ربح الأسد حرب سوريا لكن هل استعاد قرارها؟

سركيس نعوم – النهار

الخارج الإقليمي والدولي كان دائماً الناخب الفعلي لرئيس الجمهوريّة ال#لبنانيّة منذ استقلالها عام 1943 حتّى اليوم. على سبيل المثال لا الحصر، يمكن الإشارة إلى أنّ بريطانيا كان لها دورٌ في انتخاب #كميل شمعون رئيساً في آخر لحظة بعدما كان انتخاب نائب زغرتا حميد فرنجية مرجّحاً جدّاً أو بالأحرى مُقرّراً ومدعوماً من فرنسا. والولايات المتّحدة ومصر عبد الناصر كان لهما الدور الأوّل بل الأوحد في انتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهوريّة في أعقاب “ثورة 1958” التي دامت قرابة ستة أشهر. والرئيس رينه معوّض كانت المملكة العربيّة السعوديّة والولايات المتّحدة ناخبتين له بموافقة وإن “شكوكة” من سوريا حافظ الأسد. لكنّ الأخيرة احتكرت إذا جاز التعبير انتخاب رؤساء جمهوريّة لبنان بعد اتفاق الطائف بموافقة عربيّة سعوديّة وأميركيّة باستثناء الرئيس الحالي ميشال عون الذي احتكر ترئيسه “حزب الله” ومؤسِّسته وراعيته إيران الإسلاميّة. طبعاً ما كان في إمكان سوريا الأسد الابن الاعتراض لأنّها كانت تخوض حرباً شرسة ضدّ قسمٍ كبيرٍ من شعبها في البداية ولاحقاً ضدّ المنظّمات الإسلاميّة المُتشدّدة حتّى العنف والتكفير، ولأنّ إيران و”الحزب” كانا يخوضان الحرب إلى جانبها. أمّا العرب وتحديداً عرب الخليج فقد كان دورهم استشاريّاً إذا جاز التعبير على هذا النحو ومن خلال “ابنهم” سعد الحريري وحليفه سمير جعجع. كانوا يراهنون على تنفيذ وعدٍ قطعه له فريق 14 آذار قبل انفراط عقده بقليل وخصوصاً الحريري بأنّه سينتزع الرئيس المُنتخب عون من قبضة “حزب الله” وحليفته إيران.




طبعاً هذا تاريخٌ يعرفه اللبنانيّون. لكنّ التذكير به ضروري لأنّ انتخاب خلفٍ للرئيس عون سيتمّ إذا تمّ في ظروف مختلفة عن الانتخابات السابقة باستثناء انتخاب عون قبل نيِّف وخمس سنوات. يعني ذلك أنّ الناخب المحلّي الأكبر له سيكون “حزب الله” وحليفته الإقليميّة إيران. علماً بأنّ ذلك قد لا يكون سهلاً مثل انتخاب عون. فالكتلة النيابيّة السُنيّة الأكبر في الظروف الحاليّة الصعبة لرئيسها الحريري وبعواطف “الشعب السُنّي” لن تنتخب الرئيس المقبل إذا اختاره “الحزب” خلافاً لما حصل عام 2016. و”القوات اللبنانيّة” وجهات مسيحيّة أخرى ستفعل الشيء نفسه، وربّما يتّخذ الدروز الموقف نفسه أيضاً. لذلك يُصبح نجاح إيران و”الحزب” في إيصال من هو موالٍ لهما فعليّاً وإن بمظهر مُعتدل غير جدّي متوقّفاً على حصولهما على غالبيّة نيابيّة، وعلى قدرتهما على تأمين نصاب جلسة الانتخاب الأولى والجلسات اللاحقة، وفي الوقت نفسه على التلويح بقوّتهما العسكريّة المحليّة وإن من دون الحاجة إلى استعمالها. علماً بأنّ نجاح مفاوضات فيينا في إعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي مع إيران ربّما يجعل اختيار رئيسٍ للبنان أكثر سهولة وإن كان محسوباً في شكلٍ أو في آخر على حليف الثانية أي “حزب الله”.

في أيّ حال، الموضوع الذي سيُعالجه “الموقف هذا النهار” اليوم يُثير أسئلة مهمّة عند جهات لبنانيّة عدّة وهي الآتية: هل أصبحت سوريا الأسد الابن بعد “نجاحها” بمساعدة إيران و”حزب الله” وروسيا في ربح حربها الداخليّة التي تسمّيها كونيّة قادرة على استعادة دورٍ في اختيار رئيس لجمهوريّة لبنان في الخريف المقبل؟ وهل سيتفهّم حليفاها “حزب الله” وراعيته إيران رغبتها في دورٍ رئاسيّ لبناني بالاشتراك معهما؟ وهل ستُحاول سوريا بعد ذلك العودة إلى لبنان بالسياسة والاستخبارات لا بالعسكر واستعادة نفوذٍ كان لها فيه؟ وهل سيقبل “حزب الله” ذلك وإيران؟ وهل ستكون عودتها في مصلحة انتخاب حليفها فرنجية رئيساً للدولة اللبنانية؟

الأجوبة عن هذه الأسئلة المتشعّبة ليست سهلة. لكنّ مُتابعين جديّين لأوضاع لبنان والمُتدخّلين فيه من خارج يختصرون الأجوبة عن بعضها بالآتي:
1- ربّما تنطوي الأسئلة على محاولة دقّ إسفين في العلاقة بين سوريا وإيران و”الحزب” في رأي الأخيرَيْن. لكنّهما واثقفان بأنّ علاقتهما بأسد سوريا ستبقى تحالفيّة، وهي معمّدة بالدم ولن يسمحا كما لن تسمح هي بأن تتحوّل علاقة تنافسيّة ولاحقاً ربّما عدائيّة. فـ”حزب الله” أبلغ سوريا من زمان استعداده لتلبية مطالبها اللبنانيّة بكلّ طيب خاطر وعلى نحوٍ يؤمِّن مصالحها ومصالح لبنان. وليست هناك شكوك متبادلة عند الفريقين. وهما يُرجّحان بل يؤكّدان استمرار علاقتهما التحالفيّة بل دوامها.

2- يعتقد البعض في لبنان أن الرئيس #بشار الأسد ربح الحرب في سوريا في صورة عامّة رغم بقاء مناطق خارج سيطرته (إدلب ومحيطها حيث توجد تركيا وتنظيمات إسلاميّة مُتشدّدة، وشرق الفرات حيث توجد أميركا و”قوات سوريا الديموقراطيّة” الكردية المدعومة منها). ويعتقد البعض نفسه أيضاً أنّ الأسد ضمن بقاء “شعبه” في السلطة وفي موقع قويّ داخل دولة سوريا الجديدة عندما يتمّ التفاهم عليها. لكنّ ذلك سيفرض على الأسد تنازلات مثل اقتسام السلطة مع السوريّين الآخرين ربّما باستثناء “الأمن” والعسكر اللذين سيبقان من مسؤوليّة “شعبه” وبموافقة خارجيّة على الأرجح. لكنّ هذا البعض في لبنان يعتقد في الوقت نفسه، برغم “الانتصار والبقاء”، أنّ الفاعليّة في سوريا الآن هي لروسيا وإيران، ولذلك لن يستطيع الأسد الانفراد بالقيام بشيء الآن وفي المستقبل المنظور. وسيبقى “الحزب” يؤمّن مصالحه ومعه إيران. علماً بأنّ ذلك لن يحرمه إبداء رأيٍ في الرئيس الجديد للبنان وفي قضايا مهمّة أخرى. فهل يكون رأيه لمصلحة سليمان فرنجية أو لمصلحة مرشّح آخر يعتبر هو و”حزب الله” وإيران أنّ رئاسته للبنان ستكون مُفيدة لهم جميعاً؟

ماذا عن “المرشّح” لرئاسة الجمهوريّة العماد جوزف عون؟ علماً بأنّ من يُرشّحه هو الإعلام وربّما بعضٌ من السياسيّين إذ لم يصدر عنه حتّى الآن ما يؤكّد طموحاً له فيها وما يشير إلى جهود يبذلها للفوز بها؟