الرهان على محاصرة وليد جنبلاط يتجدّد

كلما اقترب الاستحقاق الانتخابي كلما ازدادت حماوة الحملات ولاسيما بين محور الممانعة من جهة ومحور الفريق السيادي من جهة أخرى. وإذا كان حزب الله نظر بإرتياح كبير لعزوف رئيس «تيار المستقبل» سعد الحريري عن خوض الانتخابات لأن خطوته هذه ستشتّت الصوت السنّي وتتيح له وضع يده على عدد من المقاعد السنية في بيروت والجنوب والبقاع الغربي والبقاع الشمالي، إلا أنه لا ينظر بإرتياح إلى تحالف الحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية، ويعرف أن الحزبين اللذين شكّلا الركيزة الأساسية لقوى 14 آذار/مارس بإمكانهما إعادة بث روح انتفاضة الاستقلال وتشكيل جبهة سيادية قوية يلاقيها الرئيس فؤاد السنيورة وأحزاب وقوى سياسية لترسم من جديد خريطة طريق تؤسس لمحطة تاريخية استقلالية شبيهة بتلك التي بدأت بين البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير والزعيم الدرزي وليد جنبلاط.

لذلك لا يتورّع حزب الله وبعض حلفائه عن بذل كل محاولة ممكنة لمحاصرة المختارة ومعراب، وإذا كان رئيس القوات سمير جعجع نال نصيبه ولا يزال من حملات الحزب علناً بعد غزوة عين الرمانة، فإن الحزب يعتمد مع جنبلاط أسلوباً آخر ويلجأ إلى استفزازه من خلال ضخّ أخبار ونشر سيناريوهات غريبة ونسب مواقف لسيّد المختارة هدفها الإساءة إلى علاقته بحلفاء الداخل المنتمين إلى الخط السيادي والإساءة أيضاً إلى علاقاته بالعمق العربي في محاولة يائسة لزرع التفرقة والتشويش على أي تحالف سياسي انتخابي في الجبل وعلى امتداد الدوائر الانتخابية.




ولم تنطل مثل هذه المحاولات على أحد، وباتت معالم الحملة المبرمجة واضحة لدى الحزب الاشتراكي وحلفائه الذين لن يقعوا في أفخاخ ينصبها لهم أعداء السيادة والراغبون بتكريس هيمنتهم واستكمال محاصرة من يشكلون رأس حربة في مواجهة مشروع حزب الله والهيمنة الايرانية.

ويقول أمين السر العام في الحزب التقدمي الاشتراكي ظافر ناصر لـ «القدس العربي»: «لا شك بأن محاولة محاصرة الرئيس وليد جنبلاط لم تتوقف من قبل فريق الممانعة بهدف الامساك بكل مفاصل الحياة السياسية، واليوم يتجدّد هذا الرهان خصوصاً مع عزوف تيار المستقبل على اعتبار انهم يقدرون على تحقيق هذا الهدف الآن كون الحليف الأساسي خارج الانتخابات، ويرفدون محاولاتهم هذه بمنطق التخوين الذي تعوّدوا عليه.

وفي الوقت نفسه لا ينطقون ببنت شفة في موضوع التنازل عن الخط 29 لصالح الخط ٢23 في الترسيم البحري في ظل ما حكي عن صفقة لإراحة أحدهم».

ويضيف المسؤول الاشتراكي «أولاً ليسوا هم معيار الوطنية ولا بأي شكل ولا هم يحددون، واصلاً من منحهم هذه الصلاحية؟ ثانياً هل كل الاستعراضات العسكرية الجوية والأرضية والكلامية كان هدفها تغطية فضيحة الصفقة خدمة لأحدهم. فأين المصلحة الوطنية العليا وأين حماية مقدرات البلد وحماية حقوق اللبنانيين؟». ويستغرب ناصر كيف «يسعون لمحاصرة فريق سياسي معين ويطلقون اتهامات التخوين له بينما في المقلب الآخر الصمت سيّد الموقف».

ويعتبر ناصر «أن الأهداف واضحة وهي الحصول أولاً على عدد من المقاعد الدرزية بحيث ستكون سياسياً حكماً في صلب مشروعهم وفريقهم السياسي، وثانياً يحاولون ضرب الدور الوطني للحزب التقدمي الاشتراكي كواحد من القوى السيادية التي لم تستسلم ولن تستسلم لمحاولات أخذ البلد إلى محاور تناقض هويته وموقعه العربي والمنفتح والمتنوع».

ويختم «في موضوع التحالفات، التحالف قائم مع القوات اللبنانية ويستكمل النقاش بخصوص اللوائح والأسماء بالإضافة إلى التحالف مع شخصيات مستقلة لها رمزيتها وحضورها».

وهذه ليست المرة الأولى التي تتعرّض فيها المختارة لحصار وتختار مواجهته بالصمود والتصميم إيماناً منها بخط المعلم كمال جنبلاط الذي سبق وأزعج أعداء السيادة والإصلاح ورفض سلخ لبنان عن عروبته. وعلى خطى أبيه يسير وليد جنبلاط متمسكاً بخوض معركة السيادة وشبك الأيدي مع كل المرجعيات الوطنية المؤمنة بالدولة ورفض سياسة المحاور من البطريركية المارونية إلى دار الفتوى إلى الجمهور السيادي بدءاً بالجبل إمتداداً إلى راشيا وحاصبيا واقليم الخروب وبيروت والشمال.

وقد كان واضحاً جنبلاط في خلال اجتماع المجلس المذهبي الدرزي برئاسة الشيخ سامي ابي المنى عندما ألمح إلى محاولات تهميش دوره وخطف عدد من المقاعد منه بقوله «إنها انتخابات سنحافظ فيها على التنوع وعلى وحدة الصف لكن أيضاً في هذه الانتخابات هناك ملامح لإلغاء الدور الوطني والعربي للمختارة، وهذا الأمر سنواجهه بهدوء وحزم ونعلم أن مشروع المقاومة وحلفاءها هو إلغائي في الأساس ولا يعترف بأحد ولا بالتراث ولا بالتاريخ ولا بالتضحيات».

ومن راقب حركة وليد جنبلاط في الثلاثين سنة الماضية يعرف أنه قادر على شدّ عصب جمهوره وطائفته في الوقت المناسب ويعرف التعايش مع الأزمات المصيرية والخروج منها منتصراً، وبالتالي إن رهان حزب الله على تحجيم كتلة «اللقاء الديمقراطي» ونقل المعركة إلى المقاعد الدرزية سيطرح إشكالية كبيرة وقد يؤدي إلى اندفاعة درزية ترفض كسر زعامة البيت الجنبلاطي ولا تقبل بأي إخلال بالتوازنات السياسية سواء على صعيد الجبل أو على صعيد الوطن.