك آخرون أن موسكو لم توظف قدراتها القتالية الكاملة بعد.

فعندما غزت القوات السوفييتية تشيكوسلوفاكيا في عام 1968، كان ذلك مباشرا. لم يواجه الغزاة مقاومة تذكر، ونُقل زعيم البلاد إلى موسكو في اليوم الثاني، في خطوة “ابتلعها الغرب فورا”، وفقا لما ذكره المؤرخ سيرجي رادشينكو لصحيفة “ذا إيكونوميست“.




لكنه استدرك قائلا: “ما لدينا اليوم في أوكرانيا أمر مختلف كليا”.

يقع الجزء الأكبر من القوات الروسية الآن على بعد 25 كلم من وسط العاصمة كييف، ومن المحتمل أن يحاصرها في الأيام المقبلة.

كما اخترقت القوات الروسية أيضا الخطوط الأوكرانية في الجنوب، واتجهت غربا إلى أوديسا، وهي ميناء رئيسي، وشمالًا إلى وسط البلاد، حيث يمكن أن تقطع القوات الأوكرانية في شرق أوكرانيا. وتعرضت مدينة خاركيف التي صدت الهجمات في مطلع الأسبوع لقصف عنيف منذ أمس الاثنين.

كثّفت روسيا هجومها على أوكرانيا، الثلاثاء، مستهدفة مدنا بما فيها كييف وخاركيف حيث تسبب القصف في سقوط ضحايا مدنيين، مما دفع الأوروبيين الذين حضّهم الرئيس الأوكراني على التحرك، إلى تشديد عقوباتهم ضد روسيا.

وفي اليوم السادس من الغزو الروسي لأوكرانيا، تعاقبت الغارات القاتلة على مدينة خاركيف، ثاني مدن البلاد التي تغزوها القوات الروسية.

وقصفت الساحة المركزية لمدينة خاركيف الواقعة قرب الحدود الروسية والتي يبلغ عدد سكانها 1,4 مليون نسمة، كما تضررت المحافظة الإقليمية، على ما أعلن الحاكم أوليغ سينيغوبوف في مقطع فيديو على تطبيق تلغرام يظهر الانفجار.

“عفن” يمكن استغلاله

ويرى المحلل الدفاعي، كونراد موزيكا، في حديثه مع “ذا إيكونوميست” أن آلة الحرب الروسية تعاني، وأن الحال اختلف عما كان عليه عام 1968، مؤكدا كذلك أن الأداء الروسي “أسوأ ما كان عليه في جورجيا عام 2008”.

ويشير التقرير إلى أن الحرب ساهمت بإجراء إصلاحات في الجيش الروسي، لكن قد لا تكون كافية، مؤكدا أن الصور تظهر طوابير من المدرعات الروسية، كما أن فيديو زعم توثيق آثار كمين أوكراني لأسطول روسي قرب مدينة سومي (شمال شرق)، الأحد، ويظهر المقطع خسارة حوالي 12 مدرعة روسية، بينها دبابتان، ويتساءل التقرير إن كانت هذه “المشكلات” مؤقتة أم تشير إلى “عفن” داخل المنظومة العسكرية الروسية قد يتاح للأوكرانيين استغلاله؟

ويبدو أن أكبر مشكلة تواجه روسيا هي اللوجيستيات، وفقا للتقرير، الذي نقل عن مسؤول غربي قوله إن روسيا تعاني مشكلات خاصة مع الوحدات الهندسية. إذ فجرت أوكرانيا العديد من الجسور ، ولم تتمكن روسيا من تمرير وحداتها عبر الطرق المزدحمة.

وتقبع الدبابات الروسية ومركبات أخرى مهجورة على جانب الطريق، إما معطلة أو نفدت من الوقود، مما يشير إلى أن خطوط الإمداد تعمل فوق طاقتها، وأن وحدات الدعم غير قادرة على مواكبة ذلك، وفقا للتقرير.

ويشير التقرير أيضا إلى أن الوحدات العسكرية الروسية التي تقطعت بها السبل تعد أهدافا رئيسية للكمائن، وأن القوات الأوكرانية لا تواجه أي نقص في الأسلحة للقضاء عليها في الأيام الأخيرة، حيث عرضت الدنمارك ولوكسمبورغ وفنلندا مؤخرا، إلى جانب دول عدة، تزويد أوكرانيا بآلاف الصواريخ المضادة للدبابات.

تكتيكات “انتحارية”

كما أن روسيا لم تؤمن سماء المعركة كذلك، إذ ظن المسؤولون الغربيون أن الصواريخ الروسية ستقضي على الدفاعات الجوية الأوكرانية، وهي شبكة من الرادارات وصواريخ أرض -جو، في الساعات الأولى من الحرب.

ويشير التقرير إلى أن الضربات كانت أخف من المتوقع، ربما للحفاظ على مخزونات منخفضة من الذخائر الدقيقة.

وربما نتيجة لذلك، لم تستفد روسيا كثيرًا من طائراتها الحربية حتى الآن، رغم أن اللقطات الأخيرة تظهر مقاتلات “Su-34” فوق خاركيف وفي جنوب أوكرانيا.

ووفقا لـ “ذا إكونوميست” فإنه من المفترض في الحروب الحديثة، أن تعمل مختلف العناصر مع بعضها بشكل تكاملي، بما في ذلك المشاة والدروع والمدفعية والدفاع الجوي والوحدات الهندسية والحرب الإلكترونية، حيث تعوض كل وحدة عن نقاط ضعف الأخرى.

وتقول الصحيفة إن روسيا تقوم بتجزئة هذا التوزيع بين وحداتها العسكرية، و”في بعض الحالات، تكتيكاتها تقترب من الانتحار”.

كما يؤكد التقرير أن ​​هناك علامات تدل على ضعف الروح المعنوية في بعض الوحدات. ويُظهر مقطع فيديو عمودًا واحدًا على الأقل من الدبابات وهو يتراجع بسرعة بعد أن واجهه مدنيون عزل.

ويقول ديما أدامسكي، الخبير في شؤون القوات المسلحة الروسية في جامعة رايشمان في إسرائيل، إنه فوجئ بالعدد الكبير من المجندين الشباب، مشيرا إلى أن الأمور قد تختلط لديهم حول ما إذا كان خصومهم الأوكرانيون إخوة مرتبطين بـ “روابط روحية وإنسانية وحضارية”، وهذا أمر ورد على لسان الرئيس الروسي نفسه في مقال نُشر في الصيف الماضي، أم إن كانوا “أدوات للنازيين” و”مدمني مخدرات”، كما قال بوتين أيضا في تصريحاته الأخيرة.

ويرى بعض المسؤولين والخبراء العسكريين الغربيين أن الجيش الروسي “نمر من ورق”.

يقول بي فريدمان، محلل عسكري وضابط احتياطي في سلاح مشاة البحرية الأميركية للصحيفة: “إنه جيش سيء!”، لكن آخرين يقولون إن التكتيكات الروسية قد تتكيف مع التطورات في الأيام والأسابيع المقبلة.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين قولهم إن روسيا لم تنشر بعد ربع القوات على الحدود الأوكرانية. كما أكد مسؤولون أميركيون أيضا أن موسكو أرسلت مقاتلين من مجموعة “فاغنر”، وهي جماعة مرتزقة مرتبطة بالكرملين إلى أوكرانيا.

ويضيف أدامسكي أن روسيا بذلت حتى الآن جهدا لتجنب وقوع خسائر في صفوف المدنيين مقارنة بحملتها الجوية في سوريا، وهو ما كان متوقعًا في بداية الصراع. لكنه يحذر من أن الحرب قد تدخل “مرحلة أكثر قبحا”.

ويستدل على ذلك بما حل في خاركيف، حيث بدأت الصواريخ والذخائر العنقودية في استهداف المناطق السكنية، مما ألحق أضرارا واسعة النطاق بمجموعات كاملة من الشقق.

وتظهر الصور الجثث متناثرة في الشارع، كما أن ظهور مقاتلات Su-34 يشير إلى احتمال قصف المدينة من الجو قريبا.

ويختتم التقرير بالتأكيد على أن “مقامرة بوتين بشن حرب سريعة فشلت، ويبدو الآن أنه عازم على حرب قاتمة”.