بين جنون العظمة وصَغار النفس: قواسم بوتين والأسد

صبحي حديدي – القدس العربي

في توصيف حرب الاجتياح والإلغاء والإلحاق التي يشنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضدّ أوكرانيا الشعب والبلد والتاريخ، يصعب أغلب الظنّ العثور على اختزال أكثر ضحالة وركاكة وتعبيراً عن الذيلية والتذلل أكثر من تصريحات رأس النظام السوري بشار الأسد. ومجرم الحرب هذا، سليل عائلة فاسدة مفسدة طائفية تحكم سوريا منذ 52 سنة بأشدّ صنوف الاستبداد وحشية وهمجية وتجرّداً من كلّ وأيّ رادع، هو نفسه الذي هاتف بوتين كي يطمئنه إلى أنّ بربرية الجيش الروسي في أوكرانيا هي «تصحيح للتاريخ وإعادة للتوازن إلى العالم الذي فقده بعد تفكك الاتحاد السوفيتي». ليس هذا فقط، بل إنّ «مواجهة روسيا لتوسّع الناتو هو حقّ لأنه أصبح خطراً شاملاً على العالم»، وتوجّب أن يختم المهووس بالتفلسف الأجوف هكذا: «الهستيريا الغربية تأتي من أجل إبقاء التاريخ في المكان الخاطئ».




والأسد هذا هو، نفسه، الذي يواصل تراث أبيه في اغتصاب سوريا وتخريبها وتدمير بُناها الوطنية والسياسية والاجتماعية والثقافية والديمغرافية، ويتمرّغ في إسار احتلال من دولتين أطلسيتين (الولايات المتحدة وتركيا)، وثالثة بمثابة مخفر أمامي أطلسي (دولة الاحتلال الإسرائيلي)، إلى جانب روسيا بوتين إياه، وإيران آيات الله مباشرة أو عبر «حزب الله» وشتى المرتزقة والميليشيات المذهبية. ورغم حرص الكرملين على الإيضاح بأنّ اتصال الأسد جاء بمبادرة منه، وليس من بوتين؛ فإنّ إعلام النظام، صحبة هذه أو تلك من الأقنية «الممانعة»، حرص على التشديد بأنّ سيّد الكرملين «تشاور» مع الأسد قبيل الشروع في اجتياح أوكرانيا.

وهذه حال تذكّر بمسخرة أخرى، من الجانب الروسي هذه المرّة، بصدد العلاقة مع رأس النظام السوري؛ ساعة انقلاب الأخير إلى وحش أعزل، مطلع العام 2012. يومذاك بادر فاليري غانيتشيف، رئيس «اتحاد كتّاب روسيا»، إلى منح الأسد جائزة «أحد أهم رجال الحقل السياسي والاجتماعي والحكومي»، وذلك بسبب «صموده في مقاومة الهيمنة الغربية في محاولة إملاء إرادة مستعمري عالمنا الحالي على الشعب السوري».

وقال الرئيس العتيد، في خطبة تسليم الجائزة إلى سفير النظام في موسكو: «توجد مجموعات متضررة من مقاومة الهيمنة تحاول استثارة الشارع، ونرى ازدواجية المعايير في التعاطي مع الأحداث في المنطقة»؛ مشدداً على أنّ «سوريا كإحدى أروع التشكيلات الاجتماعية، تتعرض لهجمات همجية لتفتيتها تحت اسم ثورة».‏

وهكذا فإنّ غانيتشيف لم يسمع بمقتل الآلاف وبينهم أطفال ورضّع، والتمثيل بالجثث، واغتصاب الصبايا والنساء، وممارسة أبشع صنوف التعذيب، واعتقال عشرات الآلاف، وتحويل المدارس والملاعب والساحات العامة وعربات القطارات وحاويات السفن إلى سجون. ولم تبلغه أخبار حصار القرى والبلدات والمدن، واستهدافها بأسلحة ثقيلة شتى، من المدفعية وراجمة الصواريخ، إلى الحوّامة والقاذفة المقاتلة. وتلك الانتفاضة الشعبية في سوريا ليست من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة والمستقبل الأفضل، بل هي «هجمة شرسة»، فقط، تستهدف الأسد «الذي يلاقي تطلعات شعبه».

وأبعد من مبدأ الطيور التي على أشكالها تقع، إذ شتان بين آمر غازٍ نووي النواجذ مثل بوتين، وتابع صاغر مهين كيميائي الحقد براميلي الضغينة مثل الأسد؛ ثمة، هنا، طراز لافت من التكامل المَرَضي بين جنون العظمة ونوستالجيا الإمبراطورية عند الأوّل، وجنون صَغار النفس وهوس التشبث بالسلطة عند الثاني. وفي تدابير الأحكام الجيو – سياسية، وما يتحكّم في مسارات هذا أو ذاك من كبار الأباطرة وصغار الطغاة؛ لا تصحّ الاستهانة بالبواطن الخافية طيّ أباطيل بوتين حول محاربة النازية في أوكرانيا، أو تخرصات الأسد حول تصحيح التاريخ.

الجاهز للتهديد بالأزرار النووية في تبرير اجتياح بلد وإلغاء شعب، أو المستعدّ لقصف بلدات وقرى بقذائف إبادة جماعية كيميائية وجرثومية، ليسا في نهاية المطاف بحاجة إلى وقوع الشكل على الشكل، ويكفي سجود الثاني أمام الأوّل كي تتضح الصلات، ويُعثر على القواسم المشتركة.