لبنان يعيش الأزمة الأوكرانية.. الأمن الغذائي مهدد على أبواب رمضان

يتابع اللبنانيون مجريات الاجتياح الروسي لأوكرانيا بترقب وخوف بالغين، على الرغم من بعدهم الكبير عن آثاره العسكرية ومخاطره الأمنية، حيث تتحضر البلاد التي تعاني منذ عامين من أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها، لتداعيات معيشية لا تقل خطورة عن تأثير الحرب.

وبدأت بوادر الآثار السيئة للحرب الروسية على أوكرانيا تلوح في أفق لبنان القريب، مهددة بأزمة أمن غذائي تبدأ من رغيف الخبز اليومي، وقد لا تتوقف عند حد، إذا ما طال أمد الغزو.




وفي ظل انهيار مالي أودى بالقيمة الشرائية لعملة الليرة اللبنانية وسعر صرفها مقابل الدولار (1$ = 20500 ليرة)، إضافة إلى الاعتماد الكلي للاقتصاد اللبناني على الاستيراد لتوفير حاجاته الأساسية والثانوية، باتت أسعار السلع والمواد الغذائية والخدماتية ترتبط مباشرة بالأسواق العالمية، وتتأثر معيشة اللبنانيين بأقل تغيير قد يطرأ عليها. ومن هنا يصبح مفهوماً سبب انقباض قلوب اللبنانيين صباح اليوم التالي للغزو الروسي، الذي افتتحت معه البورصات العالمية على ارتفاعات في أسعار المواد الأساسية، كالنفط والغاز والقمح والمواد الخام.

تقول التقارير الدولية إن أكثر من نصف اللبنانيين أصبحوا تحت خط الفقر
تقول التقارير الدولية إن أكثر من نصف اللبنانيين أصبحوا تحت خط الفقر

القمح أقرب المصائب

بعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس 2020، خسر لبنان من بين خسائره، مخزونه الاستراتيجي من القمح، بعدما لحق دمار كبير بصوامع التخزين أخرجها من الخدمة نهائياً بعدما كانت تستوعب نحو 120 ألف طن.

ومنذ ذلك الحين، عجزت حكومات البلاد عن تأمين أماكن تخزين بديلة، فضلا عن استيراد كميات كافية لتعويض النقص في مخزون، ليبقى الاعتماد خلال العامين الماضيين على ما تستورده المطاحن من الخارج مباشرة وما تخزنه في مستودعاتها من قمح.

وتبلغ حاجة لبنان الشهرية من القمح ما يقارب الـ50 ألف طن.

وفي عام 2020، استورد لبنان من أوكرانيا أكثر من 630 ألف طن، مثلت 80 في المئة من حاجته الاستهلاكية السنوية، في حين أنه استورد 15 في المئة من روسيا وخمسة في المئة من باقي الدول. وفي العام الماضي، استورد لبنان 520 ألف طن من أوكرانيا والباقي من روسيا.

مخزون المطاحن في لبنان اليوم لا يكفي لأكثر من شهر واحد، وقد يصل إلى شهر ونصف على أبعد تقدير إذا ما أتم مصرف لبنان تحويلاته لسداد ثمن جميع شحنات القمح التي كانت قد طلبتها المطاحن اللبنانية في الفترة الماضية، ولا تزال في البحر.

في لبنان سكان يخافون الفقر والعوز أكثر من الإصابة بكوفيد-19
تهدد الحرب على أوكرانيا إمدادات الغذاء في لبنان

وبحسب تصريحات صحفية لوزير الاقتصاد اللبناني، أمين سلام، فإن الحكومة اللبنانية تسعى للتوصل إلى اتفاقيات مع دول عدة، بشأن استيراد القمح بأسعار مناسبة لتأمين احتياطات تصل إلى شهرين، من أجل التعويض الناتج عن تعطل عمليات استيراد القمح من أوكرانيا والتي قدرها سلام بنحو 60 في المئة من حاجة البلاد.

الجهود الحكومية سرعان ما انعكست تحويلات من مصرف لبنان لعدد من شحنات القمح المستورد مسبقا، والمحسوبة من حجم احتياط القمح، مقابل موافقة حكومية جديدة على استيراد ٥٠ ألف طن من القمح عند الحاجة وتخصيص الأموال لذلك، لكن المشكلة تبقى في المصدر والسعر إضافة إلى سرعة إيصال الإمدادات قبل أن يقع الانقطاع.

وبحسب نقيب مستوردي القمح في لبنان، أحمد حطيط، لن يكون هناك أزمة في المدى القريب إذا ما عجلت الحكومة في إجراءاتها واستبقت وقوع الأزمة، “أما الواقع حالياً، فإن مخزون لبنان محدود جدا ولا يزيد عن الشهر ونصف في حال سدد مصرف لبنان ثمنها، في المقابل فإن حركة التصدير من أوكرانيا متوقفة نهائيا ومرافئ البلاد مغلقة”.

ويضيف حطيط في حديثه لموقع “الحرة” أن أمام لبنان خيارات متعددة مثل رومانيا صربيا وهنغاريا في الوقت الحاضر، بما أن منطقة البحر الأسود لم تقفل كلياً، أما الخيارات الثانية تتمثل في أوروبا كألمانيا وفرنسا، في حين أن الخيار الثالث الذي يتمثل في الولايات المتحدة الأميركية والأرجنتين، قد يحتاج إلى وقت أطول لتأمين وصول القمح، بسبب مدة الشحن من القارة الأميركية إلى لبنان، “وبالتالي يمكن العمل على هذا الخيار على المدى الطويل، ولكن على المدى القصير سيكون المطلوب منطقة أقرب إلى لبنان”.

تطمينات حكومية وسط أزمة عالمية

وعلى الرغم من التطمينات الرسمية الصادرة عن الحكومة اللبنانية، لا يبدو أن حل هذه الأزمة سيكون سهلاً، إذ أن الحرب على أوكرانيا ستترك تداعيات عالمية على سوق القمح الذي ارتفعت أسعاره في اليوم الأول للغزو، 40 يورو للطن في البورصات الأوروبية، و50 دولارا في البورصة الأميركية، ما يعني بحسب حطيط أن “كل الدول التي تستورد قمحها من أوكرانيا ستبحث عن بديل، في حين أن من يملك مخزوناً كافياً سيفضل الاحتفاظ بفائضه على أن يبيعه في ظل هذه الأزمة”.

من جهته يلفت المدير العام للحبوب والشمندر السكري في وزارة الإقتصاد اللبنانية، جريس برباري، إلى أن لبنان لا يملك ترف الوقت ولا خططاً واضحة على صعيد تأمين مخزون القمح، ويضيف في حديثه لموقع “الحرة” أنه وعلى الرغم من أن المخزون يكفي لشهر أو أكثر، فإن المدة اللازمة لتأمين البديل أقل بكثير، إذ تتراوح ما بين 10 و15 يوماً، “إذ لا يمكن المخاطرة بانتظار نفاذ المخزون نهائياً، وعلينا العمل على تأمين النقص الذي يطرأ مع كل يوم تأخير، ما سيحتم البحث مجدداً عن مصادر للمحافظة على استمرار الامدادات، في ظل أزمة أخرى تتمثل في آلية ومكان تخزين القمح إذا ما استحضر بكميات كبيرة إلى لبنان”.

لبنان يمر بأزمة اقتصادية هي الأسوأ منذ سنوات
لبنان يمر بأزمة اقتصادية هي الأسوأ منذ سنوات

بالنسبة إلى برباري لا يمكن بعد، التنبؤ بحجم تأثر لبنان وأمنه الغذائي بما يجري في أوكرانيا، إلا أن هناك خيارات أخرى أمام لبنان اليوم غير أوكرانيا، “كنا في السابق نستورد من روسيا ورومانيا، وإن كان هناك مشكلة لدى روسيا في نظام “السويفت” سيكون أمامنا خيار رومانيا، كما كنا نستورد في الماضي من كازاخستان وكل هذه دول قريبة، كذلك عرض السفير الهندي تأمين القمح للبنان، وهناك اتجاهات أخرى كفرنسا وأميركا وكندا”.

حاليا تعد الحكومة اللبنانية دفتر شروط، نقدم فيه مواصفات القمح المطلوب والمدة المطلوب تأمينه فيها والسعر، على تقرر بحسب العروض الواردة إليها، وفق ما يؤكد برباري، الذي يرى أن “الوضع استثنائي جداً، لكن طمأنتنا للناس ناتجة عن أننا واعون للمشكلة ونعمل على حلها، ولذلك لا داعي أن تهلع الناس، خاصة أن خوفهم سينعكس تهافتا على شراء الخبز، وإن كان المخزون سيكفي لخمسة أسابيع، قد ينتهي في أسبوع او أسبوعين، لذلك ندعو الناس إلى عدم الخوف إلى أن يكون وصل الحل مع استقدام بواخر جديدة.”

أما بالنسبة إلى الأسعار، والتي تمثل لب اهتمام المواطن اللبناني اليوم، يقول نقيب مستوردي القمح أن الكميات الموجودة اليوم في الأسواق لا يجب أن يتغير سعرها حتى شهر، نظرا لكون القمح الموجود لدى المطاحن اليوم قد تم شرائه على الأسعار القديمة، “إلا إذا ما طرأ تغييرات على أسعار المحروقات ولاسيما سعر المازوت، وهذا وارد بسبب تغير سعر النفط عالمياً، إضافة إلى سعر صرف الدولار الذي من شأنه أن يؤثر على أسعار الخبز أيضاً، وكل ما ستطول الحرب في أوكرانيا كلما تأثرت الأسعار أكثر فأكثر”.

وبالنسبة إلى إنتاج لبنان من القمح، يقول برباري، إن القمح المزروع في لبنان “لا يناسب في نوعيته إنتاج رغيف الخبز اللبناني أو الخبز الطري، لكونه قمحا قاسيا يستخدم في صناعة البرغل والمعكرونة، ولذلك جرت العادة على تصدير ما يزرعه لبنان من قمح، كما أن كل الإنتاج السنوي لا يتخطى الـ50 ألف طن، وهي تمثل حاجة لبنان لشهر واحد لا أكثر”.

اللبنانيون يعانون من ارتفاع الإيجارات بشكل قياسي في ظل أسوأ أزمة اقتصادية تعيشها البلاد
الفقر يهدد استقرار الأوضاع في لبنان

القمح ليس وحيدا

ويبلغ حجم استيراد لبنان من أوكرانيا نحو نصف مليار دولار سنويا، وفيما يحظى القمح بالحيز الأكبر من التبادل التجاري بين البلدين، إلا أن لبنان يستورد من أوكرانيا أنواع أخرى وكثيرة من الحبوب يبلغ حجمها نحو 50  في المئة من مجمل حجم الاستيراد، كالذرة والشعير اللذان يستخدمان في إنتاج الأعلاف للحيوانات، ما يهدد القطاعات الزراعية بالتداعيات أيضاً خاصة وأن لأوكرانيا سوق مواشٍ كبير في لبنان، فضلاً عن اعتماد أساسي على الزيوت النباتية الأوكرانية.

ووفقاً لنقيب مستوردي المواد الغذائية في لبنان، هاني البحصلي، فإن لبنان يستورد 100 ألف طن من الزيوت في السنة، موزعة على زيت دوار شمس، الذرة، الصويا والكانولا، 90 ألف طن منها زيوت دوار الشمس.

ويشير في حديثه لموقع “الحرة” إلى أن 60 في المئة من زيت دوار الشمس في لبنان مصدره أوكرانيا، 30 في المئة من روسيا، و10 في المئة موزعة على تركيا، مصر والسعودية.”

“من هنا يمكن ان نلمس حجم الأزمة المقبلين عليها”، بحسب البحصلي، “فأوكرانيا متوقفة عن التصدير حالياً، فيما روسيا ستواجه مشاكل في نظام السويفت، ما سيعطل عملية الاستيراد منها”.

وحتى الصناعات الوطنية للمواد الغذائية التي يراهن عليها البعض للتعويض تعتمد في انتاجها على مواد أولية وخام من الخارج، فلبنان لا يزرع الذرة ودوار الشمس ليعصره ويصنع منه زيتاً على سبيل المثال، “وبالتالي المشكلة تشمل الصناعات الوطنية والمستوردة على حد سواء”.

ويلفت البحصلي إلى وجود طلبيات مسبقة، بضائع مخزنة وأخرى مصنعة وقادمة في الشحن وهناك طلبيات مجهزة في المصانع تنتظر توريدها، “المشكلة أننا اليوم لا نتلقى جوابا من المصانع في أوكرانيا وهذا مفهوم بسبب الحرب الدائرة هناك، لكن المطمئن ان مخزون الزيوت والحبوب وغيرها لم تتضرر بعد، وبالتالي كله رهن بهدوء الأوضاع في أوكرانيا لتعود حركة التجارة إلى سابق عهدها”.

لا بديل حتى الآن

وبينما تجهد الحكومة في البحث عن بدائل للقمح، يحذر البحصلي من انعدام البدائل المتاحة حالياً لاستيراد الزيوت أو المواد الخام لإنتاجها، ويضيف “البديل هو بالذهاب إلى تركيا ومصر والسعودية، اليوم السعودية ليست خيارا للاستيراد بسبب الأزمة الديبلوماسية مع لبنان، وتركيا ومصر بدورهم يشترون الخام من أوكرانيا وبالتالي الأزمة ليست مقتصرة على لبنان وإنما هي مشكلة عالمية نتأثر بها”.

ويؤكد البحصلي وجود صعوبات بالغة في التعويض عن النقص في الواردات من أوكرانيا، “ولكن لعدم استباق الأمور، لا زلنا في الأيام الأولى من الأزمة الأوكرانية وقد يطرأ تبدلات على الواقع الحالي إذا ما انتهت الحرب سريعا، وإن استمرت الحرب لمدة أطول، لن تبقى المشكلة في الزيت أو القمح أو المواد الغذائية فقط، فأسعار المحروقات والبترول عالميا ستتأثر وتنعكس علينا.”

ويختم البحصلي منبها إلى أن الأزمة الحالية تأتي على أبواب شهر رمضان، الذي يشهد ارتفاعات كبيرة في حجم استهلاك المواد الغذائية ولاسيما الحبوب والزيوت، “اليوم المعامل تعمل بطاقتها القصوى لتلبية حاجات رمضان المطلوبة مسبقا، راجعنا مع مصر وتركيا وكان الجواب أنه ليس هناك بضائع ليرسلوها أصلا، وبالتالي نحن أمام أزمة إمداد عالمية، وليس أمامنا سوى الانتظار لنرى أين ستنتهي الأمور في أوكرانيا.”




الحرة